fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

لماذا تعارض النساء الروسيات حركة #MeToo؟

ترى وسائل الإعلام الرسمية الروسية، هارفي وينشتاين، رمز الفوقية الذكورية بالنسبة لملايين الناس في جميع أنحاء العالم، كضحية للمؤامرات وثأر الشركات الكبرى. “تصطف الممثلات في هوليوود لكي تؤكد كل منهن على وصولها “للنجومية”، وذلك بإعلان أنها تعرضت للتحرش”. هذا هو تعليق نموذجي على البرنامج الإخباري الرسمي، “فيستي”. 
فضائح عالم الفن والسياسة التي عصفت بالولايات المتحدة وأوروبا وحملة #MeToo تمثلت للجمهور الروسي كنتيجة للسلوك العدواني من قبل منظري اللياقة السياسية المجانين. وقد عرضت وسائل الإعلام الرسمية هذه الحركة كدليل على أزمة الحضارة الغربية العميقة، التي تنهار تحت ضغط من الشواذ والنسويات. ويشبه أسلوب العديد من البرامج التلفزيونية الفضائح “الرأسمالية الفاسدة” خلال الحرب الباردة.
ليس هناك ما يدعو للدهشة في استخدام الدعاية الروسية للفضائح الجنسية بهدف إثارة مشاعر معادية للغرب ومعادية للولايات المتحدة. ومن الجدير بالذكر، أن الأصوات الروسية من جميع مناحي الحياة متحدة في التعاطف مع وينشتاين، ومن خلاله، مع جميع الرجال المتهمين بالتحرش. وقد أعرب كل من الوطنيين الشرسين والمعارضين القساة للنظام على حد سواء، رجالاً ونساء، عن إجماع نادر للدفاع عن “الحق الطبيعي” في ممارسة الجنس في مكان العمل. وهم متفقون أيضاً على أن روسيا، في مسائل الجنس، ليست مثل الغرب، وأن القواعد الغربية ليس لها سلطة في روسيا.
وتساءل هؤلاء الصحافيون مثل “ماتفي غانابولسكي”، والكاتبة المعارضة “يوليا لاتينينا”، والناقد الليبرالي “أرتيمي ترويتسكي” عن توقيت الاتهامات المتأخرة وصدق نوايا الممثلات اللاتي كن يعرفن بالتأكيد عن ما تتعرض له الممثلات الجدد من تحرش، بل إنهن قللن من شأن مفهوم “ثقافة الاغتصاب”. أعتقد أن الصوت الروسي الوحيد الذي يدعم #MeToo جاء من المحررة البارزة في صحيفة “نيو تايمز”، يفغينيا ألباتس، في مدونتها في “إيخو موسكفي”، التي أشارت فيها إلى أن ثقافة التحرش موجودة في روسيا منذ القدم، ولا تزال منتشرة في كل مكان. وقد أثار نصها الجريء والحاد مجموعة من الانتقادات والشتائم على الإنترنت. تفاجأ ناشرو النسخة الروسية من مجلة “كوزموبوليتان”، التي نشرت مقالاً عن التحرش منسوباً لمصادر روسية بعد إصدار مماثل في الطبعة الإنجليزية، بأن القصة المذهلة التي تحمل أسماء وعناوين حقيقية لم تحظ إلا بقليل من الاهتمام بين قرائها. 
ماذا يحصل هنا؟ هل المجتمع الروسي لا يريد أن يرى المشكلة حقاً؟ تظهر بيانات حديثة زيادة في حالات العنف المنزلي والتمييز الجنسي في جميع أنحاء البلد. لماذا لا تبالي النساء الروسيات بالإهانة ولا يرغبن في إظهار التضامن في الدفاع عن حقوقهن التي يكفلها الدستور والقانون؟ التحرش جريمة، يعاقب عليها القانون في الاتحاد الروسي. إلا أن قلة قليلة جداً من الحالات تصل إلى المحاكم. وتبلغ فجوة الأجور بين الجنسين 30 في المائة، ولكن المتخصصات المتعلمات والمديرات لا ينشطن في المطالبة بالمساواة في الأجور. ولماذا بدأت المزيد من النسوة في دعم اليمين المتطرف والأفكار الأصولية الصريحة والمناهضة للنسوية؟ 
لقد مر ربع قرن منذ حل الاتحاد السوفييتي. لكن لا يزال أمام الرجال والنساء الروس طريق طويل نحو الشعور بالحرية واحترام الذات. إنهم بحاجة إلى الاعتراف بحق كل شخص في تقرير حياته الخاصة والعيش في عالم خال من القهر والإهانة. إن “قضية المرأة”، كما كانت منذ مائة عام، لا تزال أهم مؤشر على الحرية الحقيقية.
عقلية “الإنسان السوفيتي”، لا تزال على قيد الحياة في روسيا ما بعد الاتحاد السوفياتي. “الإنسان السوفيتي” ليس إنساناً حراً، فهو عبد ويقاوم أي محاولة للتغلب على العبودية. هذه المتلازمة هي ميراث من المخيمات الستالينية. الشخص المصدوم المضطهد يبحث عن شخص آخر ليضطهده. على مر التاريخ، كان الشخص الآخر هو المرأة.
المناخ العام للقلق والعدوان في المجتمع الذي يتضح بشكل خاص بعد ضم شبه جزيرة القرم وفرض الجزاءات، يساهم في تزايد عدد مناصري الأفكار الراديكالية اليمينية في روسيا. يمطر الروس يومياً بوابل من الدعاية المحمومة والهستيرية التي تكرر شعارات مثل “دائرة الأعداء”، و”الطابور الخامس”، و “العدوى الليبرالية”. يدعم هذه الدعاية ما يسمى بـ “المبادرات العامة” التي تحصل على الدعم المعنوي (وأحياناً المالي) من الحكومة ومن الكنيسة الأرثوذكسية. في الصيف الماضي، عقدت “برو لايف” (الفرع الروسي للمجموعة الدولية) المنتدى الثامن، والهدف الرئيسي منه هو حظر الإجهاض في روسيا. وقد أظهر عدد المدعوين والبرنامج المفصل – بما في ذلك الدورات التدريبية في فنون الدعاية، ومقاضاة أطباء أمراض النساء، وتنظيم احتجاجات جماهيرية، وضمان التغطية الإعلامية – قدرات تنظيمية هائلة ودعماً مالياً كبيراً. وقد تبين أن نصوص المحاضرات والملصقات كانت ترجمات ركيكة عن اللغة الإنجليزية، ورغم ذلك تمكنت من جمع مليون توقيع.
ووفقاً للدراسات الاستقصائية التي أجراها مركز “ليفادا”، (وهو منظمة بحثية روسية مستقلة رئيسة)، ازداد معارضو الإجهاض بمقدار الثلث في السنوات الأخيرة، وهناك عدد أكبر من النساء اللاتي يؤيدن حظر الإجهاض تحت أي ظرف من الظروف، بما في ذلك الاغتصاب والخطر على حياة الأم. قبل عام، قام البرلمان الروسي بإلغاء تجريم العنف العائلي، وكان أعضاء البرلمان المبادرات في هذه الحركة من النساء. تظاهرت النساء القوزاق للمطالبة بعقاب فرقة Pussy Riot الغنائية النسوية بعد تقديمها عرضاً في إحدى الكنائس. وقد جاءت إدانة الدراسات الجنسانية، كمحاولة غربية لتقويض البلاد، من امرأة، وهي خبيرة لدى الغرفة العامة. 
بالطبع، هناك أصوات أخرى في روسيا. المواقع النسوية تكتسب أنصاراً. وبرامج الدراسات الجنسانية في الجامعات تجتذب أعداداً أكبر من الطلاب؛ والحملة ضد العنف الجنسي #yaNeBoyusSkazat “أنا لا أخاف أن أقول” يساندها الآلاف من المشاركين. ولكن لم يسمع بهم الكثير من الناس. إن حركة المرأة القوية المستقلة التي قامت في التسعينيات أصبحت الآن ضعيفة ومفتتة. وكثيراً ما تتعرض النسويات لانتقادات في وسائل الإعلام، وتضاف مراكز الأزمات النسائية إلى قائمة “العملاء الأجانب”. لا يريد الناس أن يكون لهم علاقة بالعملاء خلال ما يسمى بـ”الحرب الهجينة”. ينسجم الخطاب المناهض للنسوية تماماً مع الروايات المناهضة للغرب، والمعادية لحقوق الإنسان، والليبرالية. 
لقد أصبحت عبارة “لا يوجد جنس في الاتحاد السوفياتي”، المقتبسة من لقاء تلفزيوني من عصر بيريسترويكا بين فلاديمير بوسنر وفيل دوناهو، قولاً مأثوراً. وهذا لا يعني أن الناس لا يمارسون الجنس، بل أنه لا يدور نقاش حوله في وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة. ولكن الجميع يعرف الآن أن هناك جنس في روسيا ما بعد الاتحاد السوفياتي. فهو يناقش كل يوم على شاشات التلفزيون. حتى الرئيس بوتين، الذي تحلم به نساء منتصف العمر وفقاً لأخصائيي العلاج النفسي، يتحدث عنه مازحاً، لدعم صورته الذكورية في جلسات التصوير.
الحياة الخاصة للمشاهير والغرباء، والاغتصاب وغيرها من الجرائم الجنسية، تشكل مادة خصبة لتلفزيون المساء. لا أحد ينزعج من حقيقة أن الجنس الذي يصوره أو يناقشه التلفزيون ينطوي على العنف؛ فقد اعتاد الناس للنظر إلى ثقافة الاغتصاب على أنها شيء عادي. القوة هي الحق، ومن واجب الضعفاء أن يستسلموا للأمر الواقع. هذه العقلية تفسر التعاطف الذي أظهره المعلقون الروس مع سيلفيو برلوسكوني ودومينيك شتراوس-كان ووينشتاين، وانعدام التعاطف مع ضحاياهم.
ويستند التحيز الجنساني المنتشر على نطاق واسع في روسيا اليوم إلى الشعور بالدونية التي يشعر بها “الإنسان السوفييتي”. رد الفعل الروسي تجاه #MeToo يدل بوضوح على أن الأمر سيستغرق وقتاً طويلاً للتغلب على هذه المتلازمة عميقة الجذور، أو كما كتب تشيخوف قبل قرن من الزمان، “استخرج العبودية من نفسك، قطرة بقطرة”.
 
* نادزدا أزخيخينا 
صحفية وعضو في جمعية الكلمة الحرة، ونائب رئيس الاتحاد الأوروبي للصحافيين
 
هذا الموضوع تم اعداده وترجمته عن موقع The Nation لمراجعة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي
 
 

إقرأ أيضاً