fbpx

هنا القصة الثالثة

كريم شفيق

مقالات الكاتب

عن اعتقال شريف جابر و”دعشنة” المجتمع المصري..

في مطلع شهر أيار/مايو، اعتُقل المدون المصري الشاب، شريف جابر بسبب بلاغ إلى النائب العام، اتُهم فيه بـ “الاعتداء” على الدين الإسلامي، وإنكار ما هو قطعي الثبوت من الدين، واستهزائه بالذات الإلهية، والنبي محمد.
وذكر البلاغ أنه (شريف جابر)، يقوم ببث فيديوهات تتضمّن “سخرية من الدين وإنكار الجنة والنار والحساب، والاستهزاء بيوم القيامة”. وأعلن المحامي نبيل النقباوى، عقب القبض عليه، أن موكله شريف جابر، سيعرَض على نيابة وسط القاهرة، لاستكمال التحقيق معه بتهمة ازدراء الأديان.
وشريف شاب نشط وله حضور واسع على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ يحظى هذا
المدون المصري، ابن الـ25 ربيعاً، بمتابعة كبيرة، على قناته بموقع “يوتيوب”، التي يشترك فيها حوالى 150 ألف متابع، ويبث من خلالها فيديوهاته، ويثير محتواها النقدي تجاه القضايا الدينية والمجتمعية، جدلاً واسعاً، يتراوح بين الرفض والقبول، من ناحية، والتهديد والتطاول عليه، من ناحية أخرى.
وقد قدم محام ينتمي إلى حزب النور السلفي، في مصر، دعوى قضائية، اتهم فيها، شريف جابر بـ”الاعتداء على الدين الإسلامي”، مطالباً باتخاذ الإجراءات ضده لـ”إهانة دين الغالبية العظمى من المصريين، والتحريض وتكدير السلم العام وإثارة الفتنة بين أبناء المجتمع”.
وفي نيابة وسط القاهرة، قدم المحامي في حزب النور، الهيثم هاشم سعد، المستندات التي تثبت بحسبه “إلحاد” شريف جابر، كما يصفه في دعوته، التي شملت مجموعة من الفيديوهات والمقالات، المنسوبة إلى المتهم، وتؤكد تطاوله على الذات الإلهية، والسخرية من الدين الإسلامي، ما يجرمه الدستور والقانون. كما يزعم.
وأوضح المحامي خلال التحقيقات أن شريف جابر يجاهر بسبه الدين الإسلامي، وتطاوله على “الله”، وأنه يتعمد الإساءة إلى الدين بدعوى الحرية والتعبير عن الرأي.
وإلى ذلك، كتب جابر، إبان هذه الدعوى المرفوعة ضده “كما توقعت بسبب الفيديو الأخير… لا أعرف ماذا أقول حقاً؟ لكنني قلق هذه المرة، لا أعرف ماذا علي أن أفعل… حتى لو كنت أرغب في الخروج من مصر، الآن، هذا مكلف، وسيستغرق ما لا يقل عن شهر وحتى ذلك الحين (الأمر) غير مضمون”.

وثمة حالة من حصار العقل وتغلغل الخوف والاستبداد، تصنعها قضايا “الحسبة”، التي يرفعها بعض الشيوخ والمحامين الإسلاميين، ضد المفكرين والمبدعين

سبق أن قُبض على شريف جابر في 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2013، واتُهم بـ”ازدراء الأديان، ونشر الرذيلة، والأفكار الشاذة، التي تحث وتشجع على الاستفزاز، وتمنع السلام العام، وتهدد الأمن الوطني والقومي”.
وحصل ذلك، بسبب مشادة كلامية، مع أستاذ مادة علم النفس في كليته، التي كان يدرس فيها، آنذاك، إذ وصف مدرس المادة، أن المثلية الجنسية حالة مرضية، لكن جابر، اعترض على ذلك الأمر واعتبرها “أحد التوجهات الجنسية عند البشر، تنشأ نتيجة تفاعل عوامل بيولوجية وجينية واجتماعية ونفسية”. وتم إخلاء سبيله في ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه، مقابل دفع غرامة، بلغت 7500 جنيه (حوالي 400 دولار).
تعيد قضية جابر طرح مسألة حرية التعبير بقوة في المجتمع المصري والعربي عموماً.
وهنا نستذكر هذه العبارة،”التاريخ يعيد نفسه مرتين. في المرة الأولى كمأساة، وفي الثانية كمهزلة”، التي أوردها الفيلسوف الألماني كارل ماركس، في مستهل كتابه: “الثامن عشر من برومير”، براهنيتها ودلالتها الفاضحة، التي تكبت داخلها سخرية مريرة، من الواقع الذي يعكسه المجتمع العربي، ومآلاته المبتذلة؛ إذ ما زال يُجَرّ مواطن إلى القضاء بتهمة “الإلحاد”، والطعن في الدين، والتطاول على الذات الإلهية.
وثمة حالة من حصار العقل وتغلغل الخوف والاستبداد، تصنعها قضايا “الحسبة”، التي يرفعها بعض الشيوخ والمحامين الإسلاميين، ضد المفكرين والمبدعين، إلى أن انتقلت العدوى إلى المواطنين العاديين، الذين يرفعون تلك القضايا من تلقاء أنفسهم، بهدف الحفاظ على قيم المجتمع، وردع الخارجين عليها.
هذا ما حدث مع الروائي أحمد ناجي، الذي اتهمه مواطن بـ”خدش الحياء العام”، على خلفية نشره فصلاً من روايته، في إحدى الصحف المصرية. وبعدما قضى ناجي ما يزيد عن العام في السجن، تم قبول الطعن الذي قدمه، وسقط الحكم، بحبسه عامين، بينما تم تغريمه 20 ألف جنيه مصري (نحو 11 ألف دولار).
وفي ظل قانون “الحسبة”، الذي يسعى طوال الوقت إلى مصادرة حرية الأفراد، والمبدعين، وقمعهم، أدى إلى مزيد من الانسداد والأفول في التاريخ العربي.
اللافت، أن الدولة تعمد إلى ترميم كل الفجوات والهوامش، التي صنعتها أحداث الربيع العربي، في القاهرة، وأدت إلى انتشار مساحات من التفكير الحر والجدلي، من دون وصاية، أو رقابة وتوجيه، سواء من أفراد أو مؤسسات، وشملت السياسة والدين، بالدرجة ذاتها، وأحرقت كل التابوهات القديمة، لكن هاهي الدولة تعيد الانقضاض على هوامش الحرية تلك..
المتحدث باسم الكنيسة المصرية، بولس حليم، أعلن أن الكنيسة والأزهر يتعاونان لمواجهة الإلحاد، الذي بدأ ينتشر منذ سنتين أو ثلاثة. إذا، شرع النظام المصري عبر مؤسساته الدينية، ممثلة في الكنيسة والأزهر، إلى مواجهة هذا الخطر الذي ترافق مع الثورة المصرية 2011، وتدشين مؤتمرات بعنوان: “الرد العلمي على الملحدين”، وفق المتحدث الرسمي باسم الكنيسة.
وسبق، أن أعلن الدكتور عمر حمروش، أمين اللجنة الدينية في مجلس النواب المصري، أنه انتهى من المذكرة الإيضاحية، الخاصة، بمشروع قانون تجريم الإلحاد، في مصر، بغية مواجهة ما اعتبره “ظاهرة” منتشرة في أرجاء القاهرة، تهدد الأخلاق والتماسك المجتمعي، ومن ثم، ينبغي تشريع العقوبات المناسبة.
وتولى حمروش، مهمة إعداد مشروع القانون، وصياغة بنوده، بالتعاون مع شيوخ الأزهر والمختصين من القانونيين، وهو يتكون من أربع مواد؛ تتضمن التعريف بالإلحاد وتوصيفه، وتحديد العقوبات المفروضة، التي وصفها بـ “الرادعة والمشددة”، إضافة إلى إمكان وقف العقوبة، في حال تراجع “الملحد” عن أفكاره.
وعلى رغم وصف الإلحاد بأنه “ظاهرة”، بحسب أمين اللجنة الدينية للنواب، لكن، ليست هناك إحصائية رسمية في مصر، تشير إلى عدد الملحدين.
بينما أوضح تقرير صادر عن محكمة الأسرة المصرية، تنامي دعوات الطلاق، بسبب “تغيير عقيدة الزوج”، في عام 2015، والذي بلغ نحو 6500 قضية، خلال عام واحد.
في المقابل، أصدرت مؤسسة “بورسن مارستلير”، دراسة كشفت فيها عن وصول نسبة الملحدين، في مصر، إلى حوالى 3 في المئة من عدد السكان، أي أكثر من مليوني ملحد، وذلك في عام 2013.
وأحد المشكلات التي يثيرها ذلك القانون، هو تعارضه مع الدستور، الذي يكفل حرية الاعتقاد ويصونه، وتنص المادة 64 من الباب الثالث، المتعلق بالحقوق والحريات والواجبات العامة، في الدستور المصري، الصادر عام 2014، على أن “حرية الاعتقاد مطلقة، وحرية ممارسة الشعائر الدينية، وإقامة دور العبادة لأصحاب الأديان السماوية، حق ينظمه القانون”.
كما تنص المادة 57 على أن “للحياة الخاصة حرمة، وهي مصانة لا تمس”.
ومن ناحية أخرى، يبدو القانون فضفاضاً؛ فكيف سيتم التعريف بالإلحاد، وما هي المرجعية، التي بمقدورها تحديد إيمان الفرد من عدمه، وما هي الأفكار التي بموجبها سيتم تصنيف الفرد ضمن فئة دون غيرها.
ولطالما اعتمد الأزهر، على سبيل المثال، المذهب الأشعري، فهل يعني ذلك، أن بقية المذاهب المخالفة له، كالمعتزلة، والتي يكفرها الأزهر في مناهجه، ستستوجب تبعاً للقانون، ونصوصه، تطبيق البنود العقابية على أتباعها، بحيث نتجاوز المصادرة إلى التجريم والسجن.
وليس مستغرباً تلمس حجم القلق من المصير الذي يواجه كل من يبدي رأياً أو موقفاً لا ينسجم مع المزاج العام. بعد أن بدأت قضية الشاب شريف جابر غرّد على صفحته على “تويتر”: “أشعر بالضياع منذ أن علمت بالبلاغ، فكرت في ما إذا كان الوقت قد حان لترك هذا المكان أم لا. أنا لا أحب الشعور بالفرار. وأنا أعلم أن هناك مئات الآلاف هنا ممن يتم إسكاتهم لأنهم يخشون من بعض المتعصبين”.

إقرأ أيضاً