fbpx

هنا القصة الثالثة

نصري حجاج

daraj sal

مقالات الكاتب

لماذا لم ينقذوا نيراز سعيد من القتل؟

قبل تشرين أول/ أكتوبر 2015، تاريخ اعتقاله، كنت أتحدث مع نيراز سعيد عبر “فيسبوك”. لم ألتقه يوماً لكنني أحببته، شاباً مبدعاً ومثقفاً وإنسانياً ووسيماً تلك الوسامة التي لا تفصح عن سرّها وجاذبيتها، خجلاً من انتشار سحرها بين الناس. أدهشني نيراز في الفيلم الذي صوره في مخيم اليرموك مع رشيد مشهراوي. ليست الصورة الحنونة للمخيم، الشغوفة بتفاصيلها الإنسانية التي تنبثق عادة من روح المصور، فهذا أمر مألوف في تلك الأماكن البائسة التي صورت فيها أفلام سينمائية، أظهرت شقاء السكان وبؤس حياتهم. أدهشني وعي نيراز سعيد وهو يحاور مخرج الفيلم، حتى أنني فكرت لو لم يكن نيراز، حضوراً وإبداعاً بصرياً، هو الشخصية الرئيسة، لما كان للفيلم أهمية سينمائية.
نعم أحببت نيراز سعيد وأحسسته ابني وخفت عليه قبل اعتقاله، وذعرت بعد اعتقاله. لذا منذ الأيام القليلة الأولى التي أعقبت اعتقاله من قبل أجهزة أمن النظام السوري بدأتُ اتصالات مع كلّ الذين اعتقدت أنهم قادرون على إنقاذه من القتل المحتم، الذي أحسسته يزحف باتجاه جسد هذا الشاب النحيل. بذلتُ محاولات عبر اتصالات مع شخصيات في تونس وعمان ورام الله ودمشق وبيروت وفيينا. في البداية، هاتفت السيد فاروق القدومي في تونس الذي تحدث مع أنور عبد الهادي ممثل الدائرة السياسية لـ”منظمة التحرير الفلسطينية” في دمشق، وهاتفت خالد عبد المجيد أمين عام “جبهة النضال الشعبي الفلسطيني” بشقها القاطن في سوريا، لعل علاقته الوثيقة بالنظام السوري تساعدنا في مسعى إطلاق سراح نيراز، وتحدثت مع أصدقاء في مكتب الرئاسة في رام الله وتحدثت مع صديق فلسطيني في بيروت على صلة مع طلال ناجي القيادي في الجبهة الشعبية– القيادة العامة والرجل الثاني بعد أحمد جبريل، وقلنا إن هذه الجبهة الحليفة الأبدية للنظام قد تكون واسطة لحرية نيراز، وتحدثت إلى أصدقاء فلسطينيين ولبنانيين على علاقة مع “حزب الله”. كما اقترح أحد الأصدقاء اللبنانيين الاتصال بالوزير اللبناني السابق وئام وهّاب كون حزبه يشارك في القتال الى جانب النظام السوري فلم أجد مانعاً. وتحدثت مع أصدقاء فلسطينيين في عمان واقترحت على رشيد مشهراوي الاتصال بأحمد المجدلاني الوزير وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وصديق النظام السوري، واتصل مشهراوي بياسر قشلق الفلسطيني القريب من الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السوري.
لم نترك شخصاً سواء أحببناه أم كرهناه لموقفه من النظام السوري وعلى علاقة بأشخاص قريبين من النظام، إلا وطرقنا بابه مباشرة أو غير مباشرة. وكان ذلك منذ الأيام الأولى لاعتقال نيراز في دمشق، بعد أن ترك مخيم اليرموك واستعد للخروج من سورية نهائياً للالتحاق بخطيبته في ألمانيا، بعد أن حصل رشيد مشهراوي على قرار إصدار جواز سفر فلسطيني من الرئيس محمود عباس شخصياً وأرسله إلى السفارة الفلسطينية في بيروت، بانتظار خروج نيراز. وكان رشيد اتصل بمدير المخابرات الفلسطينية ماجد فرج ليطلب منه المساعدة في معرفة مصير نيراز. وكنت اتصلت بضابط سوري كبير منشق عن النظام عبر أصدقاء سوريين لاجئين في أوروبا، لكنه أكد لي أن وساطته قد لا تكون لمصلحة نيراز. واتصل رشيد بمحمد الأحمد وزير الثقافة السوري الحالي وقلنا ربما يتدخل الممثل السوري الشهير غسان مسعود في الأمر فهو قد لعب دوراً رئيسياً في فيلم مشهراوي الأخير “كتابة على الثلج”.
لم نترك فرصة لم نستثمرها حتى أنني بحثت عن مسؤول كبير في “حزب الله”، كنت تعرفت إليه من خلال عملي في الصحافة، عندما أجريت مقابلة صحافية مع أمينه العام حسن نصرالله، لعله يساهم في جهودنا لإطلاق سراح نيراز، فقيل لي إن مركز عمله اليوم في سوريا مع قوات الحزب التي تقاتل إلى جانب نظام الأسد. وكأنما أدركت فجأة عبث محاولاتي لإنقاذ نيراز، فقلت لنفسي أيساعدنا من يقتل السوريين أو يدعم قتلته في الإفراج عن شاب بريء تهمته الوحيدة صوره التي أخذها لضحايا النظام وحلفائه القتلة؟
في ختام هذا البحث تأكدت أن الوعود بالمساعدة من كل تلك الأطراف كانت هباءً منثوراً وانقبض قلبي على مصير أخي وصديقي وولدي نيراز سعيد.

إقرأ أيضاً