fbpx

هنا القصة الثالثة

محمد خلف - صحافي عراقي

مقالات الكاتب
مشاهدة المقالات

كيف لجأ بوتين إلى المؤامرات والجاسوسية في حربه الباردة ضد الناتو؟

افتضاح محاولة روسيا اغتيال رئيس حكومة مونتينيغرو، ميلو دجوكانوفيتش الذي انتخب لاحقاً رئيساً للبلاد، وإرسالها 50 من عملاء وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية لتنفيذ مخطط الإطاحة بحكومته بغية منع انضمامها للحلف الاطلسي، يكشف عن كيفية تعاطي الكرملين مع محاولة استقلالية تقوم بها حكومات دول أوروبا الشرقية والبلقان، الحليفة السابقة للاتحاد السوفياتي لربط تطورها السياسي والعسكري والاقتصادي بالغرب .

يكشف تقرير جديد أعده “المعهد الأميركي لدراسات السياسة الخارجية” صحة استنتاجات كان توصل إليها عدد من خبراء الاستراتيجيا الغربيين من “أن روسيا تعمل ضد توسع الناتو بعمليات هدامة”، وأنها” تستخدم بلا هوادة الإمكانات التي لديها ليس فقط لتهديد البنية التحتية للدول الأوروبية، وإنما أيضاً لإخافة حلفاء روسيا السابقين”.

عام 2016 شرعت المخابرات العسكرية الروسية في تنفيذ خطة سرية أعدتها لاغتيال دجوكانوفيتش، بعد ان فشلت جهودها السياسية والديبلوماسية وتهديداتها المباشرة وغير المباشرة في إقناع رئيس الحكومة البلقانية بالتراجع عن قراره بالانضمام إلى الحلف الأطلسي. ويورد التقرير الذي نشرت تفاصيله مجلة (نيوزويك) معلومات جديدة عن هذا الانقلاب الفاشل الذي كان من المفترض حدوثه عشية الانتخابات العامة التي أجريت في 16 تشرين الأول/ أكتوبر عام 2016.

لا تكفّ موسكو عن التعبير عن قلقها من تمدد الناتو نحو حدودها المباشرة، وفي تصريح له حذر رئيس مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي بتروشيف عقب توقيع البروتوكولات التمهيدية بين حلف الناتو وجمهورية الجبل الأسود للحصول على عضويته لتصبح الدولة الـ29 بين أعضائه، “من أن روسيا ستجد كيف ترد على نشر منظومات الدرع الصاروخية في اوروبا الوسطى”. ورأى محللون أن “القرار بضم مونتينيغرو بعث برسالة إلى موسكو بأنها لا تملك الاعتراض على توجه الحلف بالتوسع شرقاً، حتى وان كانت عضوية جورجيا قد تعقدت بسبب حربها مع روسيا في 2008”.

السيطرة على حكومة دولة

لم يكن أحد من السياسيين الغربيين حتى قيام صحيفة (تليغراف) البريطانية بالكشف عن محاولة الانقلاب، يتصور أن روسيا قد تلجأ إلى اغتيال زعيم دولة وصل إلى الحكم بانتخابات ديموقراطية نزيهة، لمنع التحاقها بالحلف الاطلسي بكل ما يمثله هذا الفعل من جريمة سياسية وجنائية كبرى. وكانت (تليغراف) ذكرت نقلاً عن مسؤولين بريطانيين “أن روسيا دبرت مؤامرة لقتل رئيس حكومة الجبل الأسود بأسلوب يمكن أن ينحى فيه باللوم على القوميين الروس في حال اكتشافها”، وقالت إنها “مؤامرة لتعطيل الحكومة أو السيطرة عليها بأسلوب ما”، وأضافت: “لا يمكنكم تخيل عدم وجود موافقة من نوع ما”.

خلص تحقيق كان أجراه مدع خاص في مونتينغرو إلى أن “مجموعة من القوميين الروس خططوا لاغتيال دجوكانوفيتش لمساعدة حزب معارض حليف لروسيا ليصل إلى السلطة”. وقال مصدر أطلسي إن “روسيا تطبق سياستها الخارجية بأساليب عدوانية على نحو متزايد، من بينها الهجمات الالكترونية والتجسس، ما يشكل تهديداً متزايداً على أوروبا”.

افتضاح محاولة روسيا اغتيال رئيس حكومة مونتينيغرو، ميلو دجوكانوفيتش الذي انتخب لاحقاً رئيساً للبلاد، وإرسالها 50 من عملاء وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية لتنفيذ مخطط الإطاحة بحكومته بغية منع انضمامها للحلف الاطلسي، يكشف عن كيفية تعاطي الكرملين مع محاولة استقلالية تقوم بها حكومات دول أوروبا الشرقية والبلقان

يتضح من المعلومات التي توصلت اليها التحريات والتحقيقات، تورط عملاء روس وقوميون متشددون صرب، إضافة إلى شخصيات من أحزاب المعارضة في البلاد في المؤامرة، وأن 50 عميلاً من المخابرات الروسية دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية من صربيا في الليلة قبل الانتخابات لتقديم الدعم اللوجستي للمجموعة الانقلابية والفرقة المكلفة باغتيال رئيس الحكومة. وتستند الخطة إلى استفزاز وإشعال مصادمات وأعمال عنف متبادل بين مؤيدي الحزب الحاكم وأنصار المعارضة، طيلة يوم الاقتراع على أمل اتساع حجم المواجهات وتمددها إلى مدن البلاد الاخرى وتحولها إلى تمرد وعصيان عام يؤدي إلى سقوط الحكومة وإعلان حال الطوارئ العامة، ما يتيح إمكان قيام معارضي الانضمام إلى الناتو من نواب المعارضة وسياسييها المؤيدين لروسيا بحل البرلمان والسيطرة على الحكم بعد اغتيال دجوكانوفيتش.

عملية مونتينيغرو الروسية تبدو وكأنها واحدة من قصص الجاسوسية الدولية التي صورتها أفلام الحرب الباردة، وأحدها محاولة اغتيال الضابط الأميركي جون بيرش على يد مسلحين داعمين للحزب الشيوعي الصيني بعد عشرة أيام من انتهاء الحرب العالمية الثانية.

تتهم السلطات في الجبل الاسود برتسلاف ديكيتش، القائد الميداني للميليشيات الصربية التي عرفت باسم الجندرمة في الفترة 2009- 2013 بتزعم فرقة الاغتيال. ولمع اسم ديكيتش خلال فترة الحرب في كوسوفو، ومن بعدها الحرب ضد الانفصاليين الإثنيين الألبان في وادي بريشو الصربي. كما اشتهر بخطبه النارية ضد تدخل الناتو وشنه حرباً عدوانية على صربيا دفاعاً عن الألبان في كوسوفو. ووفقاً للخطة فإن ديكيتش يترأس مجموعة من عشرين عميلاً متنكرين بصفة رجال شرطة محليين مهمتهم الاستيلاء على مبنى البرلمان، وإطلاق النار على الاحتجاجات التي ستنشب في ليلة الانتخابات. ووجه قاضي التحقيق الاتهام أيضاً لعميلين روسيين هما شيشماكوف وبوبوف بدفع مبلغ قدره 200 ألف دولار لديكيتش، لتمويل عملية شراء أسلحة وهواتف مشفرة.

وتنقل (نيوزويك) معطيات وبيانات وردت في دراسة استقصائية أجراها المحلل السياسي البلغاري ديميتار بتشيف تشير إلى أن دجوكانوفيتش كان صديقاً مقرباً لعمدة صوفيا الأسبق يوري لوتشكوف الذي ساعده على جذب استثمارات روسية إلى البلاد. وفي عهده حصلت عملية خصخصة أكبر مصنع للألمنيوم وبيعه إلى رجل الأعمال المقرب من الكرملين اوليغ ديريباسكا الذي بدوره تعاقد مع مدير حملة الرئيس ترامب بول مانافورت لمساعد دجوكانوفيتش في تفعيل دوره السياسي والوصول إلى منصب رئاسة الحكومة. إلا أن علاقات دجوكانوفيتش مع الاوليغارشيين الروس ساءت وتدهورت بعد تغيير خياراته السياسية وتفضيله علاقات بلاده بالغرب على روسيا.

الأوليغارشية الروسية وخطط بوتين

على مدى نحو عشر سنوات بعد انفصال الجبل الأسود عن صربيا عام 2006، ظلت موسكو تعمل على توثيق علاقاتها مع الجمهورية اليوغوسلافية  السابقة وانهالت على البلاد الأموال من المستثمرين والسياح الروس. وكانت العلاقات بين الدولتين أشبه بقصة حب لا تقوم على الحسابات التجارية وحدها، وإنما أيضاً على علاقات تاريخية ودينية ولغوية تجمع بين الشعبين .

تحولت علاقة الغرام بين بين موسكو وبودغوريتسه إلى كراهية متبادلة بعد انكشاف المؤامرة الانقلابية الروسية، وكانت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا حذرت من “زيادة في الهستيريا المعادية لروسيا في الجبل الأسود”.

عملت روسيا في السنوات الماضية من أجل إبرام اتفاقية مع الجبل الأسود لاستخدام موانئها لأغراض تقديم الدعم اللوجيستي لسفنها وقواربها الحربية في البحر الأسود، ولهذا الغرض كانت طلبت عام 2013 من وزارة الدفاع في مونتينيغرو استقبال وفد عسكري روسي للبحث في إمكانات التعاون المشترك والسماح برسو السفن الحربية في ميناءي كوتور وبار للتزود بالمؤن والوقود ومنحها وضعاً متميزاً يتيح لها الإبحار في مياهها الإقليمية، وهو ما رفضه دجوكانوفيتش بقوة .

ما قصم ظهر الانقلاب هو اعترافات أدلى بها قبل أربعة أيام من إجراء الانتخابات ضابط الشرطة السابق ميركو فيليميروفيتش عن دوره في مخطط الاغتيال والإطاحة بالحكومة، وقيامه بتزويد المنخرطين بالعملية بالأسلحة، كذلك عثور السلطات الأمنية على أجهزة هواتف مشفرة في مساكن اثنين من قياديي حزب المعارضة (الجبهة الديموقراطية) هما: اندريا مانديتش وميلان كنيجيفيتش المتهمان بالتورط في محاولة الانقلاب والاغتيال الفاشلتين.

وتشمل لائحة المتهمين أيضاً: الكسندر سنيجيليتش، زعيم الفرع الصربي لنادي سائقي الدراجات النارية الروس (ذئاب الليل- نايت وولفز) المؤيد بقوة للرئيس بوتين، وأحد المتطوعين للقتال إلى جانب الانفصاليين المدعومين من الكرملين في شرق أوكرانيا. والروسيان فلاديمير بوبوف وادوارد شيروكوف- شيشماكوف الذي شغل منصب ممثل التشكيلات العسكرية الروسية المكلف بأدارة العملية الانقلابية وتأمين التمويل المالي. وكان شيشماكوف عمل خلال عام 2014 نائباً للملحق العسكري في السفارة الروسية في بولندا، التي طردته من البلاد بعد أن اتهمته بالتجسس.

في بلاغ وزعته وكالة (تاس) الروسية الرسمية نفى الكرملين ما ورد في اعترافات كانيتش، وقال المتحدث الرئاسي ديميتري بيسكوف: “نرفض رفضاً قاطعاً احتمال مشاركة رسمية في أي محاولة لتنظيم أي أعمال غير قانونية”. ووصف وزير الخارجية لافروف الاتهامات بأن “لا أساس لها من الصحة”. وقال “إن هذه الاتهامات وغيرها لا أساس لها بحقنا وبحق بلدنا، بما في ذلك هجمات القرصنة ضد الغرب بأكمله، والتدخل في الحملات الانتخابية لمعظم الدول الغربية، وعلاقة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع أجهزة الأمن الروسية، وغيرها من الوقائع الملفقة”.

إقرأ أيضاً