fbpx

هنا القصة الثالثة

ياسمين ابراهيم

ياسمين ابراهيم

مقالات الكاتب

لماذا يكرّم حزب الله عبد الحسين شرف الدين؟

للمرة الثانية، وعلى مدى ثلاثة أيّام، بثّت قناة المنار، الناطقة بلسان حزب الله، برنامجاً يكرّم عبد الحسين شرف الدين ويحتفي به، هو الذي لعب دوراً بارزاً في التاريخ الشيعي اللبناني السابق على قدوم موسى الصدر إلى لبنان، وتحديداً إلى صور حيث أقام شرف الدين وعائلته.

ومعروف أن حسن نصر الله، الأمين العام للحزب، سبق أن عبر أكثر من مرة عن تقديره لشرف الدين، وقد اعتبر في إحدى مناسبات تكريمه أن الإمام الصدر كان إكمالاً لما بدأه الإمام الراحل، وأن صور هي مدينة الإمامين معاً.

ووراء هذا التكريم يمكن العثور على أسباب كثيرة ومعقدة، تتفاوت في الصدق مثلما تتفاوت في الأغراض التي تستهدفها.

فمن الطبيعي أن يجد حزب الله في شرف الدين مرجعاً لبنانياً يستظل به فقهياً وطائفياً، لا سيما وأن رفقة الطريق بين الحزب ومحمد حسين فضل الله لم تدم طويلاً. وبعدما كان فضل الله يوصف بـ “الأب الروحي لحزب الله”، أفضى الخلاف حول مرجعية علي خامنئي إلى حرب فقهية وسياسية ضروس بين الطرفين.

هكذا يسد عبد الحسين شرف الدين فجوة دينية وفقهية في حزب ديني لبناني يعاني الفقر في الإنتاج الفقهي و”العلمي”، ولا يحول تقليده لخامنئي دون اضطراره إلى مظلة لبنانية. ومعروف أن شرف الدين كان صاحب آراء وفتاوى شديدة المحافظة، خصوصاً منها ما يتعلق باللطم والتطبير في عاشوراء.

اقرأ أيضاً: انتصار كيم، لا انتصار ترامب

ومن جهة أخرى، يخدم الطور الأول من حياة شرف الدين، وهو الذي توّجهُ مؤتمر وادي الحجير (1920)، ما يسند “الخط المقاوم” لحزب الله، فيما يصار إلى طمس الطور الثاني الذي اتسم ببراغماتية تعامله مع السلطات الانتدابية ثم الاستقلالية اللبنانية، لتذليل المشكلات العملية التي يواجهها أي مرجع ديني معني بحاجات جمهوره في نظام قائم على الزبائنية والحصص.

لكن لتكريم عبد الحسين شرف الدين وجهاً آخر هو انعدام الأكلاف السياسيّة التي تترتب على ذلك. فالمعروف أن آل شرف الدين انسحبوا من السياسة بعد نيابة جعفر شرف الدين، نجل عبد الحسين، التي دامت 12 سنة وثلاث دورات انتخابية (1960 و1964 و1968).

شرف الدين هو الذي أتى بموسى الصدر إلى لبنان قبيل رحيله في 1957.


وبعد وفاة جعفر، كانت لنجله الأكبر محمد محاولة لدخول الحلبة الانتخابية لم يُكتب لها النجاح. هكذا، وفي ظل نضوب الوراثة السياسية في العائلة، لا يجد الحزب ما يُضطره إلى “مراعاة” أبناء وأحفاد عبد الحسين فيما هو يكرّمه.

مع هذا، يمكن للتكريم أن يخدم غرضين آخرين:

فشرف الدين هو الذي أتى بموسى الصدر إلى لبنان قبيل رحيله في 1957. في هذا المعنى فإن الحزب بتكريمه له إنما يذكّر بأستاذ الصدر والسبب وراء قدومه إلى لبنان ودوره فيه. وهذا ما قد يحتاجه حزب الله في منافسته التي تحف بالتحالف مع حركة أمل، لا سيما في مدينة صور حيث اليد العليا للحركة.

كذلك لا يخفى، في سلوك الحزب، أنه يضع شرف الدين في مواجهة ضمنية مع محسن الأمين، وهو المرجع الشيعي الذي عاصره ووازاه في “العلم” والتأثير. ويجوز الافتراض أن هذا الانحياز نابع من سببين: فالحزب يرفض مواقف الأمين المتقدمة حيال مسائل اللطم والتطيير، وهو رفض سبق أن عبرت عنه بحدة المؤسسة الدينية الشيعية في إيران. ويجوز الظن بأن التعويل المتزايد في إيران، كما في أدبيات حزب الله المنتشرة في الضاحية الجنوبية، على الأعمال الفقهية المشوبة بالخرافات لآية الله محمد باقر مجلسي، الذي عاش في بواكير العهد الصفوي وكتب “بحار الأنوار”، إنما يفاقم هذا الانزعاج من فتاوى الأمين واجتهاداته. أما السبب الآخر فمرده إلى العدد الكبير نسبياً لمعارضي الحزب من آل الأمين، إذ بينهم، فضلاً عن الصحافيين والمثقفين والحزبيين السابقين، بعض رجال الدين البارزين، كمحمد حسن الأمين وعلي الأمين.

فحزب الله، في آخر المطاف، أذكى كثيراً من أن يكون عفوياً أو صاحب أفعال مجانية، وهو ما لا زال يعتقده كثيرون.

اقرأ أيضاً: وعد ترامب للعالم: حرب تجاريّة؟

إقرأ أيضاً