هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

لماذا نثني على وودي آلن وعلى عدائه للنساء؟

قبل بضعة أشهر، سألتني إحدى الصديقات عما إذا كنت قد شاهدت خطاب المخرج وودي آلن، الذي ألقاه أمام معهد الفيلم الأميركي تكريماً لديان كيتون في يونيو/حزيران، عند حصولها على جائزة إنجاز العمر من معهد الفيلم الأميركي. لم أكن قد رأيته، وكنت قد شاهدت معظم الفعالية، التي عُرضت على قناة TCM، وعادةً ما أُبقي تلك القناة مفتوحة في الخلفية، إلا أنني خفضت الصوت عندما أُعلن عن ظهور آلن المفاجئ في النهاية.
منذ فترة وأنا لا أحب وودي آلن، تقريباً منذ عام 1979، عندما أصدر فيلماً عن كاتب كوميدي أناني في منتصف العمر، يواعد فتاة في السابعة عشر ويتلاعب بها. كنت أرى أن فيلم “مانهاتن” فيلم غريب ومثير للريبة، ولكن ليس بنصف غرابة الاحتفاء الذي حصل عليه آلن لتصويره قصة حياته بالأسود والأبيض، وإضافة موسيقى “غيرشوين” التصويرية إليها. لذا لم أستمع إلى ذلك الجزء من التكريم عندما أثبت آلن، مرّة أخرى، أن كونه هو، يعني أن بإمكانه أن يفعل تقريباً أي شيء، وأن يغمره الناس بالثناء.
“ماذا فعل؟!” سألت صديقتي.
ردت وهي تبدو الآن أقل ثقة “لقد دعاها بالمرأة الممارسة للجنس الفموي fellatrix، أظن أن هذا هو ما قاله”. وحذرتني من أن مقطع الفيديو الذي يصور الخطاب على موقع يوتيوب، رغم كونه قصيراً، إلا أنه يصعب تحمله، ولكنها قالت إن عليّ مشاهدته إلى النهاية. أدين بالكثير مما أنجزته في حياتي إليها، بالطبع. إنها مذهلة بالفعل. إنها امرأة بارعة في كل ما تفعله – ممثلة وكاتبة ومصورة ممارسة للجنس الفموي ومخرجة. ديان كيتون، الحائزة على جائزة إنجاز العمر من معهد الفيلم الأمريكي في دورته الخامسة والأربعين.
عاودتُ الاتصال بصديقتي.
سألتها “أهذا ما قاله؟”.
قالت “بلى”.
“وهل هذا ما يعنيه؟”.
“هذا ما يعنيه “امرأة تمارس الجنس الفموي”، هو فقط قالها بشكل مضحك، كما لو كان يتحدث اللاتينية”. شرعت في إلقاء محاضرة عن كيف أن كلمة “فيلاتريكس” يجب أن تكون واضحة وباللغة الإنجليزية، مع حرف a ظاهر، مثل كلمة “دوميناتريكس” dominatrix (المهيمنة). أو مثل fellatio (الجنس الفموي). آلن أنهى الكلمة بحرف a، بحيث صارت تشبه جمع كلمة باتريك. مكثنا ننطق كلمتي “فيلاتريكس” و”فيلاشيو”، بأشكال مختلفة، وأيضاً كلمة “دوميناتريكس”، ولكن في الغالب “فيلاشيو” و”فلاتريكس” – مراراً وتكراراً، حتى غلبنا الضحك.
كنت لا أزال أضحك حين ذهبت إلى الفراش في تلك الليلة، ولكني إلى هذه اللحظة أفكر في خطاب آلن، خاصة مع النقد الموجه له على نحو متزايد في الأسابيع الأخيرة. مؤخراً، كتب أليك بالدوين على “تويتر”، مدافعاً عن آلن ضد إفادات ابنته بالتبني التي زعمت تحرشه بها في طفولتها. دعا بالدوين ديلان فارو بالكاذبة – ممثلة، في الواقع، مشيراً إلى أن غضبها ومعاناتها التي أعربت عنها لما تراه تواطؤاً من هوليوود لعقود، ليس إلا أداءً مسرحياً. ولكن آلن ،هو الممثل المخضرم في هذا السيناريو بالطبع، وإذا نظرت عن كثب إلى أدائه في تكريم جوائز معهد الفيلم الأميركي AFI الربيع الماضي، سترى بعض الأساليب التي يستخدمها ليعطي الانطباع بصدقه وعدم قدرته على الإيذاء، وكيف تخفي هذه الأساليب والمداولات الحِرفية الكامنة في عاداته. كما يمكن أن تراه وهو يجعل هوليوود تتواطأ أمام عينيك.
كان خطاب آلن في تكريم AFI لديان كيتون مثالاً على العداوة الخفية للنساء. وقد خطط ليدفع الجميع في ذروة الحفل للثناء على حطه من قدر ديان حين ظنوا أنهم يثنون عليها. كان آلن هو آخر المتحدثين، ومن سيُقدم لها الجائزة في اللحظة التالية، لذا كان يعلم أنه، أياً كان ما يقوله، سينهض الجميع في نهاية كلمته ويهللون. إلا أن آلن مع نطقه بكلمة فيلاتريكس بين قائمة الإنجازات المهنية الأخرى لكيتون، أطاح تماماً بكل ما قال، وبقوله تلك الكلمة بطريقة غير تقليدية، جعل من غير المرجح أن يفهم أحد أو يتيقن مما قاله.
إنه مثال تقليدي –وربما بيزنطي- على الكيفية التي يلجأ بها الرجال المعتدين، إلى إغراء الآخرين أو إجبارهم على التواطؤ. غطت خمسة أو ستة إصدارات متخصصة تكريم حفل AFI لديان كيتون، لكن أياً منها لم تعلق على استخدام آلن لكلمة فيلاتريكس في كلمته. بشكل عام، اعتبرتها معظم المنشورات كوميديا عادية أو مزاحاً ثقيلاً في نهاية تكريم مُحب. وهو ليس صحيحاً على الإطلاق. ما لا تراه أثناء القراءة هو التكلف، الوقفات المزيفة والتمتمة، والإيماءات (آلن وهو يرفع يده إلى وجهه، أو يلمس شفتيه، أو يلعب بخاتمه) مما جعله يبدو متوتراً أو يفكر فيما سيقول، وهو ما أعطى بدوره انطباعاً بالعفوية).
إنه خطاب بلاغي للغاية، رغم كل التردد المفترض، ومليء بالأساليب المُستمدة من فن الخطابة الكلاسيكي والخطاب التقليدي المناهض للمرأة. يبدأ آلن حديثه بنكتة غريبة، مشبهاً كيتون “بشخصية الفيلم الخيالية إيف هارينغتون”، (يضطر الجمهور إلى الضحك أو المخاطرة بإعطاء من حولهم الانطباع بأنهم لم يروا فيلم All About Eve، ثم يكمل آلن “وهو ما لا يشير إلى شدة طموح ديان عندما التقيت بها”. وهذا ما يسمى praeteritio أو الحذف البلاغي حين تقول شيئاً بينما تقول إنك لن تقوله. ولكن ازدهار البلاغة لم يكن في الكلمات بقدر ما كان في التجهم المشمئز بعد قوله “شديدة الطموح” – وهو تعبير يشبه أن يقول “وهذا لأكون متلطفاً”.
ويعتمد الخطاب بشكل كبير على مزيج من التشبيهات (قطع الكلام وعدم إنهاء إيصال الفكرة المقصودة)، والمجازات (لفت الانتباه إلى شيء ما بينما تتصنع تجاهله)، ونوع من الاستنباطات المفاجئة، حين تتعمد بدء فكرة ما بطريقة تخلق توقعات كاذبة حول كيفية إنهائها، ثمّ تغير المسار. من الأمثلة الصارخة على ذلك، عندما قال آلن عن مظهر كيتون، “إنها ترتدي الملابس، كما تعلمون، لإخفاء ميولها الجنسية – ولطالما فعلت، وقد أدت في ذلك عملاً رائعاً، لأن هذا لم يظهر أبداً على مر السنين. ولكن”. ويتابع هنا، “إنها فتاة جميلة”. سيبدو وكأن آلن سيقول بعد ذلك شيئاً لطيفاً، أو شبه لطيف، أو حتى غير فظيع، ولكنه يُنهي حديثه بالقول “إنها لم تخضع من قبل لأعمال تجميل أو ما شابه. إنها صامدة للغاية. تفضل أن تبدو عجوزاً”. (في هذه المرحلة تلتقط الكاميرا سريعاً ريس ويذرسبون وهي تنظر إلى هاتفها وتهز رأسها، وتعلو وجهها ابتسامة مصطنعة).
مثال آخر مثير للإعجاب للاستنباط المفاجئ يأتي بعد ذلك مباشرةً، عندما يبدأ آلن في الحديث عن صداقته الرائعة مع كيتون حتى الآن، وكيف يسيران في الشوارع يتحدثان. ويبدأ في سرد الموضوعات التي يتناقشان فيها: حياتها المهنية، والأفلام. وبينما يبدأ في عد الموضوعات على أصابع يده الواحدة، يخلق انطباعاً بأنه سيقول أكثر من ذلك، ثم يتوقف ويتأمل، ويدفعك شيء في نبرته للاعتقاد بأنه سيروي مزحة مهينة عن ضحالة كيتون لدرجة عدم تقديرها لعبقرية المخرج “إنغمار بيرغمان”، أو فيلم Citizen Kane. لكنه يضيف “حياتها الغرامية” إلى القائمة. وهنا يحدث التحول: فبينما يقول ذلك، يمتلئ آلن بالحيوية تقريباً للمرة الأولى منذ بدء الخطاب، “لقد ارتبطت بنصف دزينة من أكثر الرجال الموهوبين والجذابين وذوي الكاريزما في هوليوود”. ويبدو آلن صادقاَ، ومنهمكاً فعلاً فيما يقول- “وهو أمر مثير للاهتمام جداً”. وهو يرفع يده في إيماءة متحذلقة أكاديمية، “لأن كل منهم قد هجرها”.
هناك صورة لتلك اللحظة، حيث يقف آلن على المنصة وذراعه وإصبعه مرفوعين بأسلوب تعليمي، ويمكنك أن ترى نوعاً من الرضا البغيض في ملامحه بينما يقول هذه الجملة. وهناك صورة أخرى له يقف مع كيتون على المنصة، من الواضح أنه يخبرها عدم استطاعته البقاء، عليه الذهاب. (يشير بإبهامه نحو مَخرج خيالي). وصورة ثالثة تظهر آلن متوجهاً إلى الخارج، يمكنك أن ترى مدى تعجله. (ربما كان قلقاً من يناديه شخص ما ويخبره كيف ينطق كلمة “فيلاشيو” التي تعني الإثارة الجنسية للعضو الذكري عن طريق الفم). وهنا، تهدأ الابتسامة الصغيرة المبتذلة.
ويبدو لي أن أيا من التغطية الصحافية لم تلتقط روح كلمة آلن أو نيته، ولم يعلق أحد على النهاية الشائكة. دفع موقع “ديدلاين”، آلن للقول للجمهور إن “كثيراً من إنجازاته كان بفضلها”، بينما وصفت مجلة “فانيتي فير”، خطاب آلن بأنه بدأ بمزاح ثقيل “قبل أن ينهي خطابه بجدية ويخرج بسرعة وهدوء مثلما وصل”. ولم تُنقل كلمة آلن كاملة سوى مرة واحدة ودون تعليق، فبدا وكأن الأمر لم يحدث أصلاً.
ومع ذلك، ماذا كان بوسع كل تلك الصحف والمجلات أن تفعل؟ كان بإمكانها اقتباس ما قاله آلن، أو فرض رقابة عليه، أو الدوران حوله. وقد اختار معظمها عدم مواجهة ما قيل مباشرة، لماذا؟ هل لأنهم يحبونه؟ لا، لأنهم يحبونها هي. وكان الأمر سيكون أكثر إذلالاً لكيتون لو أن أحداً صب تركيزه على ما قاله آلن بالفعل. تتمثل الخيارات المتاحة أمامك في الشعور بالتواطؤ لأنك فاقمت الإهانة من خلال ذكرها، أو التواطؤ لأنك لم تفعل. لقد صارت هذه المجلات متواطئة لأنها تجاهلت المسألة برمتها، لكنها في الحقيقة لم تفعل أي شيء لإيذاء كيتون.
آلن عبقري بالفعل، فقد خلص إلى طريقة يفعل بها شيئاً دنيئاً دون أن يتمكن أحد من إيقافه أو وصف ما جرى. لقد تلاعب بالجميع، جاعلاً صفوة ممثلي هوليوود متواطئين وواضعاً صناعة الترفيه ووسائل الإعلام كلها في مأزق. كان ذلك رائعاً: مثالاً كلاسيكياً لكيفية قيام الرجال المعتدين في الخفاء بدفع الآخرين للتواطؤ معهم في اعتدائهم. هكذا على الملأ أمام الجميع. دون أن يتمكن أحد من الحديث عن الأمر، لقد بدا آلن -إضافة إلى كل شيء آخر- محقراً من الجميع.
في الآونة الأخيرة، تعلمت كلمة جديدة وعرفت معلومة جديدة عن وودي آلن، في تكريم معهد الفيلم الأميركي AFI لديان كيتون. توصلت إلى أن آلن كان “يضايقها” -مثل الرجال في الحانات عندما يحاولون إرباك النساء الذين يعتبرون أن مستواهن أعلى منهم، من خلال الذهاب إليهن وإهانتهن بكلام يبدو ظاهره مثل المجاملات. كل ما قاله آلن بدا وكأنه سيؤدي إلى مديح أو وصف إيجابي، وهو ما لم يحدث. الرجال الذين ارتبطت بهم كانوا “من أكثر الرجال الموهوبين والجذابين وذوي الكاريزما في هوليوود”، ولكنه لم يقل ذلك عنها هي. وصفها بأنها فتاة جميلة، قبل أن يقول إنها ثابتة على اختيارها بأن “تبدو عجوزاً” في الوقت الحالي (وهو شيء لا تتسامح هوليوود بشأنه أبداً مع النساء). لقد ذكر كتبها وصناعتها للأفلام وتصويرها الفوتوغرافي، ولكنه لم يقل إنه أحب أياً من ذلك أو إنها ماهرة فيه – حتى النهاية، عندما علق في تلك الكلمة، مطيحاً بكل شيء آخر قاله. كلمة “فيلاتريكس” لم تكن مزاحاً ثقيلاً. أثناء المزاح تتوقف قليلاً لتسمح للآخرين بالضحك، ولكنه لم يتوقف.
 
*ميمي كريمر
هذا الموضوع تم اعداده وترجمته عن موقع The Cut لمراجعة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.
 
 

إقرأ أيضاً