fbpx

هنا القصة الثالثة

خالد منصور- كاتب مصري

خالد منصور- كاتب مصري

مقالات الكاتب

كيف يمكن الدفاع عن إنسانيةٍ مشتركة للجميع؟

آثار انفجار مبنى الأمم المتحدة في بغداد – 2003

قبل 15 عاماً، نجوتُ من هجوم إرهابي تعرض له مقر الأمم المتحدة في العراق. قتل الانفجار الضخم 22 من زملائي في المنظمة الأممية، وراح معهم حاجز كنت قد شيدته، من دون وعي في الأغلب، لسنوات طويلة قبلها، بيني وبين المآسي المحيطة بسبب ظروف عملي. ساعدني هذا الحاجز النفسي في التغلب على مشاهد فقر مدقع وانحطاط قسري مريع، مشاهد موت وحشية وأعمال العنف لا يمكن تفسيرها: كان هناك دائماً تهديد جاثم بالقرب منا، يخيم على حياة العاملين في حقل المساعدات الإنسانية والذين هم في الوقت ذاته أسعد حالاً، من الناحية المادية، ممن يحتاجون إلى تلك المساعدات بسنوات ضوئية.
ظللتُ على مدى شهور بعد هذا الهجوم، أتأرجح على حافة هاوية من الذكريات الدموية، تفيض مشاهدها كسيلٍ لا ينقطع: مخيم جنين الذي دكه الإسرائيليون في الضفة الغربية، مقابر صغيرة لأطفال ماتوا نتيجة سوء التغذية في هيرات غرب افغانستان؛ وقصص تعذيب مفزع تعرض له سجناء سياسيون أو حتى مشتبه بهم من سوريا إلى باكستان، وغيرهما.
لم تختف هذه المشاهد على أرض الواقع، بل وكثرت مثيلاتها في السنوات التالية، لكنني لم أعد أحاول تفاديها كلية لأشيح بنظري إلى جهة أخرى لأحمي نفسي من فظائع مفرطة القسوة في مناطق الاقتتال والاضطراب السياسي. وبالطبع لا يخلو مثل هذا الموقف، بالنسبة إلي أو إلى كثر من المنخرطين في أعمال المساعدات الإنسانية والدفاع عن حقوق الإنسان، من التعامل أحياناً مع نوبات اكتئاب أو حزن عميق، ولكنني بت أرى مثل هذه الاستراحات المتباعدة دليلاً على الإنسانية المشتركة والصحة النفسية. وهي أيضاً دعوة إلى المقاومة: مقاومة الوحشية بالسبل الإنسانية كافة، من خلال الكتابة والتعليم والتعلم والعمل التطوعي، والأهم من ذلك، العمل مع جماعات وأفراد من أجل الدفاع عن كرامة الأشخاص في مناطق الصراعات وحقوقهم. وباختصار فإن ما بتنا نحتاج إليه هو العمل على تصور وبناء وإعادة بناء، ربما لا ينتهي أبداً، لما تعنيه إنسانيتنا المشتركة وكيف نحميها.


هناك أسباب وجيهة شعورٌ سائدٌ بين منتقدي نظام المساعدات الإنسانية، مفاده أن النظام القديم يحتضر في حين لم يولد الجديد بعد، مثلما قال غرامشي منذ ما يقرب من قرن. ولكن هذا الاحتضار المديد يقترن في الوقت ذاته بلا مبالاة مروعة في مراكز القوة العالمية والإقليمية بشأن مصير مئات الملايين من الناس الذين يُقتلون وتُدمر سبل عيشهم بالكامل في صراعات لا تبدو لها نهاية سياسية في الأفق. ففي السنوات القليلة الماضية صار المدنيون غير المسلحين والأبرياء عرضة لعقاب مرعب ومستمر في عمليات عسكرية باتت روتينية في سوريا وقطاع غزة واليمن والكثير من البلدان والمناطق الأخرى، من دون أن يكونوا طرفاً محارباً في الصراع. ولم يعد خبراً مفزعاً لدى كثيرين أن طائرات الأسد تلقي براميل متفجرة عشوائية وتستخدم أسلحة كيميائية ضد مدنيين، بينما لم تعد القوات الإسرائيلية والسعودية تعير أي أهمية فعلية لمفهوم “الميزة العسكرية” في القوانين الدولية التي يُفترض أن تنظم أعمال الحرب والاضرار. وهذا المفهوم ينبغي أن يردع الدول والأطراف المتحاربة عن أي اعمال عسكرية قد تؤدي إلى خسائر فادحة بين المدنيين لا يمكن تبريرها بالميزة العسكرية الناتجة عنها. وهكذا تقوم إسرائيل والسعودية وقبلهم الولايات المتحدة وغيرهم بقصف مناطق مكتظة بالسكان أو منشآت بنية تحتية حيوية، مثل المستشفيات والمدارس، متسببة في مقتل بمئات الآلاف من المدنيين أو إلحاق الضرر بهم، ضحايا وخسائر هي أضعاف ما يعانيه الخصوم في ميليشيات حماس أو بين صفوف الحوثيين وطالبان والقاعدة. وبدورها ارتكبت جماعات مسلحة، مثل تنظيم داعش والقاعدة وغيرهم، نصيبهم من الفظائع المروعة.

هناك أسباب وجيهة شعورٌ سائدٌ بين منتقدي نظام المساعدات الإنسانية، مفاده أن النظام القديم يحتضر في حين لم يولد الجديد بعد

وأصبح حمل المتقاتلين على الامتثال لقوانين الحرب (وهي المفصلة في اتفاقيات جنيف الأربع) ومحاسبة المنتهكين، من المهمات بالغة الصعوبة. ولا يختلف الأمر كثيراً مع قانون تنظيم اللجوء حيث باتت إجراءات الردع التي تبناها الاتحاد الأوروبي، مثلاً، ضد اللاجئين المحتملين قتل غير مباشر إذ نتج عنها غرق آلاف الأشخاص، الباحثين عن الأمن والأمان، في مياه البحر المتوسط.
كل هذه المآسي تغذي روحاً من التشاؤم والاستسلام بل وأحياناً، الانتهازية والأنانية المفرطة بين العاملين في مجال الإغاثة وأيضاً وسط المستفيدين منها. وتصبح بعض منظمات الإغاثة أحياناً مثل صقور جارحة تستفيد من سقوط جرحى وقتلى. فالآن مثلاً، تتنافس وكالات إغاثة للحصول على حصة من 930 مليون دولار قدمتها السعودية والإمارات العربية المتحدة لتمويل المساعدات الإنسانية الضخمة في اليمن، على رغم أن هذين البلدين يقودان حرباً بلا هوادة ضد ميليشيات الحوثيين المسلحة، من دون مبالاة كبيرة بالثمن الباهظ الذي يدفعه المدنيون والذين سقط منهم ما قد يصل إلى 20 ألف في نحو ثلاث سنوات. وفي سوريا، استخدم النظام التجويع بشكل منتظم كتكتيكٍ حربيٍ لاخضاع المناطق المناوئة له، ورضخت وكالات إغاثة دولية وهي تتلقى رفض السلطات السورية، طلباتها الواحد تلو الآخر، للوصول إلى المناطق المحاصرة، وواصلت عملها في المناطق التي يسيطر عليها النظام. والآن، أصبحنا، في أوروبا والولايات المتحدة، نشهد مساعي تجريم طالبي اللجوء وأيضاً الجهات التي تقدم لهم يد المساعدة. كل هذه أمثلة على تطورات متواترة تضرب في قلب فكرة العمل الإنساني وممارساته، بل ووجود قاسم انساني مشترك بين البشر جميعهم.
ولعل أكثر ما يثير القلق هو كيفية تآكل مشاعر التعاطف الإنساني، وبخاصة عبر الحدود بين الدول. وفي ظل ارتفاعٍ غير مسبوقٍ في نزعات الشعبوية الغوغائية بين السياسيين والشوفينية المفرطة بين المواطنين، بدأ التمتع بالحقوق القانونية وغيرها ينسحب بعيداً من “الأجانب” وطالبي الحماية واللجوء بل وصارت جماعات يمينية مدفوعة بقومية زاعقة أو طائفية عمياء او عرقية شاعرة بالتفوق تقصر مثل هذه الحقوق على فئات دون غيرها من أبناء البلد، ليتم الفتك بالأقليات أو المعارضين أو المختلفين دينياً أو طائفياً أو عرقياً، مثلما يحدث للروهينغا المسلمين في ميانمار أو الشيعة في باكستان. وصرنا نشهد في مجتمعات كثيرة، من الولايات المتحدة إلى الهند، عدداً متزايداً من المتطرفين المسلحين بنظريات وتاريخ وأرقام مزيفة، يدّعون أن البشر ليسوا متساوين وأنه لا يمكن أن تتعايش بسلام جميع الثقافات. هم ليسوا أغلبية بعدُ، لكن نفوذهم يتعاظم.


ويزيد الماء عكارة تراجع قيم إنسانية كونية كانت تشكل الأساس الأخلاقي الصلب لمعظم ممارسات التضامن والتعاطف الإنساني وبالتالي عمل منظمات الاغاثة وحركات حقوق الانسان، ويفاقم الوضع غياب أي إرادة سياسية واضحة على المستوى الدولي أو داخل الدول المعنية لمقاومة هذه التوجهات. وكان غياب هذه الإرادة واضحاً مع الإخفاق المتواصل في تجمعات دولية عدة من أجل إصلاح نظام المساعدات والحماية الانسانية الدولية في العامين الماضيين. فقد فشلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في إدخال آلية جديدة للامتثال لاتفاقيات جنيف في مؤتمر دولي انعقد عام 2015 بعد تحضير طويل، بينما لم تتمخض كل دول العالم في قمة العمل الإنساني في إسطنبول أو في قمة اللاجئين في نيويورك عن اتفاقات تستحق الذكر عام 2016.
ما العمل اذاً؟
هناك مجموعة كبيرة من النصوص والدراسات الأكاديمية واوراق السياسات التي تشرح عيوب النظام القائم وثغراته، ويوجد أيضاً كم هائل من المقترحات العملية من مراكز أبحاث متعددة التوجهات لإصلاح أو تغيير نظام المساعدات والحماية الانسانية الدولي الحديث والذي تبلور في مؤسسات ومعاهدات متتالية منذ منتصف القرن التاسع عشر.
لكن ما نفتقده في الأغلب هو الضغط الشعبي المستمر لفرض تغييرٍ حقيقيٍ أو تسريع وتيرة الإصلاح. هناك حاجةٌ ماسة إلى حركة اجتماعية سياسية جماهيرية تناضل بجانب المتضررين ومعهم في النزاعات من أجل ضمان حقوقهم في الحماية وتلبية احتياجاتهم الأساسية.
لهذا السبب، التقت مجموعةٌ من عمال الإغاثة والباحثين والناشطين السابقين والحاليين من دول عدة، في العام الماضي وشرعوا في العمل، بحماسة ولكن من دون تفاؤل واهم، على وضع الأساس الأولي لمثل هذه الحركة العالمية بغرض الانخراط في الحراك الاجتماعي وأعمال المناصرة السياسية على صعيد دولي وقطري، ولعب دورٍ علني وجماهيري نشطٍ ضد الفظائع والوحشية المتزايدة أثناء النزاعات حول العالم. لا تزال هذه الحركة في مخاض الولادة بعد مشاورات مكثفة مع عشرات المجموعات والمنظمات ومئات الأفراد من الناشطين أو المتضررين في أفريقيا وآسيا والأميركيتين وأستراليا وأوروبا منذ أواخر العام الماضي، لترجمة شعور عام بالسخط إلى عمل مؤثر. وأسفرت هذه المشاورات عن اتفاق المجموعة الصغيرة التي بدأت هذا الحراك ومعظم من تشاوروا معهم على أن الغرض الرئيسي من حركة اجتماعية عولمية في هذا المضمار هو تحدي الأطراف المتقاتلة والداعمين لها، وبخاصة من الدول في الحالتين، وأيضاً الحكومات والمنظمات الدولية ذات الصلة من أجل أن يتوقف هذا “التطبيع” المتزايد للوحشية والانتهاكات المروعة في الحروب وللحفاظ على حق البشر في اللجوء إلى بلاد أخرى.
نعلم إنه تحد هائل ومحاولة شديدة الطموح! لكن هذه المحاولة قد تكون بين السبل القليلة المتبقية للوقوف بفعالية ضد أعمال القتل والتدمير الوحشية المتفشية في النزاعات، عوضاً عن بناء الحواجز، المادية والنفسية، التي نعتقد خطأ أنها يمكن أن تحمينا.
هذا المقال مأخوذ عن الكلمة التي القاها الكاتب في افتتاح المؤتمر الخامس للرابطة الدولية للدراسات الإنسانية International Humanitarian Studies Association في لاهاي، هولندا، في 27 آب/ أغسطس 2018. والكاتب مشارك مع مجموعة من الأكاديميين وعمال الإغاثة السابقين والحاليين من اجل بناء حركة عالمية، تُدعى “متحدون ضد اللا إنسانية” للضغط من أجل إصلاح النظام الدولي الإنساني ومواجهة الوحشية المتزايدة في النزاعات المسلحة.

 

إقرأ أيضاً:

ليس مجتمعاً مدنياً ولا دولاً حديثة

بلاد تسير على رمال متحركة في ربعٍ خالٍ

إقرأ أيضاً