هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

لماذا لا ينام طفلك في الوقت المحدد الذي ترغب به؟

يقول المثل الأفريقي: “يتطلب الأمر تضافر جهود قريةٍ بأكملها لجعل رضيعٍ يخلد إلى النوم في الوقت المحدد”.
أتذكر السنة الأولى من حياة ابنتي، باعتبارها مزيجاً غريباً، بين شعورٍ بالسعادة ومرارة الشقاء الناجم عن التعب المزمن المنهك، بسبب نوبات الأرق لفترات طويلة. وكان يتخلل ذلك الإرهاق المزمن أحياناً نوبات من شبه الانهيار بسبب عدم القدرة على التعويض عن فترات النوم الضائع. وبعد الاطلاع على إفادات الأصدقاء والمعارف، وما تروجه صناعة “توفير النوم للأطفال” المزدهرة، أعتبر أن تجربتي لا تختلف عن تجارب الغير وليست فريدة من نوعها. لقد شعر تقريباً جميع أولياء الأطفال الجدد بالإحباط التام أثناء محاولتهم جعل أطفالهم يخلدون إلى النوم… وفق برنامجهم الزمني. إن الطفل، بطبيعة الحال ينام، ويجب أن ينام، ليتمكن من العيش والنمو، لكنه ينام وفق جدول زمنه هو، وليس جدول زمن والديه، وهذا يجعله على خلاف معهما.
إن لعبة شد الحبل بين الوالدين والرضيع في ما يتعلق بالجدول الزمني للنوم قصة قديمة قدم الزمن، لكن من الممكن أن يُساهم التقدم المحرز في علم النوم في إلقاء ضوء جديد على هذه الظاهرة الكامنة في ذات الإنسان. تسعى صناعة “توفير النوم للأطفال” إلى إقناعنا بأن الطفل هو مجرد مخلوقٍ بريء ينام كلما أمكنه ذلك ويستيقظ كلما احتاج إلى ذلك. وتضفي هذه الصناعة على الأم دوراً بريئاً مماثلاً، إنها تريد فقط الحصول على ليلة نوم جيدة مع الحفاظ على سلامة طفلها ودفئه. هل هذه الحكاية عن البراءة الدرامية قابلة للتصديق، أو مفيدة حتى؟ حسناً، يمكننا القول إن هذه القصة صحيحة إلى حد ما، لأن الأم والطفل يرغبان في الواقع، في نمو الرضيع، وازدهاره، لكن هذه القصة مع ذلك لا تساعدنا على حل مشكلة حمل الطفل على النوم، وفق الجدول الزمني الذي يحدده الوالدان.
يمكن النظر إلى التنازع بين الأم والرضيع حول جدول النوم، في إطار فكرة أوسع، مستمدة من النماذج النظرية التطورية للنزاع بين الوالدين والأبناء. في هذه القصة، تستخدم الأم عرض الإشارات التي يستخدمها طفلها (من قبيل التوسل إليها والأصوات وغير ذلك) لاتخاذ قرارات مثمرة بشأن طفلها. ومن أجل بلوغ أقصى درجة من المنفعة (لتحقيق أفضل ما تستطيعه من النفع لنقل طفلها إلى مرحلة النضج المنتج)، يحتاج الوالدان إلى معلومات دقيقة حول حاجة الطفل، بهدف تخصيص الموارد بشكل فعال لفائدته. إذا كان على الطفل أن ينافس إخوته وآخرين لجلب اهتمام الأم، فإنه يحتاج في هذه الحالة إلى أن يشير إلى والدته بأنه استثمار يستحق العناء، وإلا فإنها سوف تستثمر الموارد الثمينة سعياً وراء آفاق عديمة الجدوى، ما قد يضر بآفاق النمو الخاصة بها وبأطفالِها الآخرين. وبالتالي هناك عبءٌ على عاتق الأطفال، يتطلب منهم الإشارة بدقة إلى الحاجة وإلى “القدرة على البقاء”، لا سيما في السنة الأولى الحاسمة من الحياة، من أجل الحصول على مستوى ثابتٍ من النفع الأبوي.
ومع الأخذ في الاعتبار أن الأمهات يستخدمن إشارات أطفالهن المعروضة لاتخاذ القرارات المتعلقة بالرعاية، فإن أي نظام فيزيولوجي خاص بالرضيع، ينتج هذه الإشارات، سيتعرض لضغوط انتقائية قوية (أي أن الرضع الذين لا يعرضون إشارات قوية سيحصلون على منفعة أقل، وبالتالي لن يبلغوا مرحلة النضج أو لا ينجبون عند مرحلة النضج). بما أن الرضيع يقضي ما يصل إلى 50 في المئة من حياته نائماً خلال السنة الأولى من الحياة، وبما أن حالة نوم واحدة على الأقل (REM) مرتبطة بأنماط تنشيط الدماغ التي تدعم عرض الإشارات، فسيكون هناك ضغطٌ للاستفادة من قدرات فترة نوم REM ، من أجل إنتاج عرض إشارات فعالة حتى في حالة النوم. أجل، نعلم أن الأطفال ينتجون في الواقع جميع أنواع عرض الإشارة أثناء وجودهم في حالة حركة العين السريعة ( REM همهمات، وثرثرته وصرخات وابتسامات ولهاث إلخ). وعلاوة على ذلك، تكون الرعاية التي يتلقاها الرضيع بعد إشارته إلى الحاجة إليها، بالقدر ذاته من الأهمية بالنسبة إليه من الرعاية التي يتلقاها بصورة تلقائية من الأم، بما أن الرعاية المستجيبة (بدلاً من التلقائية) ستمنح الصغير قدراً من السيطرة على احتياجاته واحتياجات أمه. يكون احتمال حدوث الرعاية المتجاوبة أكبر بعد إصدار الرضيع إشارات من قبيل صرخات الضائقة أو الحاجة، والتي بدورها تكون أكثر احتمالاً عندما يستيقظ الرضيع من نومREM ، بدلاً من نوم .NREM
إن معنى كل هذا هو أن نوم الرضيع، ولا سيما نوم REM، يجب أن يؤدي وظائف الإشارة الخاصة بالرضيع، إضافة إلى جميع وظائف النوم الأخرى. وبما أن وظائف الإشارة هذه تشمل الصيحات والعويل وما شابه ذلك، تميل مراحل REM إلى إيقاظ الرضيع وإطلاقه شتى أنواع الصراخ والعويل المزعج، أي جميع الأشياء التي تستجيب لها الأم حتماً بتقديم الرعاية… وبالتالي لا تستطيع الأم النوم عندما ينام الرضيع.
إن الحل الوحيد لهذه المعضلة هو أن يكون لدى الطفل أكثر من “أمٍ”، وهذا هو الحل الذي ابتكرته المجتمعات التقليدية، حيث توفر العائلة الموسعة مقدمي رعاية متعددين للمواليد والرضع. أما في المجتمع الحديث، فقد دمرنا إلى حدٍ بعيدٍ، نظام الأسرة الموسعة، ولا تشكل حال انهيار الوالدين بسبب الأرق لفترات طويلة، سوى واحدة من عواقب هذا الدمار الكارثي.

*د. باتريك ماكنمارا
هذا الموضوع تم اعداده وترجمته عن موقع Psychology Today لمراجعة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأ أيضاً