fbpx

هنا القصة الثالثة

ماجد كيالي

مقالات الكاتب

للسلطة الوطنية الفلسطينية هراواتها أيضاً!

“نيالهم أهلنا في حيفا …على الأقل اللي بضربهم إسرائيلي!”.

هذا ما خطه الكاتب الفلسطيني- السوري، المغترب في السويد، خالد عيسى، بمرارة بالغة السخرية، في تعليقه على قيام أجهزة أمن السلطة بالاعتداء على الشبان المتظاهرين في رام الله منتصف هذا الشهر، والذين احتجوا على الإجراءات “العقابية” التي اتخذتها القيادة الفلسطينية إزاء قطاع غزة. قضت الاجراءات التي احتج المتظاهرون ضدها بمنع تحويل الأموال للموظفين، ما يفاقم معاناة فلسطينيي غزة، بدل التخفيف منها، فيما يعانون الحصار الإسرائيلي منذ 12 عاماً، وفوقه يعانون هيمنة “حماس” الأحادية والإقصائية على القطاع، والتي تطاول حتى خصوصياتهم.

المشهد كما وصفته عميره هس، المحللة الإسرائيلية المقيمة في رام الله، والمعروفة بتعاطفها مع حقوق الفلسطينيين، كالآتي: “الأجهزة الأمنية ضربت المتظاهرين واستخدمت الغاز المسيل للدموع، وحتى أنها أطلقت قنابل الصوت عليهم، وأطلقت النار في الهواء لتفريق التظاهرة. يضاف إلى ذلك أنها قامت بمصادرة كاميرات وهواتف ذكية وكسرها… وتم اعتقال صحافيين فلسطينيين وأجانب… لدى قدومهم إلى ميدان المنارة اصطدم المتظاهرون برجال وحدة تفريق الاضطرابات في الشرطة الذين يلبسون زيهم المرقط الأسود ومسلحين بالبنادق ومزودين بقنابل الغاز وقنابل الصوت والهراوات… اختلط بالمتظاهرين رجال أمن بملابس مدنية، بنطال أسود وقبعة تغطي تقريباً كل الوجه. وقاموا بضرب المتظاهرين واعتقلوا عدداً منهم… ظهرت مجموعة ثالثة من الشباب الذين يلبسون الملابس المدنية ويعتمرون القبعات، من حركة فتح. أيضاً هؤلاء ضربوا المتظاهرين وحاولوا تفريقهم وهم يطلقون شعارات تأييد لمحمود عباس”. (“هآرتس”، 14/6/2018)

تلك ليست المرة الأولى، علماً أن مثل ذلك، أي قمع الحراكات الشعبية، يتم في غزة أيضاً، والمشكلة الأكبر أن القمع لا يطاول الحراكات الشعبية المعترضة على السلطة، في الضفة أو غزة فقط، بل يطاول حتى الحراكات التي لها مطالب عادلة، كمثل استعادة الوحدة ومناهضة الفساد، وتطوير النظام الفلسطيني.

في كل ذلك تظهر السلطة الفلسطينية كأنها سلطة إزاء الشعب الفلسطيني فقط، إذ ليس لها أي سلطة على حدودها، ولا على موارد الأرض التي تقع تحت إدارتها، حتى أن رئيسها، وأعضاء حكومتها، يتحركون وفقاً لتصاريح، أو توافقات إسرائيلية. ومعنى ذلك أن إسرائيل استطاعت، عبر إقامة السلطة، إنشاء نوع من حكم ذاتي للسكان، يقوم كوكيل للاحتلال، بإدارة الضفة والقطاع، وبذلك جنّبت إسرائيل ذاتها عبء السيطرة على الفلسطينيين، وتقديم الخدمات لهم، ناهيك بأنها حررت نفسها من الأعباء الأمنية، فبات ثمة سلطة فلسطينية تقوم بذلك، وأضحت إسرائيل متخففة من اعتبارها دولة استعمارية، أو كقوة احتلال، فثمة هنا رئيس وبرلمان وعلم ونشيد وتمثيل خارجي. الأهم أن إسرائيل استطاعت تحويل الحركة الوطنية الفلسطينية إلى سلطة، كما استطاعت تقسيم هذه الحركة، بل وتقسيم النظام السياسي الفلسطيني، وتهميش منظمة التحرير.

تلك ليست المرة الأولى، علماً أن مثل ذلك، أي قمع الحراكات الشعبية، يتم في غزة أيضاً، والمشكلة الأكبر أن القمع لا يطاول الحراكات الشعبية المعترضة على السلطة، في الضفة أو غزة فقط، بل يطاول حتى الحراكات التي لها مطالب عادلة، كمثل استعادة الوحدة ومناهضة الفساد، وتطوير النظام الفلسطيني.

هذا يعني أن ما حصل في رام الله، وقبلها في الضفة وغزة، يفيد بتفسخ الحركة الوطنية الفلسطينية، وأفول دورها، إذ بتنا أمام حركة تحرر تقمع شعبها، وتقيد حركته، بدل أن تكون مهمتها بث روح الحرية والتمرد في قلبه، وهو مصير كثير من حركات التحرر، التي آلت إلى سلطات، وديكتاتوريات، في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وهو أمر نتاج غياب قيمة الحرية والمواطنة، والتمييز بين تحرير الأرض وتحرير الانسان باعتباره قيمة عليا.

الشاعر مهيب البرغوتي، ابن رام الله، الذي اعتدى عليه رجال الأمن في التظاهرة، كتب قائلاً: اليوم مساء وأنا أسير في شوارع رام الله  أنا وصديقي زياد، رأيتهم، رأيت من اعتدى علينا بالأمس كانوا أربعة يشيرون بأصابعهم نحوي ويضحكون، كانوا تعساء، وأسنانهم حمراء من بقايا دمنا، يضحكون كديدان تزحف نحو حتفها، مسدساتهم متدلية على كروشهم  كانوا يحيطون سيدهم كالعبيد، أكبرهم كالقرد يرقص ويضحك وهو يتكلم بصوت عال ليُسمعنا “لقد مسحنا فيهم الأرض ولن يتجرأ أحد منهم على أن يفكر في غزة مرة أخرى”. مضيت والحزن يملأ روحي عليهم، بعيداً منهم ومن رائحتهم مضيت وأنا اقول لنفسي: الآن فهمت أكثر كيف يموت الإنسان غريباً في وطنه”… الفنانة المسرحية ميساء الخطيب، زوجة الكاتب والباحث الفلسطيني خليل شاهين، تعرضت هي الأخرى للضرب، وفوق ذلك تعرضت لكلمات مهينة، تعبر عن نفسية خسيسة ووضيعة، لا تصدر إلا عن مرضى نفسيين، إذ لا يمكن أن تصدر عن بشر صحيحين. تقول ميساء: “الوجع ليس في جسدي… الوجع في روحي… لأن الأيادي التي رمت قنابل الصوت وقنابل الغاز… كانت أيادي أبناء من هذا الوطن… ومع كل هذا الألم بقيت غزة شعاراً على جسدي…# ارفعوا العقوبات عن غزتنا… ولن نخرس”.

الصوت الأكثر وجعاً ووضوحاً كان صوت الأب مانويل مسلم، الذي خاطب القيادة الفلسطينية بقوله: اسمعي يا منظمة التحرير… نحن الشعب الفلسطيني لا نُضْرَب بالعصي ولا يشتمنا أبناؤنا في جهاز الشرطة، ولا تدمع أعيننا من قنابل الغاز الذي تلقيه علينا أيدي مرؤوسيكم. ونذكّركم إن نفعت الذكرى، بحرب الكرامة وبيروت إننا شعب نموت ولا يُغْمَز قفاه… نقولها بوضوح إن مسيرات الفخار التي تجوب شوارعنا تستنكر حصار غزة وعقابها وظلمها، هي الخط السياسي الذي يريد الشعب أن تنفذه السلطة، والشعب هو الذي يأمر السلطة ويسيّر أمورها في القضايا المصيرية؛ وحين يقرر الشعب الخروج لقول كلمته علناً وجهاراً يجب أن تصمت السلطة وتستمع مليّاً لإرادة الشعب. في رام الله قامت مسيرتان: مسيرة فخار قادها الشعب ومسيرة عار قادتها الأجهزة الأمنية في الاتجاه المعاكس… سيسجل التاريخ مسيرة الشعب بماء الذهب وسيمحو بورقة تين مسيرة الأجهزة الأمنية… يا سيادة الرئيس، للأسف إن الأجهزة الأمنية ومن وراءها لم تحترم شعبك بل تصرفت كأنها احتلال فوق احتلال. الشعب الذي يقاوم إسرائيل منذ 70 سنة لا يخاف شتائم الشرطة ولا الأجهزة الامنية ولا عصيّها ولا قنابل الغاز ولا الذين تصرفوا تصرف المستعربين، فلبسوا لباساً مدنياً وضربوا الشعب أمام الشرطة… ومسيراتنا واعتصاماتنا وعصياننا المدني ستستمر ورؤوسنا وشهامتنا ومقاومتنا لا يحطمها إلا الله. يا سيادة الرئيس أطلق شعبنا. أطلق إرادة شعبنا. أطلق يد شعبنا ولسانه ليقاوم الاحتلال”.

في الغضون، نسيت القيادة الفلسطينية أنها في الأردن ولبنان حملت السلاح، وأقامت القواعد العسكرية بين المدنيين، في القرى والمدن، ونتجت عن ذلك آلام ومآس وأكلاف باهظة، هذا للتذكير فقط. أيضاً، إن الرئيس أبو مازن ذاته هو الذي تحدث عن إخفاق أوسلو، وعن تملص إسرائيل، وأكد أنه لا يملك سلطة، وأن السلطة هي للاحتلال، فعلى ماذا يعتمد الرئيس إذاً في سياساته وفي خياراته إن كان الأمر يذهب به حد قمع حراكات شعبية.

 

إقرأ أيضاً