fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - The Economist

مقالات الكاتب

كيف نصلح الأخطاء التي شابت الإنترنت؟

قبل بضع سنوات، إذا سئل معظم المستخدمين عن رأيهم في الإنترنت، فإنهم سيتحدثون عن قائمة من الأشياء التي يحبونها، مثل السماح لهم بالتواصل مع الأصدقاء، ومساعدتهم على الدخول الفوري إلى مجموعة هائلة من المعلومات، وإشعال شرارة الابتكار، وحتى المساعدة في تقويض الأنظمة الاستبدادية. وقد حققت شبكة الإنترنت نجاحاً مبهراً في بعض النواحي. فبعد أقل من ربع قرن منذ إطلاق أول متصفح للشبكة، أصبح حوالى نصف سكان العالم على اتصال بالإنترنت. ولكن أصبح كثر من الناس أكثر انتقاداً لهذه الشبكة، التي باتت تشعرهم بالقلق لأنها تؤدي إلى إدمان الإنترنت، وما يعنيه ذلك من نشر بيانات الجميع، ما يساعد على عمليات الخداع والقرصنة الماكرة.

يؤكد هذا التقرير الخاص أن الأمر الأساسي الذي يسبب خيبة أمل رواد الانترنت هو أن هذه الشبكة قد أصبحت أكثر “مركزية” بكثير (بحسب مصطلحات الاستخدام الجماعي للتقنية)، مقارنةً بما كانت عليه منذ عشرة أعوام. فإن الأنشطة التي تُمَكنها هذه الشبكة العالمية للشبكات يتحكم بها عمالقة قليلون بدءاً من “فيسبوك” Facebook، حتى “تينسنت”Tencent ، إِذْ إنهما موجودتان في الغرب وفي الصين. يوضح المؤرخ نيال فيرغسون في كتابه “الميدان والبرج The Square and the Tower” أن هذا النمط – الشبكة الجديدة المعرقلة التي تسرب إليها ترتيب هرمي جديد – لها الكثير من السوابق التاريخية. وتتنوع الأمثلة بدءاً من ظهور الصحافة المطبوعة وحتى الثورة الصناعية.

في الوقت ذاته، أصبح التحكم في شبكة الإنترنت أكثر إحكاماً. عندما كان الوصول إلى شبكة الإنترنت لا يتم إلا من طريق الحاسب الشخصي أو المحمول بشكل أساسي، كان يمكن المستخدمين الوصول من دون قصد إلى خدمات جديدة مدهشة وتجربة أمور كثيرة بأنفسهم. أما في هذه الأيام فالطريقة الأساسية للاتصال بالإنترنت هي الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية التي تحتجز المستخدمين في فضاءات محددة أو “حدائق محاطة بأسوار” تزداد الإثارة فيها قليلاً عن قنوات التلفزيون. وبإمكان صانعي أنظمة التشغيل الخاصة بالهواتف المحمولة أن يقرروا عبر متاجر تطبيقاتهم الخدمات التي بإمكان مالكي الهواتف الذكية الوصول إليها. وهناك نقطة تحكم أخرى هي الحوسبة السحابية، التي تجعل أشخاصاً خارجيين مسؤولين عن التطبيقات والبيانات المرتبطة بها. وفي الوقت ذاته، أوجدت الحكومات، التي لم تلعب أي دور لوقت طويل في الإنترنت، لنفسها سلطة على أجزاء كبيرة من الشبكة، وهي غالباً ما تستخدم شركات الإنترنت الكبيرة كجهات لتنفيذ ذلك، كأن تجعلها تحظر المحتوى غير المرغوب فيه.

إن العواقب السياسية للمركزية المتزايدة في الإنترنت تعتبر أكثر إزعاجاً وإن كانت أقل وضوحاً.

 

ويعد هذا بطريقة أو بأخرى مغايراً لما يهدف إليه مؤسسو الإنترنت. عندما تم إرسال أول رسالة عبر الإنترنت منذ قرابة نصف القرن، في 29 من تشرين الأول/ أوكتوبر عام 1969، كان النظام “متحيزاً لمصلحة لا مركزية السلطة وحرية التصرف”، وذلك بحسب قول يوتشاي بينكلر من جامعة هارفارد. وقد لعبت أصولها التقنية دوراً كبيراً في ذلك. واستهدفت شبكة الإنترنت- بصفتها ناتجة عن الحرب الباردة- الربط بين الحواسيب والشبكات المتفاوتة، إذ يمكنها الاتصال حتى لو لم تكن الروابط المركزية متوفرة، كما في حالة الهجوم النووي على سبيل المثال. وقال فينت سيرف، أحد المهندسين الذين طوروا بروتوكولات الاتصال (وهو يعمل الآن لحساب شركة “غوغل”): “أردنا ربط أي شيء متصل بالشبكة بأي شيء آخر متصل بها”.

ولجعل هذا الأمر ممكناً، كان على السيد سيرف وزملائه أن يجعلوا الإنترنت “من دون ترخيص” بلغة اليوم. يمكن كل شبكة وكل حاسوب أن يتصل طالما أنه يتبع البروتوكولات. يتم نقل حزم البيانات من شبكة إلى أخرى بصرف النظر عن المحتوى. وقد ألهم هذا التركيب الاقتراني غير المحكم في ما بعد السير تيم الذي ابتكر بروتوكولات الشبكة العنكبوتية العالمية التي تعمل بناء على وجود خدمة إنترنت ملائمة.

الجمع بين القواعد التقنية المفتوحة والتحكم المرن أدى إلى حالة مستعرة من الابتكار والإبداع.

 

أكملت مجموعة من المؤسسات هذه البروتوكولات التي سمحت بتطوير  القواعد، إضافة إلى البرمجيات التي وضعت هذه القواعد موضع التنفيذ والحفاظ عليها من استيلاء مصالح خارجية. ومن بين الأمور الرئيسية مجموعة مهندسي شبكة الإنترنت التي لخص فلسفتها ديفيد كلارك، أحد مؤسسيها، بشكل مثالي بقوله: “إننا نرفض: الملوك، والرؤساء، والتصويت. إننا نؤمن بـ: توافق الآراء والقانون السائر”.

إن الجمع بين القواعد التقنية المفتوحة والتحكم المرن أدى إلى حالة مستعرة من الابتكار والإبداع. فمنذ البدء في منتصف التسعينات، تم إنشاء ملايين المواقع الإلكترونية وتأسيس آلاف الشركات الناشئة. وحتى بعد انهيار فقاعة الإنترنت في بدايات العقد الأول من القرن الجديد، استمر هذا النشاط غير المركزي بكامل قوته، على شكل مدونات على سبيل المثال. وقام المستخدمون بالفعل بما تمنى السير تيم أن يقوموا به: النشر على الإنترنت والارتباط ببعضهم بعضاً وإنشاء محاورة افتراضية عظيمة.

أما اليوم فتعتبر الإنترنت مختلفة تماماً. فما زالت الاتصالات الخاصة بنقل المعلومات موجودة، والبروتوكولات كذلك، ولكن التوسعات التي أنتجتها الإنترنت الآن تفوق الشبكة الأصلية وزناً بكثير: مليارات الهواتف الذكية والأجهزة الأخرى، ومصانع الحوسبة السحابية التي في حجم ملاعب كرة القدم، التي تحتوي على كميات لا يمكن تخيلها من البيانات. وتتمثل أفضل طريقة لوصف كل هذا في مجموعة ضخمة من مخازن البيانات التي تربط بينها أنابيب كبيرة، تتصل بأنواع الأجهزة كافة، التي تقوم بتوصيل الخدمات وجمع المزيد من المعلومات.

وقد أثارت مركزية الإنترنت والأهمية المتزايدة للبيانات لما سماه فرانك من جامعة ميريلاند ــ في بحث جديد منشور في المجلة الفصلية “أميركان أفيرز  Ameriacn Affairs” ” تقسيم جيفرسون/ هاميلتون” بين نقاد التقنيات الكبرى. تؤيد إحدى المجموعتين التقليد الخاص بتوماس جيفرسون أحد الآباء المؤسسين لأميركا، الذي فضل الحكومة الأصغر والتركيز الأقل في العمل. كما يريد مؤيدوها وضع حدود أمام عمالقة التكنولوجيا من خلال سياسات أكثر صرامة مضادة للاحتكار، بما يتضمن تصفية الشركات. وتتبع المجموعة الأخرى اعتقاد أليكسندر هاميلتون، أحد الآباء المؤسسين هو الآخر، والذي قام بدعم المؤسسات المركزية القوية، سواء في السياسة أو الاقتصاد. يؤكد مؤيدو هذه المجموعة أنه لكي يتم اقتناص مزايا الذكاء الاصطناعي وتوزيعها بشكل عادل، يجب التعامل مع عمالقة الإنترنت باعتبارها مؤسسات ذات منفعة عامة.

جيفرسون في مقابل هاميلتون

 

يساعد هذا التأطير أيضاً على فهم ردود الأفعال تجاه المركزية بشكل أعم. وتشعر مجموعة جيفرسون بالقلق من أن شبكة الإنترنت المركزية تحد من نطاق الابتكار. فعلى رغم أن عمالقة الإنترنت تعتبر ضمن المصادر التي تؤدي إلى الكثير من الابتكار، فإنهم يعيقونها في أماكن أخرى، ومن ثم تتم تجربة أفكار جديدة بنسب أقل. يتحدث أصحاب رأس المال المغامر الآن عن “المناطق القاتلة”، وهي المناطق التي لن يستثمروا فيها لأن واحداً أو أكثر من اللاعبين الكبار قد يهدد بشكل هائل بقاء المشروعات الناشئة أو يشتريها بثمن بخس.

إن العواقب السياسية للمركزية المتزايدة في الإنترنت تعتبر أكثر إزعاجاً وإن كانت أقل وضوحاً. إن الحدائق المحاطة بالأسوار غالباً ما تحد من الحوار الحر، كما اتضح في محاولات “فيسبوك” الخرقاء أحياناً لضبط شبكته الاجتماعية. فالاضطرار إلى القرصنة على خوارزميات عدد قليل من المنصات فحسب، يجعل من السهل على المخادعين الروس ونظرائهم الغربيين أن يتدخلوا في الانتخابات بنشر معلومات مضللة. كما أن تركيز كميات ضخمة من البيانات الشخصية في مكان واحد يجعل التسريبات الخطيرة أكثر احتمالاً. ومن الأمثلة على ذلك، الفضيحة الأخيرة لشركة “كامبريدج أناليتيكا” Cambridge Analytica، وهي شركة استشارات سياسية حصلت على بيانات حول 87 مليون مستخدم لموقع “فيسبوك” بطرق سرية (ونتيجة لذلك توقفت عن العمل). كما أن المنصات المهيمنة في متناول أيدي أشخاص غير معروفين، كما اتضح عام 2013 مما كشف عنه إدوارد سنودين الموظف السابق بالاستخبارات المركزية الأميركية، والذي قام بتسريب كميات هائلة من المعلومات السرية. واضطرت الخدمات الاستخباراتية إلى الوصول إلى موقعين للحوسبة السحابية كي يحصلوا على ما يريدون. كما يمتلك عمالقة الإنترنت كمية كبيرة من المال للتأثير في السياسات خارج نطاق الإنترنت.

ومع ذلك، يوجد بين مجموعة جيفرسون من يشعر باقتراب بداية جديدة. فإن الضجيج الجاري في المؤتمرات التكنولوجية اليوم يُذكِّر بما حدث عام 1995، بعد ظهور الشبكة العنكبوتية العالمية مباشرةً، عندما ظهرت برمجية جديدة اسمها “المتصفح” واستحوذت على التيار الرئيسي على الشبكة إضافة إلى الإنترنت. وبالنظر إلى الأحداث الجارية في الوقت الحالي، تدفع المشروعات الناشئة بخطط طموحة، تعتمد غالباً على تقنية سلسلة الكتل Block Chain ، سجلات موزعة غير قابلة للتغيير من النوع الذي يتضمن عملة “البتكوين” Bitcoin وغيرها من العملات الرقمية المشفرة، وتتعهد بـ”إعادة اللامركزية” لعالم الإنترنت.

من جهة ثانية، تؤكد مجموعة هاميلتون أنه من دون الخدمات المجانية والواجهات سهلة الاستخدام التي توفرها الشركات مثل “غوغل” و”فيسبوك”، سوف يستخدم الإنترنت عدد أقل بكثير من الناس. ومن دون الحوسبة السحابية، التي تسمح للشركات بالتعامل مع كميات ضخمة من البيانات، سيختفي الذكاء الاصطناعي. كما أن وجود القليل من الشركات القوية في هيكل السيطرة يساعد أيضاً على كبح شياطين اللامركزية، مثل الجرائم السيبرانية وخطاب الكراهية. اكتسب هذا النوع من التفكير، الذي استغله عمالقة الإنترنت لوقت طويل في الوقوف أمام التنظيم، بعض الشعبية لدى اليسار في الغرب. ولكنه يزدهر بأكبر درجة في الصين، حيث تريد الحكومة من عمالقة التكنولوجيا مساعدتها في سعيها كي تتحول الدولة إلى قوة تكنولوجية عُظمى.

وتقع بين الجانبين مجموعة متنامية من الأكاديميين الذين يحاولون ابتكار طرائق جديدة لتقييد التقنية الكبيرة من خلال التشريع. وتميل بعض مقترحاتهم إلى جيفرسون مثل إجبار الشركات على حل الاندماجات الحديثة. وتميل مقترحات أخرى إلى هاميلتون، وتتضمن جعل الشركات تتشارك ببعض البيانات التي لديها، لذا ولكي تعود اللامركزية إلى الإنترنت، فإننا في حاجة إلى أفكار من المعسكرات الثلاثة. لا يوجد حل وسط.

هذا المقال مترجم عن موقع the economist ولقراءة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي

 

إقرأ أيضاً