fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

كيف غير الأطفال الطريقة التي نرى بها الحياة

عندما اصطحبت أطفالي إلى متحف، ضياء بيكون، دخلنا المعرض الذي وُضع فيه مجثم “العنكبوت”، للفنانة لويز بورجوا، حيث أفلت مني ولدي الصغير. اندفع نحو الغرفة التي بدت صغيرة مقارنة بهذا الصرح الفني الكبير، وكانت ممتلئة تقريباً بالكائن العنكبوتي البرونزي. انحنى ابني أسفل أحد أرجل العنكبوت، وزاغ بين المسافات التي تفصل بين الحائط الحجري والنموذج العنكبوتي الذي يتكون من ثمانية أرجل، ثم نظر إلى أعلى نحو النموذج لحوالي سبع دقائق.
أغلب البالغين الذين أراهم في المتاحف في الوقت الحالي، لا يستطيعون البقاء لسبع ثوانٍ بدون تفحص هواتفهم المحمولة. لكن كل طفل أو طفلة يكون غريبًا بطريقته، وهذه هي تحديداً نقطة الغرابة التي تظهر على صغيري، إنه طفل ذوّاق للفن.
في الحقيقة، نحن نستخدم أطفالنا كي نشبع غرورنا الخاص. إذ نشغل لهم الأغاني نهدهد الرضّع حتى ينامون، وننشر صورةً لأولى قضماتهم للحلوى على موقع إنستغرام، ونجعلهم يرتدون ملابس تنكرية، نضع قبعات على رؤوس أطفالنا ونجعلهم يصيحون، “اختاروا الحياة”.
إنه أداء مثلما هو تلقين.
فإضافةً إلى التعليمات المتعلقة بغسل الأسنان وربط الأحذية، يرغب الوالدين في أن ينقلوا شغفهم، وسياساتهم وذوقهم إلى أبنائهم. وهذه العملية مدمرة جدًا لدرجة أنه يستحيل معها التمييز، عندما يصير المرء بالغاً، بين ما نحب ونرى ونعتقد وبين الطريقة التي تربينا من خلالها، على ما ينبغي أن نحبه ونعتقد به وكيف ينبغي أن نفكر في الأشياء ونراها.  
وبدلاً من تشجيع فريقٍ بعينه، أو ممارسة صيد الأسماك، أو مراقبة الطيور، أريد أن أنقل إلى أبنائي محبة الكتب والموسيقى والفنون. إنني أقبل أن جانباً من هذا يعزى إلى إشباع غروري، لكن جانباً آخر يعود إلى معرفتي بأنها إحدى الطرق القليلة، لأن يعيش المرء حياة غنية. وهذا هو كل ما نريده من أجل أولادنا. فأنا أقرأ لولديّ منذ سن صغيرة، وأعزف لهم الموسيقى التي أرغب في أن يرتبطوا بها في شبابهم، وقد حملتهم وتجولت معهم بين المتاحف طوال حياتهم.
كان ذلك هو الوضع عندما كانوا رضعاً، إلا أن مشاهدة الفنون مع الأطفال، يعني قضاء٣٠ دقيقة في المعارض، وإنفاق ٢٠ دولاراً في المقاهي. وكي أحافظ على اندماج أبنائي في هذه الزيارات،  ابتكرت لعبة ألغاز، مثل ابحثوا عن شيء أزرق اللون، أو ابحثوا عن صورة قطار، أو ابحثوا عن امرأة شعرها أحمر اللون، أو افاجئهم بدفتر ملاحظات أوراقه بيضاء، وأقلام رصاص.
من المؤكد أن أطفالكم قد يرفضون ما تعرضونه عليهم. عندما تزوجت من زوجي الحالي، كنا نمزح قائلين، إن طفلنا البدين كُتب له أن يكبر ليصبح مثل أليكس كيتون، وهو أحد شخصيات المسلسل الأميركي روابط عائلية، لكن هذا سياق غير مرجح على الإطلاق،  وهو ما يجعله مضحكاً، لطفل جاء من زوجين مثليين في مدينة بروكلين ذات التطور السريع. لم يصبح “بيج”، وهو الابن الأكبر البالغ من العمر ثمانية أعوام، كبيراً بما يكفي ليستوعب كتب آين راند (لنعطيه عاماً). ولكن عندما أصطحبه إلى متحف ويتني للفن الأمريكي، فإن أكثر ما يثير اهتمامه منظر الشاحنات الموجودة على الطريق الغربي السريع .
يسليني هذا الفتى الطيب بيج. يُشتت ذهنه بالدقائق المعدودة التي يقضيها بالنظر والحديث والرسم. على الرغم من أن ابني أصغر، ويُفترض أن تكون الفترة التي يقضيها منتبهًا أقصر من أخيه، فإنه ينشغل بالنظر إلى الفنون، بل ولديه شغف في المناقشة. ويبدو أن كثيراً من نماذج الفن تحرك شيئاً داخله بطريقة ما. منذ أعوام قليلة، كان ينصت إلى معزوفة “بحيرة البجع”، فبدأ بالرقص حول مكتبي وهو يقلد رقصات الباليه، على الرغم من أنه كان صغيراً جداً، لدرجة أني لا أتذكر أين رآها.
في الشتاء الماضي، اصطحبت أبنائي لمشاهدة معرض الفنان كيري جيمس مارشال في متحف ميت بريور. أراد بيج معرفة مكان مفاتيح أضواء المتحف. فيما وقف ليتل صامتاً أمام لوحات جيمس الكبيرة، ثم أشار إليها وقال إنه هناك الكثير من الطيور الزرقاء التي رُسمت في اللوحة. ثم قالي لي “احصهم!” لم ألحظ حتى أن هذه الطيور موجودة في اللوحة.
لا شك أن الأبوة أثرت في معظم  جوانب حياتي. أحيانًا يكون هذا التأثير عميقاً، وأحيانا أخرى يكون مجرد مسألة تتعلق بالتخطيط، مثل انخفاض معدل تناول الوجبات في المطاعم. وعلى الرغم من أنني كنت أقضي ساعات في متحف واحد، فإنني الآن لا أقضى سوى دقائق. غير أن ذلك في ذاته تغيير عميق، وهو نمط من الكفاءة الأبوية، مثل طي الملابس وترتيبها، بينما أقرأ في الوقت ذاته حكايات ما قبل النوم، التي صارت طريقة أخرى للمشاهدة.
إن الضرورة الملحة لقضاء وقت أقل مندمجاً مع الفنون، يعني أنني أحكم بسرعة على أي قطعة في المعرض سأولي لها مزيداً من الاهتمام. وإنني أقبل عدم قدرتي على النظر إلى كل لوحة في أي معرض بنفس درجة قبولي، لأنني لا أستطيع أن أرتب السرير في كل صباح. لقد كان مفيداً لي تعلّم أن الاندماج مع الفن لا يعني ضرورة الاندماج مع كل قطعة منه، وأن عيناي تُرهقان أيضاً مثلما يُرهق أطفالي.
يكتب بيرغر في مستهل كتابه “إن الطفل ينظر ويتعرف على الأشياء قبل أن يكون قادراً على الكلام”. ولا شك أنها حقيقة، إلا أن الأطفال يتواصلون حتى قبل أن يستطيعوا التحدث.
وفي النهاية، أصبح الأطفال قادرين على التحدث. إذ إن مخاطبة الأطفال لتوضيح الشيء الذي ننظر إليه، يساعد في تصفية الذهن، بنفس القدر الذي تساعد فيه قراءة الكلمات التي نكتبها بصوت عالٍ على زيادة تنميق الكلام. ينبغي عليّ أن أنقل بوضوح، وبطريقة يمكن لأي طفل استيعابها، ما أراه وما أشعر به حول أي قطعة فنية.
إنني أخبر نفسي، أن اصطحاب الأطفال لمشاهدة الفن، يشبه إطعامهم السلق السويسري والأرز البني، وهي طريقة لتربيتهم ليكونوا بأعين مثقفة وذائقة فنية جيدة. سيستغرق الأمر سنوات عديدة لمعرفة ما إذا ثبتت صحة هذا أم لا. إنه سؤال معقد يتعلق بالطبيعة والتنشئة، وما يزيد من تعقيده إدراك أن أبنائي لا يرتبطون بأبويهم جينياً.
بعد تجربته مع عنكبوت بورجوا، اشتريت كتاب “تهويدة القماش” للكاتبة إيمي نوفيسكي، وهو كتاب ملون وجميل يتحدث عن حياة بورجوا، حتى أقرأه للصغير. يحتوي الكتاب على بعض الرؤى المتعلقة بذلك الرمز في حياة الفنان، بالإضافة إلى صورة رائعة لبورجوا، وهي تبدو كالأقزام بجوار أحد عناكبها.
اصطحبت ليتل في الشهر الماضي إلى متحف الفن الحديث، لأرى معرض ” لويز بورجوا: لوحة تتكشف”، وهو معرض أغلبه مُكرس لمطبوعاتها وكتبها. قضينا حوالي عشرين دقيقة في صالة العرض العلوية، حيث وُضعت أغلب محتويات العرض. اعتقدت أن “التهويدة” هي التي ربما تلفت انتباهه، وهي سلسلة من المطبوعات الصور الظلية التي يمكن التعرف عليه وتتلون ظلالها بالأحمر والأصفر الشاحب. لكني نسيت أن أطفالي ليسوا بهذا القدر من الاهتمام بتجارب الحبر المنتشرة على اللوحات لتشكل مطبوعة تبدو آية في التجرد.
يشعر ليتل غالباً بالإحباط من لوحاته بسبب عدم قدرته على رسم أي شيء يمكن التعرف على ماهيته. من بين أنماط الفنون التي شاهدناه، يبدو أن كلا الطفلين أكثر اندماجاً مع النمط التمثيلي للفن.
أسرع أمام كثير من أعمال بورجوا. وأحس بتسلية قليلة من عمل “المنزل”، وهو عبارة عن تمثال منحوت لمنزل له عينين، لكنه عبر عن رغبة مفهومة للمس التمثال. إذا  سبق لأحدكم مشاهدة أفلام الكارتون على التلفاز، ستعرفون أن الأطفال لا يدركون قيمة حدة الذهن، ولعل السبب في هذا أنهم لا يشاهدونه كثيراً. أشار ليتل إلى أن عديداً من المطبوعات وتمثالاً مجاوراً لها – وجميعها تسمى “لا تتخلى عني”، كانوا تقريباً متجانسين، مثلما أراد منظم المعرض، ثم نظر مطولاً إلى إحدى المطبوعات وعثر على تفصيلة ربما لم يلحظها رعاة التصوير: إنه ثعبانٌ صغير.
لقد أراد في الغالب أن يرى “العنكبوت” أسفل الدرج، وهو تمثال آخر كبير كان جاثماً فوق قفص بسياج. جلس على الأرض وأخرج دفتره وبعض الألوان الخشبية وبدأ في رسم ما يرى أو الخربشة فوق الورق كي يمر الوقت.
تساءلت إذا كان استوعب أن القفص أسفل العنكبوت يشكل شبكة العنكبوت. تذكرت زيارتنا لمعرض ألكسندر كالدر في ويتني، حينما رأى ليتل نفس ما رآه النحات: سمكة، وأخطبوط، وعنكبوت. لكني لم أسأله، ما إذا كان قد رأى ما أرادت  لويز بورجوا عرضه، لأن ما نحصل عليه من الفنون هو شيء خاص وشخصي. وأنا أرغب فقط أن يستوعب أن الفن سؤالٌ يُطلب منا الإجابة عليه، وليس ثمة إجابة صحيحة، وأن أي شخص يمكنه الإجابة بما يريد.
هذا الموضوع مترجم عن مجلة The New Yorker الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.

إقرأ أيضاً