هنا القصة الثالثة

ترجمة - New Yorker

مقالات الكاتب

لماذا أراد نتانياهو انسحاب ترامب من الاتفاق النووي الإيراني؟

أعلنت إسرائيل أن “فيلق القدس الإيراني”، وهي وحدة قوات خاصة تابعة للحرس الثوري، أطلق مطلع هذا الشهر عشرين صاروخاً من هضبة الجولان في سوريا. اخترق بعض هذه الصواريخ نظام مضادات الصورايخ المتقدم لإسرائيل، ولكن لم تقع أي إصابات. وقد ردت إسرائيل على ذلك بإطلاق سبعين صاروخاً، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 23 مقاتلاً، من بينهم خمسة جنود سوريين و18 من أفراد الميليشيات المتحالفة.

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي، أفيغادور ليبرمان، إن الجيش الإسرائيلي دمر “كل” البنية التحتية العسكرية لإيران في سوريا تقريباً. كان الهجوم الإيراني متوقعاً، فمنذ أيام ووسائل الإعلام الإسرائيلية تمتلئ بالتقارير التي تشير إلى قيام أشخاص في الجولان بإخلاء ملاجئهم. في 9 أبريل/نيسان، ورد أن إسرائيل هاجمت قاعدة سلاح الجو السوري T-4 القريبة من حمص، وقُتل في هذا الهجوم سبعة من أفراد الحرس الثوري الإيراني، بدا أنهم يعملون على إنشاء قاعدة جوية مكتملة، تحتوي على البطاريات المضادة للطائرات. وفي الأسبوع الماضي، قيل إن إسرائيل قصفت مخبأ رئيسياً للصواريخ الإيرانية شمال حماة في سوريا. قال لي المحلل السوري المخضرم تشارلز جلاس في اتصال هاتفي من لندن: “الجميع يعلم أن إسرائيل نفذت أكثر من مئة هجوم مشابه”. ومن جانبها، هددت إيران بالانتقام.

جاءت الهجمات والهجمات المضادة بعد يومين فقط من إعلان الرئيس ترامب، أن الولايات المتحدة ستنسحب من خطة العمل الشاملة المشتركة- الصفقة النووية الإيرانية.

عادة ما يُذكر الأمران بشكل منفصل، ولكن من الخطأ الفصل بينهما. فالانسحاب جزء من سياق أوسع، بل ربما استراتيجية أكبر، بدأت بالبيان المفاجئ الذي ألقاه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في وزارة الدفاع، في تل أبيب، في 30 نيسان/ابريل الماضي. كان الهدف الظاهري لذلك هو إقناع إدارة ترامب بمواجهة تهديد نووي طويل الأمد لإسرائيل. أما الغرض الأكثر إقناعاً وقبولاً، فهو دفع ترامب لمواجهة تهديد تقليدي مباشر. بعد إعلان ترامب، هاجمت إسرائيل مدينة الكسوة في جنوب دمشق، مرة أخرى، بهدف إعاقة إحباط إيران عن إطلاق صواريخ من سوريا على شمال إسرائيل. وقد ورد كذلك وجود ثمانية إيرانيين بين القتلى الخمسة عشر.

ادعى نتانياهو في مؤتمره الصحافي أنه كشف “شيئاً لم يشهده العالم من قبل”، وهي وثائق إيرانية- “55 ألف صفحة، و55 ألف ملف آخر على 183 قرصاً مدمجاً”- حصلت عليها المخابرات الإسرائيلية. أظهرت الوثائق أن إيران كانت تدير برنامجاً سرياً للأسلحة النووية بين عامي 1999 2003، يُطلق عليه “مشروع عماد”. وأشار نتانياهو إلى إن خطة العمل الشاملة المشتركة افترضت أن إيران “ستعترف بوضوح” ببرنامجها النووي السابق، لكنه زعم أنه بعد توقيع الاتفاق عام 2015، قامت إيران “بتكثيف جهودها لإخفاء ملفاتها النووية السرية”. كان الاستدلال واضحاً، “كذبت إيران وبشدة”؛ أخفى النظام ملفاته النووية، وفهرس معرفته النووية، لأنه نوى “استخدامها لاحقاً”. يوم الثلاثاء، كما لو كان بانتظار تلك الإشارة، عكس ترامب مخاوف نتانياهو، وقال: “في قلب الصفقة الإيرانية كانت هناك قصة خيالية عملاقة: إن النظام القاتل لا يرغب إلا في برنامج سلمي للطاقة النووية”.

قدم نتانياهو، لتأكيد مزاعمه، مقاطع فيديو لقادة إيرانيين على مر السنين. يقول المرشد الأعلى علي خامنئي في واحد منها “لم تسعَ الجمهورية الإسلامية أبداً وراء الأسلحة النووية”، وأكد الرئيس حسن روحاني أن “الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل ليس لها مكان في عقيدة إيران الأمنية والدفاعية، وهي تتناقض مع مبادئنا الدينية الأساسية”، وزعم أحد القادة الآخرين أن “مصدر أي فكرة تقول إننا نبني سلاحاً نووياً هو مصدر واهٍ وأفّاك… نحن نبني… منشأة بحثية لأغراض الصناعة والزراعة والطب والعلوم – الأغراض السلمية فقط”.

في الحقيقة، كان هذا التصريح الأخير من رئيس الوزراء ديفيد بن غوريون، رداً على تقارير، في ديسمبر/ كانون الأول 1960، وصلت إلى الرئيس المُنتخب جون كينيدي– المعورف بمعارضته للانتشار النووي- بأن إسرائيل كانت تعمل على صنع قنبلة في مفاعلها، في ديمونة. بالنسبة إلى الإسرائيليين، لم تكن فكرة عمل إيران السري على الأسلحة النووية صادمة. وفي الواقع، كان كشف نتانياهو الكبير هو أمر وضعته أطراف الاتفاقية في اعتبارها– كان هذا هو سبب إجراء المفاوضات. بيّن نتانياهو أنه لا يمكن الوثوق بإيران، لكن الصفقة، كما كتبت سوزان رايس في “التايمز”، “لم تكن تتعلق بالثقة”، بل كانت مُصممة للسماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بمراقبة المواقع التي يعرضها نتنياهو، وقد صدّقَّت الوكالة على التزام إيران حتى شهر مارس/ آذار الماضي.

قال محللون إسرائيليون، من بينهم عاموس يادلين، رئيس “معهد دراسات الأمن القومي”، إن نتانياهو لم يقدم أي دليل على أن إيران تنتهك التزاماتها، وصرّح إلى قناة 13 بأنه “لا يوجد دليل دامغ على أن إيران كذبت منذ عام 2015”. ما فعله نتانياهو يلفت الانتباه، على رغم عدم كون ذلك شيئاً جديداً، إلى برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، الذي لم تتناوله خطة العمل الشاملة المشتركة. وظهر إجماع تقريبي بين كبار الخبراء الأمنيين على أن برنامج الصواريخ وبعض القضايا الأخرى، مثل دعم إيران تمرد الحوثيين في اليمن، قد يسفر عن عقوبات جديدة، كان يمكن فرضها مع سريان خطة العمل الشاملة المشتركة. من دون الولايات المتحدة، يخسر التحالف الدولي الذي تفاوض على الصفقة لاعبه الرئيسي، وتفقد إيران حافزها الأساسي الذي يجعلها تسمح بالمراقبة. فإذا فرضت الولايات المتحدة عقوبات من تلقاء نفسها، سيعرقل ذلك الشركات الغربية والصينية التي تهدف إلى الاستثمار هناك، الأمر الذي سيزيد من التوتر مع الحلفاء، وكذلك مع إيران. وإذا ما اتُهمت إيران بالعودة إلى جهودها النووية– من المخابرات الإسرائيلية مثلاً- فسيكون الخيار الوحيد المتبقي للولايات المتحدة، إن لم يكن عسكرياً، هو على الأقل استعادة استراتيجية حافة الهاوية من جديد. مَن سوى مستشار الأمن القومي، جون بولتون- الذي يتباهى بأنه لا يحب سياسة “العصا والجزرة”، والذي دعا إلى تغيير النظام في إيران- قد يرغب في تبني استراتيجية الترهيب العسكري؟

الفكرة هي أن هذا الموقف تحديداً هو ما يعتمد عليه نتانياهو، بالنظر إلى إمكان التصعيد في سوريا ولبنان، والذي لا يرغب في أن تواجهه إسرائيل بمفردها. كما أن روسيا مصممة على إبقاء الأسد في السلطة، وتتعهد بتزويد نظامه بصواريخ متطورة قاتلة من طراز S-300 لتأمين الحماية من الهجمات الجوية وصواريخ كروز. ويتعاون الروس مع إيران، التي قامت هي الأخرى بتسليح “حزب الله” في جنوب لبنان. ويسود الظن بامتلاك “حزب الله” نحو 140 ألف صاروخ– من ضمنها عدد متزايد مزود بأنظمة توجيه- قادرة على الوصول إلى جميع أنحاء إسرائيل تقريباً (على رغم عدم امتلاكه الكثير من منصات الإطلاق، كما أخبرني مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى). ولا تزال الحكومة الإيرانية تعمل على تشويه الغرب، واختبار الصواريخ الباليستية، ودعم المتمردين الشيعة في اليمن، وتحويل المساعدات إلى حماس في غزة، الترحيب باحتمال تدمير “النظام الصهيوني”.

أما حكومة نتانياهو فهي من جانبها، تتوقّع اندلاع أزمة وتساعد على التعجيل بها. في 26 نيسان، قال أفيغادور ليبرمان لصحيفة إيلاف السعودية ومقرها لندن إن إسرائيل لا تريد الحرب، ولكن إذا هاجم “النظام الإسلامي” تل أبيب، فإنها “ستضرب طهران وتدمر كل موقع عسكري إيراني يهدد إسرائيل في سوريا”. كما أصر ليبرمان على أن إسرائيل ستحافظ على حرية قيامها بالعمليات في سوريا و”الرد بقوة” على أي طرف هناك يملك القدرة على “إطلاق الصواريخ أو مهاجمة إسرائيل أو حتى طائراتنا”. وليس من قبيل المصادفة أن انسحاب ترامب من الصفقة النووية يعني أن الولايات المتحدة ستكون مضطرة إلى إعداد خطط طوارئ مُفصلة في حالة الهجوم على المواقع النووية الإيرانية المنتشرة في جميع أنحاء البلاد. وفي الوقت ذاته، تدعم الولايات المتحدة تصرفات إسرائيل الاستباقية في سوريا وجنوب لبنان.

بالنسبة إلى إسرائيل، قد يكون الهدف هو الردع، لكن الخطر هو حدوث تصعيد يخرج عن السيطرة، لأن الردع يعني تهديداً أكبر من أي وقت مضى. أخبرني يادلين أن الوضع في أمس الحاجة إلى القادة الروس والأميركيين الذين يقع على كاهلهم احتواء خطر وقوع حرب أكبر. ولكن من غير المرجح أن يؤدي إعلان ترامب إلى ضبط النفس. كما أخبرني أوري ساغي، رئيس سابق للاستخبارات العسكرية أيضاً، أن أداء نتانياهو كان مدروساً، إذ يجبر ترامب على الانسحاب من الاتفاقية النووية ولا يترك إلا “القوة العسكرية” كوسيلة للضغط على السلوك الإيراني. ويبدو أنه سيكون على الإيرانيين والسوريين والروس و”حزب الله” أن يأخذوا في اعتبارهم أن أي هجوم صاروخي على إسرائيل لن يُقابَل بسلاح الجو الإسرائيلي فحسب، بل بصواريخ كروز الأميركية أيضاً. قال رئيس الموساد السابق إفرايم هليفي، الذي يدعو عادةً إلى ضبط النفس، للقناة العاشرة الإسرائيلية إن روسيا دخلت سوريا لترسيخ أقدامها في المنطقة وإنها “ستواصل حتى النهاية”، ولن تقبل هزيمة إيران، “شريكتها الإقليمية”، وقال أيضاً إن إسرائيل لن تسعى إلى مواجهة مع روسيا، ولكن “إذا كانت المواجهة، لا قدر الله، أمراً لا مفر منه، فسينبغي على إسرائيل أن تكون لها اليد العليا”. وربما أضاف كذلك أن إسرائيل لا يمكنها الاعتماد على أن تكون لها “اليد العليا” من دون مساعدة أميركية.

في الواقع، قد يؤدي دعم ترامب العلني الحالي التهديد العسكري إلى تشجيع نتانياهو وليبرمان على اعتبار النهج الاستباقي طريقة مفضلة. ومع انخفاض العملة الإيرانية، وفقدان الريال نصف قيمته مقابل الدولار منذ عام، وصعود ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، إلى السلطة ودعمه صراحةً النهج المتشدد تجاه إيران، قد يشعر نتانياهو بأن لديه الضوء الأخضر الأميركي لمقامرة عالية الخطورة: حرب جوية تقليدية، تجرى حالياً بالفعل بشكل غير رسمي. قد يأمل نتانياهو بحرب محدودة، بلا غزو بري، تُجبر فيها سوريا و”حزب الله” على الإذعان، وتكون روسيا راضية ببقاء الأسد في مكانه، ويسحب الزعماء الإيرانيون، عندما يعلمون أن الأمور ليست في مصلحتهم، قواتهم من سوريا. وقد أوضح لي يادلين أن بإمكان القوات الجوية الإسرائيلية تدمير البنية التحتية اللبنانية و”حزب الله” في أيام قليلة.

لكن على القادة الإيرانيين أن يعلموا أيضاً أن التباين التكنولوجي ذاته الذي يشجع القادة الإسرائيليين على افتراض أنهم قادرون على الفوز في حرب بالطائرات والطائرات بدون طيار والصواريخ، يجعل الاقتصاد الإسرائيلي أكثر ضعفاً من اقتصاد لبنان أو سوريا، إذا طالت الحرب. هاجِم مطار بيروت مدة شهر وبالكاد سيتأثر حزب الله، ولكن هاجِم مطار بن غوريون مدة شهر وستتعطل الدولة الناشئة. كما أن تحقيقات الفساد مع نتانياهو لم تؤدِ إلى بث الثقة. قال لي شاؤول أرييلي، الذي قاد كتيبة في غزة التسعينات، وكتب منذ ذلك الحين على نطاق واسع عن الاستراتيجية الأمنية: “يصعب أن نرى كيف سينتهي هذا الصراع إذا تصاعد”، وأضاف “في ضوء التحقيقات المُقامة ضده، لن يكون لدى نتانياهو سلطة أخلاقية ليقود الجيش إلى صراع دموي طويل الأمد. أنت لا تسحب الثقة من زعيم في معظم الأمور ثم تمنحه إياها في هذا الأمر”. ويعتقد سامي أن نتانياهو متخوف بطبيعته وسيرغب في إبقاء الحرب هادئة. السؤال هو ما إذا كان منطق الوضع سيسمح بالحذر- وما إذا سيستطيع نتانياهو توخي الحذر إن علِم أنه غير قادر على تحمل حرب استنزاف طويلة، استراتيجياً أو سياسياً.

في كتابها “The Guns of August“، تسرد باربرا توخمان هيكلية التصعيد: كيف يمكن القوى الإقليمية المتنافسة، في إطار ما تعتبره تهديداً ملحاً، أن تُدعم من قبل قوى عظمى منافسة- قد تكون مصالحها أقل إلحاحاً بكثير، ولكن قادتها مزودون بالاستعدادات الاستراتيجية، والغطرسة، والخوف من أن يُنظر إلى ضبط النفس العسكري على أنه ضعف. وكتبت أن هناك ثابتاً في أي عصر هو “قرار الجميع على كلا الجانبين بعدم الاستعداد للبديل الأصعب، وعدم التصرف حيال ما اشتبهوا في صحته”. لطالما بدا أن نتانياهو، وهو ابن لمؤرخ، يفترض أن الاستعدادات للبديل “الأصعب” هي استعدادات عسكرية. يبدو ترامب ملتزماً بالخطة. وأعتقد أن توخمان ستعد ذلك فقراً في الخيال.

 

الموضوع مترجم عن newyorker ولقراءة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.

 

إقرأ أيضاً