fbpx

هنا القصة الثالثة

مكسيم عثمان

مقالات الكاتب

كيف يحفّز النظام السوري جمهوره في الساحل اعلامياً لتبنّي مجازر درعا؟

تبدو درعا جغرافياً بعيدة كل البُعد من الجمهور الأقرب للنظام أي أهل الساحل، حيث الطائفة العلوية التي هزّتها الحرب وتبعاتها. فأبناء الطائفة الذين يموتون بعيداً دوماً، لم يعودوا يظهرون الحماسة للقتال. لكن النظام استطاع في المقابل تحفيز روح انتقامية مكنته من اجتياح الغوطة قبل اسابيع وهاهو يعيد استخدام اللغة نفسها في حرب درعا. من يتابع صفحات النظام الهامشية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تبدو الأقوى على الصعيد الاجتماعي والإعلامي، سيلاحظ ما تضخه في نفوس الجماهير الموالية بما يجعلها أكثر مشاركة ودعماً للضربات العسكرية الروسية.

هنا تجدر ملاحظة نقطة مهمة، إذ إن تمجيداً هائلاً للدور الروسي يأتي من كون طائراته خفّفت من وطأة الحرب البرية، وسرّعت المفاوضات التي أراحت الطائفة من شرّ اقحام الكثير من العناصر في حرب قد لا تنتهي. تصاعدت لغة الانتصار وآليته سريعاً، لتطال درعا فشملت دعاية التحفيز دعوات لضرب الجنوب السوري من دون رحمة، فانطلقت الميديا السورية الرسمية بخطابٍ تحشيدي للحصول على التأييد. التلفزيون السوري والصحف الرسمية تذيع نداءات وهمية من درعا تطالب بدخول الجيش، إضافة إلى وضع صور لاحتفالات أهالي درعا وريفها مع أنباء اقتراب وصول الجيش إليها. وهناك شكل جديد أطلقه النظام من التجني كان قد استخدمه في الغوطة، من خلال استخدام رموز وشعارات توحي بشكر من أهالي الغوطة ودرعا لأبناء الساحل، عبر “هاشتاغ” أطلقته إحدى الصفحات لإرضاء موالي النظام، الذين حاولوا في مناطق فرعية عبر طريق حمص- طرطوس الاعتداء على المسلحين المعارضين وعائلاتهم، وهم داخل الباصات التي نقلتهم من ريف دمشق إلى إدلب. و”الهاشتاغ” والشعارات حملت جميعها ما يفترض بأنه توجيه أهالي الغوطة الشكر لأن الجيش “حررها”، مرفقاً بشكر لأبناء الساحل الذين قتلوا في معاركهم في المنطقة، والذين بلغ عددهم تقريباً 50 ألفاً، وفق مصدر أمني.

اقرأ أيضاً: المرسوم رقم 10: انتقام النظام السوري من الديمغرافيا

وتواظب مواقع النظام على السوشيال ميديا على بث أخبار وتعليقات تثير مناخاً انتقامياً بحيث تزخّم مشاعر الثأر وتجعل غريزة الانتقام أكثر استفاقة وتأثيراً. يظهر ذلك من خلال أصوات وتحليلات مفعمة بلغة عنفية بحيث باتت مكرسة في أمزجة الناس والموالين، فالتحفيز الانتقامي يبدو أكثر رحابة لأنه يستجيب لمناخ الحرب في المنطقة. هناك محاولات لجعل الانتقام والحرب والقصف الجوي العنيف، المناخ الوحيد المسيطر.

يحصل هذا مع درعا منذ بداية العملية الحربية فيها، حيث تواظب الصفحات الخاصة لكل مدينة سورية على تحفيز دائرة الموت، ومحاولة توظيف ذكرى الثورة في درعا كإرهاب متأصل. ونشرت الصفحات كلها تقريباً فيديوهات وصوراً لعمليات عسكرية للجيش الحر في درعا، قاموا خلالها بقتل جنود تابعين للنظام، ما لم نتحدث عن مئات الأقلام التي تنشر مقالاتٍ تبدو مرعبة في توجهاتها ولغتها ضد أهالي درعا وذكرى ثورتهم.

مسؤول أمني في اللجنة الأمنية لحزب البعث أكد لنا أن “النظام لا يستطيع إنتاج الحرب بمفرده، وحتى الروس لو لم يجدوا قبولاً شعبياً لما قاموا بعملياتهم”. وفي لقاء غير رسمي مع محرري إحدى صفحات مناطق الساحل التي تُسمى “شعبة المخابرات” قيل: “لا بد من تذكير الناس بأن درعا قطعة من سوريا، وأن على الجميع الوقوف خلف الجيش والروس في عملية إعادتها وأن تحرير قسم كبير من سوريا لا ينسينا إدلب ودرعا”.

وتواظب مواقع النظام على السوشيال ميديا على بث أخبار وتعليقات تثير مناخاً انتقامياً بحيث تزخّم مشاعر الثأر وتجعل غريزة الانتقام أكثر استفاقة وتأثيراً. يظهر ذلك من خلال أصوات وتحليلات مفعمة بلغة عنفية بحيث باتت مكرسة في أمزجة الناس والموالين، فالتحفيز الانتقامي يبدو أكثر رحابة لأنه يستجيب لمناخ الحرب في المنطقة. هناك محاولات لجعل الانتقام والحرب والقصف الجوي العنيف، المناخ الوحيد المسيطر.

 

كل هذا جعل العنف والشراسة ضد درعا مبرراً بوصفها مهد الثورة وقتل هذه الرمزية وبقسوة يعطي للنظام دفعة معنوية هائلة، وهذا ما تُظهره الصحف الرسمية والصفحات الاجتماعية عبر الانترنت في تكوين حالة احتفالية تصاعدية جراء القصف على درعا.

إنها طقوس انتقامية تهدف لجعل الجمهور فرحاً رغماً عنه ومنتقماً في الآن نفسه وداعماً للنظام، وفي مقلبٍ آخر سعيداً لإعادة الدولة إلى سيطرة النظام. ويبدو أن هذا الأخير لا ينفك عن ترداد خطاب الكراهية، الهادف إلى تشريد آلاف من أهالي درعا، عبر استخدام تقنية الانتقام ووضع الفيديوهات المرعبة لجماهيره لكي لا تشعر بأي رحمة إزاء عمليات القصف الروسي.  ويُشار إلى أن الصفحات الهامشية كثيراً ما تذكر الجماهير وتنبهها، حمايةً لتوحشها، بأن الثقة بأهالي درعا وبالمفاوضات هو أمر مشين، لزرع العنف وتأصيله في عقول المتابعين.

الاحتفالات ستكون كبرى بعد سقوط درعا بيد النظام مرة أخرى، ويسود اعتقادٌ بأن هذا آخر احتفال للنظام أمام جماهيره وهي آخر حروبه أيضاً.

 

لكن نهج النظام هذا بدا عكس ما فعله قبل عامين حين سيطر على حلب، إذ ساعده التدخل الدولي الواضح خصوصا الروسي في حسم سيطرته العسكرية والإعلامية، وتحول خطابه الإعلامي إلى خطاب واثق حينها تراجعت المبالغات الاعلامية ولم يعد الأسلوب التحفيزي العنفي ملازماً لخطابه.

هنا كان النظام قد اطمأن الى بقاءه على رأس السلطة. كان الوصول إلى هذه المرحلة مُكلفاً جداً، إذ بدأ الانفصال بين النظام وحاشيته، وبين جماهيره التي تؤيده. ارتياح النظام لبقائه جعله بعيداً من الطائفة العلوية التي تدعمه لوجستياً وإعلامياً، فخطاب الاستعطاف والتخويف غاب حينها تماماً عن قول النظام ولهجته. لكن ومنذ حرب الغوطة التي شُنت بقسوة ومن دون رحمة، وتلتها حرب درعا وريفها، شعر النظام بانفصالٍ بينه وبين جماهيره، التي عزل نفسه عنها لانتصاره الذي تحقق بإرادة دولية، فأعاد لغته التراحمية العنفوانية، وفتح لقنواته فيديوهات سقوط جنوده، وفيديوهات ذات محتوى لفظي وعنفي من المعارضة لجنوده، وأعاد عرض مقاطع تُحفز جماهيره الأكثر التصاقاً بمعركته. إن شيطاناً إعلامياً في يدِ النظام يبدو مستساغاً لاستخداماتٍ تحفيزية قبل كل موقعة كُبرى.

ما يردده الأهالي في المدن السورية هو أن هذه الحرب عليها أن تنتهي، وانتصارات النظام تحتاج حافزاً لدعم الطائرة الروسية المغيرة معنوياً. وهنا لا يُمكن لحرب أن تكوه بريئة من حشد الجماهير، والنظام يستعد لكل هذا أمام بيئته التي تتمسك به خوفاً ورجاء.

الاحتفالات ستكون كبرى بعد سقوط درعا بيد النظام مرة أخرى، ويسود اعتقادٌ بأن هذا آخر احتفال للنظام أمام جماهيره وهي آخر حروبه أيضاً.

اقرأ أيضاً: سهيل الحسن: ريفي بسيط بات قاتلاً باسم الأسد

إقرأ أيضاً