fbpx

هنا القصة الثالثة

أحمد ظاظا

مقالات الكاتب

لاجئون سوريون يهربون إلى تركيا واوروبا عبر إيران

كانت الساعة تشير إلى الخامسة صباحاً مطلع هذه السنة، عندما حزم علاء أمتعته واستعدّ للسفر من السودان إلى إيران، غير أنّ تساؤلاً واحداً بقي عالقاً في رأسه، وكان يحمله على الشعور بحزن عميق. كيف له بعدما أمضى ثلاثة أعوام مقاتلاً في صفوف المعارضة السورية المسلحة، ضدّ قوات النظام والميليشيات الإيرانية الموالية لها، أنّ يضطر إلى زيارة إيران، تلك البلاد التي يرى أنها ساهمت في قتل آلاف السوريين. ما هي إلا لحظات حتى عاد وأدرك أنه لن يتمكن من رؤية أطفاله وزوجته الموجودين في تركيا، إلا من خلال سلوك طريق التهريب عبر إيران كما يفعل عدد من السوريين.

يقول علاء، “كان مضى على وجودي في السودان نحو العام وكنت في حاجة ماسة إلى رؤية عائلتي، ولم يكن أمامي خيار إلا خوض رحلة التهريب تلك، فتواصلت مع أحد المهربين أخبرني بأن كفيلاً إيرانياً سيكون بانتظاري في المطار، وحصل لي على جواز سفر جديد، ووصلت كلفة جواز السفر إلى 1500 دولار، أما بقية الرحلة فقد كلفتني 1200 دولار، وبدأت قبل سفري القراءة عن المذهب الشيعي لأتصرف كواحد منهم.”

مغامرة في إيران

علاء واحد من السوريين الذين اضطروا إلى خوض رحلة محفوفة بالمخاطر وسلوك طريق التهريب من إيران إلى تركيا، بعدما ضاقت بهم السبل وأغلقت كلّ الدول أبوابها في وجه السوريين، وبما أنّ إيران واحدة من الدول القليلة التي لا تحتاج من السوريين إلى تأشيرة لدخول أراضيها، بات كثر من السوريين الراغبين في اللجوء إلى أوروبا أو تركيا، يتوجهون إلى إيران ويتخذون منها نقطة انطلاق لرحلتهم.

حتى الآن لا توجد معلومات دقيقة عن أعداد اللاجئين السوريين في إيران

 

يصف علاء لنا رحلته بالمغامرة التي يتمنى أن لا يضطر لأن يكررها مرة أخرى. لدى وصوله إلى مطار طهران ورؤية العلم الإيراني وصور الخميني في أرجاء المكان، شعر بخوف شديد لم يشعر به من قبل، وتمنى في هذه اللحظات لو أنه قتل في سوريا، وانتابته مشاعر مختلطة من الخوف والغضب، “عندما وصلت إلى المطار كدت أصاب بسكتة قلبية من شدة الخوف، شعرت بأن الجميع ينظر إلي ويتمنى موتي، فخرجت مسرعاً برفقة كفيلي الإيراني والسائق من أجل إيصالي إلى المهرّب، وفي الطريق وبسبب اعتقاد الكفيل بأنني شيعي اضطرت للصلاة معهم على حجر وضعوه أمامي، لم أحب الفكرة لكن من خوفي الشديد صليت بخشوع، وبعد ساعات وصلت إلى منزل في منطقة قرب الحدود التركية- الإيرانية، اضطررت إلى تمضية يوم داخل إيران، كان أطول يوم في حياتي، ومن ثمّ هممنا بالرحيل.”

وتابع علاء أنّه التقى في المنزل ذاته بعشرات الأشخاص الذين رغبوا في سلوك طريق التهريب، وكان بينهم 10 سوريين وآخرون من جنسيات باكستانية وأفغانية، وعقب ساعة من المسير على الأقدام باتجاه الحدود التركية، وذلك من أجل الالتفاف على جبل تتمركز فيه قوات حرس الحدود التركية، التقوا بالمهربين الأتراك وانتهت مهمة المهرّب الإيراني عند هذا الحد،”توجهنا إلى ولاية “وان” التركية في منطقة جبلية تابعة لمدينة DOĞUBEYAZ، كانت الطبيعة قاسية جداً والأرض وعرة، لكنني كنت سعيدا جداً لوصولي إلى الأراضي التركية، لكن للأسف كانت معاملة المهرب التركي سيئة جداً وعبرّ لنا بصراحة عن مدى كرهه السوريين، وأنه يفعل ذلك فقط من أجل النقود، وأنه لا يريد سوريين وأفغان في بلاده، ومشينا مسافات استغرقت ساعات طويلة، وقد اضطررنا إلى المبيت في البرية مدة يوم أو ليلة كاملة للعبور إلى العمق التركي.”

أضاف علاء أنه كان برفقة مجموعات عدة، وكان بينها نساء وأطفال، وساروا مسافة ساعة تقريباً قبل أن يتوقفوا للاختباء، لحظة مرور دورية حرس حدود إيرانية بالقرب منهم، فانطلقت مجموعات المشي مجدداً بعد اختفاء دورية حرس الحدود وكاد يُكشف أمرهم بسبب بكاء الأطفال المتواصل كما أراد المهرب أن يترك النساء والأطفال من شدة خوفه، ولكن ومن حسن الحظ أن أحداً لم يسمعهم ومرت الأمور بسلام”.

رحلة محفوفة بالمخاطر

حكاية علاء كحكاية أم محمد ذات الخمسين عاماً، فقد قررت هي الأخرى سلوك طرق التهريب عبر إيران إلى تركيا، من أجل رؤية وحيدها أيهم بعد فراق دام خمس سنوات، وكان عليها أن تتوجه أولاً من دمشق إلى إيران، لذا اتفقت مع أحد المهربين مقابل1300 يورو، على اعتبار أن الرحلة ستكون عبر السيارات ولن يضطر الهاربون إلى السير على الأقدام، كما أخبرها المهرب.

تقول،”وضعونا في منزل قرب الحدود أنا وأربع نساء وطفلان، وعند حلول الظلام طلبوا منا أن نركب في السيارات. كان عددنا كبيراً ولا تكفي سيارة واحدة لنقلنا، لكننا ركبنا مجبرين، كان الطريق وعراً جداً إلى درجة أنني تقيأت، وكان الظلام حالكاً ولم يسمحوا لنا باستخدام أي ضوء، حتى أضواء السيارة خوفاً من رصدنا من قبل قوات الحرس الإيرانية، وبعد ساعة أجبرونا على النزول من السيارة والمشي نظراً إلى أنّ السيارة لا تستطيع الوصول إلى الأماكن التي نريد الذهاب إليها”.

السوري بات يواجه صعوبات جديدة تتعلق بإقامته في إيران، خصوصاً أنه صار ملزماً بتجديد إقامته كل ثلاثة أشهر

وأضافت أم محمد أنّ المهربين أخبروها في وقت سابق بأنها لن تضطر إلى المشي سوى نصف ساعة، بخاصة أنها تعاني من مشكلة في القلب ولا تستطيع بذل جهد زائد، إلا أنها تفاجأت عندما وجدت نفسها مجبرة على المشي نحو عشر ساعات. وكان الجو بارداً إلى حد دفعها إلى الاستسلام في منتصف الطريق، وتمنت الموت في مكانها، وأنهت حديثها قائلة إن المهرب أراد تركها في الطريق، لكن وبمساعدة بعض الشبان وصلت بسلام بعد معاناة طويلة .

أبو بحر، وهو أحد المهربين الذين تواصلنا معهم، بحجة السفر من إيران إلى تركيا، أوضح أنّ “على كل من يرغب في السفر إلى إيران أن يقوم بإرسال صورة عن تذكرة السفر التي عادة ما تكون على تكلفته الشخصية، إضافة إلى صورة شخصية له بالملابس ذاتها التي سيدخل بها الأراضي الإيرانية، حتى يتمكن الكفيل من التعرف إليه بالمطار واستقباله وتهيئة أموره”. وتابع قائلاً، “نحن نسير على شكل مجموعات في رحلات تهريب شبه يومية، أما بالنسبة إلى التكلفة فهي 1300 يورو للشخص البالغ و1050 يورو للطفل، طبعاً كل شخص يحمل حقيبة صغيرة على ظهره، إذ عليه المشي قرابة ساعة ونصف الساعة تقريباً، وأخيراً بالنسبة إلى طريقة الدفع، فيمكن وضع النقود عند مكتب التأمين بحسب المدينة التركية، التي يرغب الشخص في الوصول إليها”.

عائلة سورية معارضة تلم شملها في إيران

عائلة أم محمود عائلة سورية أخرى، اضطرت للتوجه إلى إيران من أجل لمّ شمل أفرادها، واضطروا للبقاء فيها لرؤية محمود الابن البكر، على رغم أنهم كانوا قد فقدوا رب أسرتهم ومعيلهم على يد قوات النظام والميليشيات المتحالفة معها. تروي أم محمود،”توفي زوجي منذ عامين تقريباً في أقبية النظام السوري، وكانت قد مضت أعوام طويلة، لم أر فيها ابني محمود الموجود في تركيا، فاضطررنا إلى اختيار إيران بما أن الدخول إليها لا يحتاج إلى تأشيرة، كما أن خوفنا من الملاحقة الأمنية لدى عودتنا إلى سوريا دفعنا إلى اختيارها أيضاً، لذا قررت السفر مع ابنتي سحر إلى إيران ثم لحق بنا محمود”.

السوري الموجود في إيران شأنه شأن أي أجنبي في البلاد، ولا يعتبر لاجئاً بشكل رسمي ولا يحصل على أي معونات من الحكومة الإيرانية

 

تسترجع أم محمود مشاهد لقائها بابنها البكر بعد طول غياب، فرغم مشاعر الخوف التي سيطرت عليها بمجرد وصولها إلى إيران، تغاضت الوالدة عن كل همومها وآلامها حينما التأم شمل عائلتها من جديد، وتحقق حلمها باحتضان ابنها الوحيد، وبلا أي تردد توجهت العائلة إلى أحد الفنادق في مدينة طهران، حيث مكثوا مدة شهر كامل.

مفارقات مؤلمة

أما سحر فلم يكن سهلاً عليها البقاء في إيران مدة شهر كامل، وخصوصاً أنها تعتبر من أوائل المشاركات في الحراك السلمي الذي عم معظم المحافظات السورية، إلى جانب أنها من أشد المعارضات للدعم الإيراني لقوات النظام السوري، “سخرية القدر هي التي قادتني إلى إيران، كانت ابتسامة الخوف مرسومة على وجهي طوال الوقت، أذكر في أحد الأيام التي أمضيتها في إيران، كيف خطرت لي فكرة، إذ جمعت بعض القصاصات الورقية، وكتبت عليها بالإنكليزية الحرية لسوريا، كنت أدخل إلى حمامات المقاهي وأنثرها هناك حتى كان الأدرينالين يرتفع إلى أعلى درجة، وعند عودتي إلى الفندق شعرت بالفخر”.

حتى الآن لا توجد معلومات دقيقة عن أعداد اللاجئين السوريين في إيران،  ووفقاً لبعض الوسائل الإعلامية فإن عددهم قليل جداً، مقارنة بدول الجوار التي استضافت الملايين (تركيا– لبنان)، فالسوري الموجود في إيران شأنه شأن أي أجنبي في البلاد، ولا يعتبر لاجئاً بشكل رسمي ولا يحصل على أي معونات من الحكومة الإيرانية، وبحسب أحد الشبان السوريين المقيمين في إيران منذ عام تقريباً، فإن السوري بات يواجه صعوبات جديدة تتعلق بإقامته، خصوصاً أنه صار ملزماً بتجديد إقامته كل ثلاثة أشهر، عبر الخروج من البلاد ثم الدخول من جديد.

إقرأ أيضاً