هنا القصة الثالثة

يوسف بزّي

مقالات الكاتب

عن فراعنة مصر ومحاربي شمال إفريقيا والفريق الأخضر

ما أن يظهر محمد صلاح في الملعب حتى يصيح المعلّق التونسي الشهير رؤوف خليف: “يا فخر العرب”، ويرددها مبتهجاً بهذا اللاعب المصري، أشعث الشعر وكثيف اللحية، الذي أتى به المدرب الألماني يورغن كلوب من نادي روما الإيطالي إلى نادي ليفربول الإنكليزي.

تحول صلاح في موسم واحد ظاهرةً كروية، وأحد ألمع نجوم الدوري الإنكليزي. قبل أشهر كشفت تقارير صحافية أن أكبر الأندية الأوروبية كريال مدريد وبرشلونة وباري سان جرمان تتنافس بشدة لشراء هذا اللاعب من ليفربول، الذي وضع سعراً خيالياً للتنازل، نحو 230 مليون يورو، فيما كان عقد شرائه من روما 40 مليون يورو.

“الفرعون” المصري

حسم محمد صلاح منافسته مهاجم نادي توتنهام هاري كين لنيل لقب هداف الدوري الإنكليزي لهذا الموسم، بعد تسجيله 32 هدفاً، لينال جائزة أفضل لاعب في إنكلترا هذا العام، علماً أن صلاح ليس مهاجماً صريحاً، بل يحتل موقع الجناح الأيمن لفريقه. وهنا مكمن سحره، فهو يمتاز بالسرعة والمرونة الفائقة في المواجهات الثنائية، ويملك رؤية استثنائية للملعب تتيح له صناعة الفرص وتسجيل الأهداف. هو صانع ألعاب، ومهاجم موهوب، ويمتاز ببنية جسمانية قوية، وغالباً ما يضطلع بأدوار متعددة في الملعب، فهو أول المدافعين، كما يشكل نقطة ارتكاز لبداية الهجمات. لاعب مشاكس وذكي بتمريراته القاتلة ومناوراته المباغتة. يجيد اللعب خلف المهاجمين، ما جعله أحد أبرع مقتنصي الأهداف.

مواهبه المتعددة وبراعته في اللعب وسحر أدائه، حولته إلى نجم يحظى بشعبية واسعة في صفوف مشجعي ليفربول، الذين يغنون له “ملك مصر”. شعبيته ليس مصدرها أسلوب لعبه وحسب، بل ابتسامته المحببة ومظهره كشاب غير مكترث بالأناقة وتسريحات الشعر والموضة. عدا عن انفعالاته وتعابيره الطفولية. في مصر بات أيقونة الشبان المصريين ومصدر إلهام لهم، وهذا ما دفع صحيفة “الأهرام” إلى نشر مقالة تطالبه فيها بتشذيب شعره وحلق لحيته، خوفاً من أن مظهره هذا يجعله يشبه أتباع “الإخوان المسلمين”، أعداء النظام الحاكم.   

بنظر الصحيفة هذا لا يجوز، طالما أنه الآن بطل قومي في مصر، بعد أن قاد منتخب بلاده في التصفيات ولعب دوراً حاسماً في نيل التأهل إلى مونديال روسيا 2018. ونال جائزة الاتحاد الأفريقي كأفضل لاعب في القارة.

سيرة محمد صلاح بصعوده السريع إلى النجومية، إذ يطلق عليه أهل بلده لقب “ميسي مصر”، تترافق أيضاً مع تزايد عدد اللاعبين العرب في عالم الاحتراف الكروي الأوروبي. الأندية الكبيرة في إسبانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإنكلترا باتت تستقبل لاعبين عرب أكثر من أي وقت مضى. تلك الأندية التي كانت تعتمد تقليدياً على وفرة المواهب الأوروبية وخريجي الأكاديميات الاحترافية، وبدرجة ثانية تستقطب المواهب الكبيرة من أميركا الجنوبية، ثم راحت تأتي باللاعبين الأفارقة المميزين، نادراً ما اهتمت باللاعبين العرب أو من شرق آسيا.

القاعدة الذهبية في عالم كرة القدم: من لم يلعب في أندية أوروبا وملاعبها يظل هاوياً مهما كان بارعاً ومهما حقق من إنجازات. يبقى في الظل وعلى هامش تاريخ اللعبة.

أبناء شمال أفريقيا المهاجرون

في العقود الماضية، ظهر أبناء المهاجرين من أصول عربية، خصوصاً أبناء الجاليات المغربية والجزائرية والتونسية. حفلت الأندية والمنتخبات بلاعبين بارزين، وفي مقدمهم – بطبيعة الحال – الفرنسي (الجزائري الأصل) زين الدين زيدان، لا بوصفه أسطورة فرنسية حملت كأس العالم الوحيدة التي أحرزتها فرنسا في تاريخها، وبطولة أوروبا عام 2000، بل لكونه أشهر لاعب كرة قدم خلال عقدي التسعينات والعشرية الأولى. كان رمزاً لكرة القدم الحديثة. أحرز لقب أفضل لاعب أوروبي ثلاث مرات (1998، 2000، 2003) وأفضل لاعب كرة قدم في العالم عام 2000، وحصد البطولات الكبرى المحلية والقارية مع فريق ريال مدريد. وحقق أخيراً كمدرب الفوز ثلاث مرات متتالية في كأس الأندية للأبطال. وعلى خطاه، سار اللاعب كريم بنزيمة الفرنسي، والجزائري الأصل. وعلى رغم تراجع مستواه في الموسمين الأخيرين، يظل اللاعب الأبرز في جيله. تم اختياره كأفضل لاعب فرنسي مرتين في عامي 2011 و2012، ونال جائزة هداف الدوري الفرنسي في موسم 2007- 2008، وجائزة أفضل لاعب في الدوري الفرنسي عام 2008. كما فاز مع فريق ريال مدريد بألقاب كثيرة.

من الفرنسيين الجزائريين نذكر أيضاً سمير نصري ابن نادي مرسيليا. لكن تألقه كان بعد أن اختاره المدرب أرسن فينغر عام 2008 ليلعب في نادي آرسنال الإنكليزي، وانتقل إلى مانشستر سيتي عام 2011، وتوج معه بلقب الدوري الممتاز مرتين.

هناك حاتم بن عرفة الذي لم يعرف الشهرة الواسعة، هو لاعب فرنسي من أصل تونسي، ساهم في فوز نادي نيس ببطولة الدوري الفرنسي في موسم 2007- 2008، وشارك قليلاً في اللعب مع المنتخب.

في ألمانيا، البلد الكروي الصعب، أتى سامي خضيرة التونسي الأصل، ليكون في منتخب الشباب ما دون سن الـ21 عام 2009، ونال مع فريقه الألماني بطولة أوروبا. موهبته كلاعب خط وسط دفاعي جذبت الأندية الأوروبية إليه. شارك مع منتخب ألمانيا عام 2010، ليتألق كلاعب أساسي في مركز لطالما برع فيه الألمان أمثال مايكل بالاك وباستيان شفايستايغر وبول برايتنر وشتيفان إيفنبرغ وأندرياس بريمه.. وساهم بفاعلية في نيل ألمانيا كأس العالم 2014.

هذا ما سيؤهله للانتقال إلى صفوف ريال مدريد قبل أن ينتقل ويلعب حالياً مع “السيدة العجوز” (يوفنتوس).

في إيطاليا سطع نجم ستيفان الشعراوي، لاعب كرة قدم من أب مصري وأم إيطالية، يلعب حالياً في مركز الوسط المهاجم لصالح نادي موناكو الفرنسي، وهو المركز الذي شغله في فريق ميلان. يلقّب الشعراوي بـ”الفرعون المصري” و”ديل بييرو الصغير” لتشابه مهاراته مع اللاعب الإيطالي الكبير أليساندرو دل بييرو. لعب في جميع المراحل العمرية بالمنتخب الإيطالي.

آخر من لمع اسمه من اللاعبين ذوي الأصول العربية، الألماني محمود داوود، السوري الأصل (مواليد 1996)، الذي نال بطولة أوروبا مع منتخب ألمانيا دون سن الـ21، عام 2017، احترف اللعب مع بروسيا مونشنغلادباخ، قبل أن يستحوذ عليه نادي بروسيا دورتموند بالموسم الماضي. ويعتبر من المواهب الألمانية الواعدة.

من رابح ماجر إلى أمين يونس

ربما، اللاعبون الأوروبيون، ذوو الأصول العربية، مهدوا الطريق للمواهب العربية كي تصل إلى الملاعب الاحترافية الأوروبية ونجوميتها. صحيح أن لاعباً جزائرياً هو رابح ماجر احترف في فريق بورتو البرتغالي في ثمانينات القرن الماضي، وفاز معه بكأس دوري أبطال أوروبا إثر هدف أسطوري سجله بكعب قدمه بشباك بايرن ميونخ، ليكون أول عربي وأفريقي يفوز بهذه البطولة. لكن سيرة ماجر بقيت استثنائية ولم تلتفت الأندية الأوروبية حينها إلى اللاعبين العرب من ذاك الجيل مثل الجزائري لخضر بلومي الذي يعتبر أهم لاعب في تاريخ الجزائر، والتونسي طارق ذياب أحد أفضل لاعبي المنتخب التونسي ونادي الترجي، والمشهور اليوم كمحلل بارع لمباريات كرة القدم على قنوات “بي إن سبورت”، ومحمود الخطيب الذي أحرز 550 هدفاً، وقاد المنتخب المصري للقب بطولة الأمم الأفريقية عام 1986، واختارته مجلة “فرانس فوتبول” كأفضل لاعب عربي 1983.

بدءاً من عام 2000 تقريباً، أي فقط بعد السطوة والنجومية التي حازها اللاعبون من أصول عربية، بدأت النوادي الأوروبية تنتبه إلى اللاعبين العرب في دول شمال أفريقيا (مصر، تونس، الجزائر، المغرب). في ذاك العام، انتقل المصري أحمد حسام (ميدو) من الزمالك إلى “غينت” البلجيكي، فساهم في تأهل النادي لأول مرة في تاريخه إلى “دوري أبطال أوروبا”، لينتقل في الموسم التالي إلى “أجاكس أمستردام”، وبعده إلى نوادي روما ومرسيليا وتوتنهام.     

المغربي مهدي بن عطية احترف مع نادي تور الفرنسي عام 2006، ثم انتقل إلى نادي روما الإيطالي عام 2013. كان أول لاعب العربي يتسلم شارة القيادة في نادٍ إيطالي، لعب مع البايرن ميونخ… وهو الآن قلب دفاع جوفنتوس، وأحد أشهر لاعبي منتخب المغرب.

والمغربي الآخر حكيم زياش، ولد في هولندا واحترف كلاعب وسط في أجاكس أمستردام. كان لمشاركته في منتخب المغرب أثر كبير على مسيرة “أسود الأطلس” في التصفيات، والتأهل لمونديال روسيا للمرة الخامسة في تاريخه. هو صانع ألعاب موهوب، وحاول الهولنديون استبقاءه لاعباً في منتخب بلادهم.

مباراة الجزائر وألمانيا في مونديال 2014 الرهيبة والتي لم يحسمها الألمان إلا في الشوط الإضافي، لفتت الأنظار إلى هؤلاء الجزائريين المحاربين، ومنهم سفيان فيغولي. في نهاية موسم 2006 – 2007 بدأ الاحتراف في نادي “غرونوبل” الفرنسي، عندما كان عمره 17 عاماً. انتقل عام 2010 إلى نادي “فالنسيا”.

الجزائري ياسين ابراهيمي، انضم إلى صفوف فريق بورتو البرتغالي عام 2014، بعد التألق المونديالي، وفي أول مباراة له في دوري أبطال أوروبا سجل ابراهيمي ثلاثية في مرمى نادي باتي بوريسوف، ما جعله أول عربي يسجل ثلاثية في مباراة واحدة في دوري أبطال أوروبا.

من الجزائريين أيضاً فوزي غلام مدافع فريق نابولي حالياً، بدأ الاحتراف عام 2010، في نادي سانت إيتيان الفرنسي.

وفرة النجوم الجزائريين هي التي جعلت خيبة الجزائر كبيرة نتيجة عدم التأهل إلى المونديال. فقبل هيمنة محمد صلاح في الملاعب الإنكليزية، وفي موسم 2015- 2016، كان الجزائري رياض محرز. هذا اللاعب الدولي، نجم نادي ليستر سيتي الإنكليزي، امتلك قدرات فنية وبدنية كبيرة، ما أهله ليكون واحداً من ركائز كرة القدم الجزائرية والعربية. أذهل الملاعب الإنكليزية والأوروبية. ومع المدرب الداهية كلاوديو رانييري، وبصحبة الهداف جيمي فاردي الذي يضرب كالصواعق شباك الخصوم، حقق محرز وفريق “الثعالب” واحدة من أعظم مفاجآت كرة القدم: بطولة الدوري الإنكليزي. إنجاز لم يكن حتى في الأحلام وعاكس كل الترجيحات.

أما مصر التي يعتريها القلق من إصابة محمد صلاح إذ قد تؤخر التحاقه بالمونديال، فلديها حالياً محمد النني لاعب وسط منتخب مصر، ونادي أرسنال الإنكليزي. إنه من أهم المواهب التي يعتمد عليها المنتخب. بدأ اللعب أوروبياً مع بازل السويسري عام 2013. يمتاز بمعدل رائع من التمريرات الصحيحة، يجيد التحرك داخل أرض الملعب، ويتمتع بقدرة على الاستحواذ. يمتلك كل خصائل لاعب الوسط.

السعودية، ومن أجل تطوير قدرات لاعبيها، أجرت صفقة انتقال 9 لاعبين سعوديين دفعة واحدة إلى الدوري الإسباني لكرة القدم، بدرجتيه الأولى والثانية، لمدة 6 أشهر على سبيل الإعارة، أي حتى نهاية الموسم الكروي الحالي (2017-2018)، منهم سالم الدوسري، وفهد المولد ويحيى الشهري وعلي النمر وجابر مصطفى…

آخر المواهب العربية الجديدة أمين يونس (25 عاماً)، من مواليد مدينة دوسلدورف، لبناني الأصل. بدأ من أكاديمية مونشغنلادبخ الشهيرة، ولعب مع نادي بروسيا مونشغنلادبخ، وتدرج في كل الفئات العمرية للمنتخب الألماني، وهو منذ موسمين يتألق في الدوري الهولندي مع نادي أجاكس أمستردام.

مونديال 2018، قد يكون مناسبة لتألق الكرة العربية، بأربعة منتخبات دفعة واحدة، وربما لاكتشاف لاعبين محليين قد تتسابق أندية أوروبا على ضمهم إلى صفوفها.

 

إقرأ أيضاً