fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

كيف يرى المضطربون عقلياً العالم من حولهم؟

لا يتعلق الأمر بعدم الأخذ بآراء الآخرين. بل بعدم قدرتهم على فعل ذلك بشكل تلقائي.
من النادر أن يمضي شخص ما بعض الوقت مع أشخاص مضطربين عقلياً، وكذلك من النادر أن يطالب شخص ما مراراً وتكراراً سلطات سجن بالسماح له بذلك. ولكن بعد مضي أكثر من عام بين اجتماعات ومفاوضات، استطاعت أخيراً أرييل باسكن- سومرز، من جامعة “يال”، إقناع سلطات سجن “كونيتيكت” الشديد الحراسة بالسماح لها بالعمل مع نزلاء السجن، ودراسة الحالات التي لديها ميول سيكوباتية.
الأشخاص السيكوباتيون بحسب المفهوم الاصطلاحي، لديهم مشكلات في فهم مشاعر الآخرين، وهو ما يفسر جزئياً سبب أنانيتهم الشديدة، وسبب معارضتهم القاسية لسعادة الآخرين، وسبب ارتكابهم جرائم العنف بمعدل يزيد عن الأشخاص الآخرين بثلاثة أضعاف.
والغريب في الأمر أنهم على ما يبدو لا يواجهون صعوبة في فهم ما يفكر به الآخرون أو يريدونه أو يعتقدونه – تلك المهارة التي تعرف بمعانٍ مختلفة، مثل تقبل المنظور، أو فهم الحالة العقلية، أو نظرية العقل. تقول باسكن- سومرز، “يبدو من خلال سلوكهم أنهم لا يأبهون بأفكار الآخرين”، إلا أن أداءهم خلال التجارب يشير إلى عكس ذلك. فعندما يسمعون قصة ما، ثمّ يُطلب منهم القول بصراحة عما تفكر فيه الشخصية، فإنهم يستطيعون القيام بذلك.
في ظاهر الأمر، يبدو ذلك منطقياً، فهؤلاء الأشخاص يستطيعون فهم ما يفكر فيه ضحاياهم، لكنهم لا يأبهون لذلك فحسب. ومن ثمّ يقومون بأفعالهم. إلا أن باسكن- سومرز اكتشفت أموراً حول عقولهم أكثر مما يبدو عليه الأمر.
يُدرك معظمنا الحالة العقلية بشكل تلقائي. فمنذ طفولتنا، تنطبع مفاهيم الآخرين تلقائياً في عقولنا. ولكن من الواضح أن الشيء نفسه يحدث بقوة أقل لدى الأشخاص المضطربين عقلياً. فمن خلال الدراسة التي أُجريت على نزلاء سجن “كونيتيكت”، أظهرت باسكن-سومرز، وزملاؤها ليندسي درايتون، ولوري سانتوس، أن هؤلاء الأشخاص يستطيعون فهم وجهة نظر شخص آخر بشكل متعمد، ولكنهم لا يفعلون ذلك بشكل تلقائي في أغلب الأحيان كما تفعله الغالبية العظمى من الناس. تقول باسكن-سومرز، “تلك هي المرة الأولى التي نتوصل فيها إلى دليل على أن الأشخاص المضطربين عقلياً لا يمتلكون هذه القدرة التلقائية التي يملكها معظمنا”.
بدأت باسكن- سومرز في دراسة السيكوباتيين منذ عشرة أعوام تقريباً، إذ توضح أنها بدأت ذلك “قبل استخدام مصطلح سيكوباتي في البرامج التلفزيونية كافة”. وتضيف، “لقد فُتنت بمدى تعقيد عقولهم. فنادراً ما يُظهرون قصوراً كاملاً في أي شيء. إلا أن هناك فارقاً بسيطاً مثيراً للاهتمام. إذ تظهر لديهم علامات الإدراك الجيد في بعض الأحيان، ولكن لا تظهر تلك العلامات في أحيان أخرى. فأحياناً يظهرون نظرية العقل، وأحياناً أخرى لا يفعلون. وهو لغز مثير للاهتمام”.
لا يقوم نظام السجون في الولايات المتحدة بتقييم النزلاء من الناحية العقلية عند دخولهم السجن، لذا، طبقت باسكن- سومرز اختباراً قياسياً بنفسها على 106 نزلاء من الرجال داخل السجن. أسفر عن وجود 22 نزيلاً مضطرباً عقلياً، و28 نزيلاً سوياً، بينما لم يُجزم تصنيف العدد الباقي. وقد أجرت باسكن- سومرز جميع المقابلات داخل مختبر نفسي داخل السجن – عبارة عن غرفة بسيطة فيها مكتب، وحاسوب، وخالية من الحواجز”.
تردف باسكن- سومرز، “كان هناك رجال أمن، ولكن خارج الغرفة، لأن ما نقوم به أمر سري”. وتضيف، “لقد أجرينا تدريبات كثيرة، وكنا نجلس دائماً قرب الباب. لكن لم يقع أي حادث على الإطلاق. فبالنسبة إلى كثير من النزلاء، كانت تلك هي المرة الأولى التي يَطلب منهم شخص ما التحدث عن حياتهم”. تتابع باسكن-سومرز حديثها قائلةً، “لقد ثبت أن السيكوباتيين حادّو الألفاظ، ونرجسيون، ومتلاعبون”، وتضيف، “يمكن أن يكونوا عدوانيين، ويحبون التفاخر بتفاصيل جرائمهم الشنيعة، من أجل إرهابنا على ما أعتقد. ولكن ذلك لا يحدث طوال الوقت. إذ يُبدون كثيراً من السيطرة على انفعالهم”.
بعد تقييمها للمتطوعين الـ106، أعطتهم مهمة لتنفيذها على الحاسوب. كانت عبارة عن صورة رمزية بشرية في زي السجن الكاكي، تقف في غرفة، إما موجهة ناحية اليمين، أو ناحية اليسار. وكانت هناك نقطتان حمراوان على الجدار أمام صورة الشخص، أو نقطة واحدة أمام الصورة، وأخرى خلفها. وكانت مهمتهم تحديد عدد النقط التي يرونها، أو يستطيع الشخص الذي في الصورة أن يراها.
عادةً ما يستطيع الناس تحديد عدد النقاط التي يستطيع الشخص الذي في الصورة رؤيتها بدقة، لكنهم يصبحون أبطأ إذا كانت هناك نقطة خلف صورة الشخص. يرجع ذلك إلى أن ما يرونه- النقطتين- يتعارض مع قدرتهم على الرؤية من خلال عيني الشخص الذي في الصورة الرمزية -أي النقطة الواحدة- وهو ما يُعرف بالتداخل الذاتي. لكنهم أيضاً كانوا أبطأ في ذكر عدد النقاط التي يرونها، إذا كان عددها يختلف عن عدد النقاط التي يراها الشخص الذي بالصورة الرمزية. وقد أظهر ذلك مدى سرعة وسهولة تقبل البشر وجهات النظر الأخرى، فقد تأثر المتطوعون بشكل تلقائي بمنظور الصورة، حتى عندما أثَّر ذلك سلباً في أدائهم الشخصي. وهو ما يُعرف باسم التداخل المتغاير.
وجدت باسكن- سومرز أن النزلاء المضطربين عقلياً قد أظهروا مستوى معتاداً من التداخل الذاتي- أي أن منظورهم الخاص قد اندمج في الصورة. لكنهم في الوقت نفسه، أظهروا تداخلاً متغايراً متدنياً، بالمقارنة مع النزلاء الآخرين- أي لم يكن منظور الصورة مُهملاً من وجهة نظرهم، كما يحدث مع معظم الأشخاص الآخرين.
ليس جميع الأشخاص السيكوباتيين متشابهين بطبيعة الحال، كما أنهم يتباينون بشكل كبير في سلوكياتهم. إلا أن باسن- سومرز وجدت أيضاً أنه كلما كانت درجاتهم أعلى في اختبار التقييم العقلي، كانوا أقل تأثراً بما يراه الشخص في الصورة. وكلما انخفض هذا التأثر، كانت هناك جرائم اعتداء أكثر في سجلهم.
ربما يُظهر السيكوباتيين ما لا يبطنون، ولكن من المستبعد أن يكونوا قد تعمدوا التلاعب في أداء المهمة من أجل إظهار نتائج مثيرة للاهتمام. تقول باسكن- سومرز “إن المهمة سريعة للغاية، ولم نجد أي اختلاف في الدقة بينهم وبين الآخرين ممن هم أقل اضطراباً عقلياً”.
بالنسبة إليها، أظهرت النتائج أن السيكوباتيين- أو الرجال منهم على الأقل- لا يكترثون بآراء الآخرين بشكل تلقائي. وما يُعتبر أمراً تلقائياً لمعظم الناس، يُعد اختياراً متعمداً بالنسبة إليهم، وهو أمر يمكنهم استخدامه بجدية إذا كان يساعدهم على تحقيق أهدافهم، ويتجاهلونه في حالات أخرى. وهو ما يساعد في تفسير سبب تصرفهم بقسوة، وغلاظة، بل وعنف في بعض الأحيان.
إلا أن أوتا فريث، عالمة النفس في جامعة كلية لندن، قد لاحظت أن هناك بعض القصور في اختبار الصورة الرمزية، والتي استُخدمت في دراسات أخرى. تسأل فريث: “ما الذي تقيسه بالفعل؟، فمن الممكن أن تكون الصورة الرمزية أقل في تأثيرها من مجرد شخص، وأكثر في تأثيرها كإشارة أو سهم مُوجِه- توجيه انتباه بصري. وربما بدلاً من أن يقيس الاختبار تقبل المنظور، فإنه ببساطة يقيس كيفية تحويل الناس انتباههم بشكل عفوي”.
ردَّت باسكن- سومرز على ذلك بأن الاختبار يتمحور حول الغرضين: الانتباه، وتقبل المنظور. وقالت، “إنه أمر جيد من أجل دراسة الاضطراب العقلي”. ويرجع ذلك وفق ما أوضحت هي وغيرها، إلى أن المضطربين عقلياً يبدون انتباهاً شديداً غير معتاد لأشياء ترتبط بأهدافهم، لكنهم يتجاهلون المعلومات الهامشية بشكل كبير. توضح باسكن- سومرز، “يبدو الأمر وكأنهم أسوأ الأشخاص في أداء المهمات المتعددة”. وتضيف، “الجميع سيئون في أداء المهمات المتعددة، لكنهم الأكثر سوءاً”. لذا، من المحتمل أن يكون افتقارهم إلى تقبل المنظور مجرد مظهر آخر من هذا الاختلاف في الانتباه. وبالتالي فإن الأمرين مرتبطان ببعضهما بعضاً.
تُظهر فئات أخرى من الناس أيضاً نظرياتهم العقلية. فعلى سبيل المثال، طلبت فريث في إحدى الدراسات من الناس تخمين أين ستبحث فتاة عن رخام تم نقله من دون علمها. لقد عرف المشاهدون مكان الرخام، فهل يمكن تجاوز معرفتهم لمكان قدم الفتاة؟ كشفت برامج تتبع العين أن الاستجابة العصبية البصرية للأشخاص البالغين قد نظرت إلى المكان ذاته الذي وضعت فيه الفتاة قدمها، لكن الأشخاص الذين يعانون من أعراض متلازمة “أسبرغر”، كانوا أقل نظراً إلى هذا المكان. إذ لم يتوقعوا بشكل عفوي تحركات الآخرين. تقول فريث، “من المقلق بعض الشيء أن تقترح باسكن-سومرز وزملاؤها الآلية ذاتها لتفسير قساوة السيكوباتية، والتي استخدمناها سابقاً في تفسير مشكلات التواصل في مرض التوحد، حتى وإن كان ذلك يعتمد على اختبار مختلف”. وتضيف، “بغض النظر عن كل شيء، تلك ظروف مختلفة تماماً”.
توجد اختلافات دقيقة ومهمة بين الدراستين، وفق قول باسكن- سومرز. فاختبار فريث لم يأخذ بعين الاعتبار ما إذا كان منظور شخص آخر سوف يؤثر في منظورك الشخصي- وهو ما يختلف في حالة المضطربين عقلياً. إنهم يستطيعون تقبل وجهات نظر الأشخاص الآخرين، إلا أن هذه الآراء لا تؤثر تلقائياً على آرائهم الشخصية. ترى باسكن-سومرز أن “ليس هذا هو النمط المعتاد الذي يظهر عند تحديد قصور نظرية العقل”.
هذه النتائج الحديثة لا “تفسر” ماهية السيكوباتية، ولن تستطيع دراسة واحدة أن تقدم تفسيراً لذلك. فالأمر يشبه معظم المشكلات النفسية، إنها فوضى مركبة من التأثيرات الوراثية والبيئية، وجميعها تؤثر في أكثر أجهزتنا تعقيداً، وربما أقل تفسيراً، وهو المخ. قد يُظهر الأشخاص السيكوباتيون علامات على ضعف تقبل المنظور التلقائي، ولكن “السؤال الأهم هو، لماذا؟” بحسب قول إيسي فيدينغ، من جامعة كلية لندن، “ما الذي يوجد في التركيب الوراثي، والبيئة المحيطة بالشخص يجعله كذلك؟ نحن في حاجة إلى دراسات مطولة للإجابة على هذه الأسئلة، والتحقق من مدى مرونة هذه العمليات”.
في غضون ذلك، تعتبر باسكن- سومرز أن هناك طرقاً لاستخدام ما نعرفه بالفعل. وتقول، “نفكر في تدريب ضباط السجن على كيفية التحدث مع النزلاء الذين يعانون اضطراباً عقلياً، وإجبارهم على التعامل بمزيد من تقبل المنظور المتعمد”. فبعد وقوع مشاجرات داخل السجن، “من الطبيعي أن تقول، إنك فعلت شيئاً خاطئاً، أو ما الذي حدث هنا؟ هذه البيانات تشير إلى أن الأشخاص المضطربين عقلياً لن يستطيعوا الإجابة على هذا السؤال. ما لم تُجبرهم على تقبل منظور نزيل آخر في شأن ما حدث، فلن يتفهموا الأمر”.

هذا الموضوع تم اعداده وترجمته عن موقع The Atlantic لمراجعة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأ أيضاً