fbpx

هنا القصة الثالثة

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

كيف ستنعكس العقوبات الأميركية على الاقتصاد الإيراني؟

“لن يكون بإمكان قطاع الخدمات في إيران أن يتعامل بالدولار الأميركي لا بيعاً ولا شراءً”

بعد مضي 90 يوماً على خروج الولايات المتّحدة الأميركية من الاتّفاق النووي، دخلت المرحلة الأولى من العقوبات الاقتصادية التي أعادت فرضها الولايات المتحدة على إيران حيّز التنفيذ.

وتستهدف المرحلة الأولى من العقوبات جملةً من القطاعات الاقتصادية والتجارية والتعاملات المالية والواردات والصادرات، أمّا المرحلة الثانية، فموعدها في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل وتستهدف قطاعي النفط والغاز إضافة إلى تدابير خاصة بالبنك المركزي الإيراني.

في ما يلي أبرز القطاعات الاقتصادية التي طالتها الرزمة الأولى من العقوبات، وقراءة مبدئية  لانعكاساتها على الاقتصاد الوطني الإيراني:  

الدولار الأميركي: ابتداءً من يوم الثلاثاء 7 آب/أغسطس، ستمنع الحكومة الأميركية إيران من الوصول إلى الدولار الأميركي. نتيجة لذلك، لن يكون بإمكان قطاع الخدمات في إيران أن يتعامل بالدولار الأميركي لا بيعاً ولا شراءً.

كل الحسابات البنكية الإيرانية بالدولار الأميركي في الخارج، إذا لم يتم تحويلها إلى عملة أخرى، سيستحيل الوصول إليها، وستؤدّي العقوبات المفروضة عليها إلى انخفاض في احتياطي الدولار في إيران، ومع ارتفاع الطلب وانخفاض العرض، سيشهد الدولار الأميركي في سوق العملة الإيرانية مزيداً من الارتفاع في الأشهر المقبلة.

“نتيجة للعقوبات على التومان، ستتدنّى قيمة العملة الوطنية الإيرانية ومصداقيّتها، خارج البلاد كما داخلها، وهذا بدوره يعني تدنّياً في مستوى رأس المال الوطني والاتجاه نحو المزيد من الانهيار الاقتصادي والفقر” 

مع بدء التهديدات الأميركية بنقض الاتّفاق من طرف واحد، مطلع هذا العام، قامت الحكومة الإيرانية بتخفيض المعروض من الدولار الأميركي في الأسواق المالية المحلية، بهدف الحفاظ على العملة في الأيام الصعبة للعقوبات، وتسبّبت هذه الخطّة بوصول سعر صرف الدولار إلى أعلى مستوياته مقابل انخفاض حادّ في سعر العملة الوطنية، وتجاوز سعر شراء الدولار هذا الأسبوع مستوى 11 ألف تومان. 

التومان الإيراني: بالإضافة إلى العقوبات المفروضة على التعامل بالدولار الأميركي، حظّرت الولايات المتّحدة أيضا التعامل بالعملة الوطنية الإيرانية (تومان).

قبل الصفقة النووية، كانت إيران قد أجرت بعض العمليات التجارية مع دول الجوار بالعملة الوطنية لكل من الطرفين، وقد ساعدت هذه الخطة إيران بالالتفاف على العقوبات. على سبيل المثال، اعتمد عدد من التبادلات التجارية بين إيران وروسيا على الروبل والتومان. لكن العقوبات الجديدة المفروضة تشمل الحسابات البنكية التي تتعامل بالتومان الإيراني، وترصد حركتها، وبالتالي سيخضع المتعاملون بها لغرامات وعقوبات قاسية.

نتيجة للعقوبات على التومان، ستتدنّى قيمة العملة الوطنية الإيرانية ومصداقيّتها، خارج البلاد كما داخلها، وهذا بدوره يعني تدنّياً في مستوى رأس المال الوطني والاتجاه نحو المزيد من الانهيار الاقتصادي والفقر. 

إقرأ أيضاًأزمة “التومان” تطيح بنصف ثروة المودعين العراقيين في مصارف إيران

العقوبات على سندات الضمان أو الأوراق المالية: في الاقتصاد، كل سند ضمان أو ورقة مالية هو بمثابة قيمة مالية أو مستند قانوني يثبت ملكيّة معيّنة أو حصّة تجارية. في الرزمة الأولى من العقوبات، حظّرت الولايات المتحدة بيع وشراء الأوراق المالية وسندات الضمان وتبادل العملات الأجنبية وإصدار سندات للحكومة الإيرانية.

تدفع الحكومة الإيرانية عادة جزءاً من عائدات تصدير النفط والمنتجات البتروكيماوية إلى المؤسسات المالية الأوروبية والآسيوية والبنوك، وهي تستثمر في شراء السندات لزيادة إيراداتها. هذا الجزء من العقوبات يحرم الحكومة الإيرانية من مثل هذه الاستثمارات، مما سيؤدّي إلى خفض الإيرادات. علما أن أحد الآثار الأولى لانخفاض الإيرادات الحكومية في إيران، كما يشير اقتصاديّون محليّون، هو وقف الإنفاق على التنمية ومشاريع البنى التحتية.

في هذه الحال، يتم الاستعانة بمصادر وشركات استشارية خارجية ومقاولين يتعاملون مع القطاع العام، الأمر الذي سيؤدّي بدوره إلى المزيد من الركود الاقتصادي وارتفاع معدّلات البطالة.

العقوبات المفروضة على الذهب والمعادن الثمينة: بموجب العقوبات، حظّرت الولايات المتّحدة أيضاً شراء وبيع الذهب والمعادن النفيسة، حتى النقل والتأمين على شحنات الذهب والمعادن النفيسة الأخرى التي تملكها إيران سيخضع أيضاً للعقوبات.

الذهب والمعادن النفيسة جزء مهم من رأسمال الحكومة الإيرانية، شأنها شأن كل دول العالم، كما أن جزءاً من الرأسمال هذا مودع في البنوك الدولية. خلال المراحل السابقة من العقوبات الدولية، وفي محاولة ذكية للالتفاف على العقوبات وحماية رأسمالها، أودعت إيران قسماً كبيراً من سبائك الذهب الوطنية في البنوك الدولية، لكن الولايات المتحدة كانت لها بالمرصاد، حيث قطعت عليها الطريق وعرقلت هذه الخطّة. على سبيل المثال، هناك ما يعادل 13 طناً من الذهب، كانت قد أودعتها إيران في بنوك دولة جنوب أفريقيا، لكنها حتى بعد الاتفاق النووي لم تعد إلى البنوك المحلية، وقد تم ضبط محاولات إعادة المحمولات أكثر من مرّة.

في الأيام المقبلة، سيتسبّب تقييد عودة المعادن الثمينة وسبائك الذهب إلى البنوك المحلية، إلى انخفاض في قيمة الاحتياطات وارتفاع أسعار الذهب والمعادن.

إقرأ أيضاً:  59 مليار دولار تم سحبها وإيران تتهم السعودية بهزّ العملة الايرانية

سيّدة إيرانيّة في طهران يوم إعلان ترامب عن جملة عقوبات جديدة على إيران

في الأشهر الأخيرة، ضخ البنك المركزي الإيراني جزءاً من احتياطياته في السوق للحفاظ على توازن العملة وسوق الذهب، حتى أنه تم التداول باحتياطي الذهب في بعض الأحيان مكان العملة النقدية، ومع ذلك، ظلّت سبيكة الذهب في حال ارتفاع مطرد. ومن المتوقّع أنه مع فرض الحظر على تبادل الذهب والمعادن النفيسة، فإن قدرة البنك المركزي الإيراني على حفظ التوازن في السوق المالية ستكون محدودة أكثر من ذي قبل.

“تشكّل الولايات المتّحدة سوقاً مثالياً للسجّاد اليدوي الإيراني، أما إغلاقه فيُعد ضربة قاسية لهذا القطاع”

العقوبات على قطاع السيارات: قطاع صناعة السيارات، ثاني أكبر قطاع صناعي في إيران بعد النفط والغاز. بعبارة أخرى، صناعة السيارات أكبر اقتصاد غير ريعي في البلاد. وقد شملت العقوبات الأميركية الجديدة هذا القطاع أيضاً.

تستهدف العقوبات الجديدة، شركات تصنيع (تجميع) السيارات الوطنية والدولية العاملة في إيران، وشركات تصنيع قطع الغيار. تشير الإحصاءات الرسميّة إلى أن سوق العمل الإيراني يشغل 24 مليون مواطن، نصف مليون منهم يعمل في قطاع السيارات، ممّا يعني أن هذا العدد سيواجه في الأشهر المقبلة أزمة بطالة، تضاف إلى الأزمة المستشرية أصلا في البلاد.

في الجولة السابقة من العقوبات الأميركية على إيران، انخفض إنتاج السيارات في إيران إلى النصف. ومع العقوبات الجديدة سينخفض تصنيع السيارات إلى مستوى أكثر من النصف، ممّا يعني أيضاً انخفاض في الصادرات وتدنّ دخل شركات السيارات المحلية، وبالتالي سيؤدّي انخفاض الإنتاج وزيادة سعر قطع الغيار، إلى ارتفاع أسعار السيارات للمبيعات المحلية، إلى جانب عرقلة دخول التقنيات الجديدة إلى سوق السيارات، وسيحتاج المواطنون الإيرانيون إلى دفع المزيد من المال مقابل سيارات أقل جودة.

العقوبات على طائرات الركّاب: سيتم أيضاً فرض عقوبات على بيع الطائرات المدنية وقطع الغيار والخدمات التقنية. كانت إيران بعد الاتفاق النووي قد أعلنت إجراء صفقة شراء أكثر من 180 طائرة بوينغ وإيرباص وأي تي آر، وكان من المفترض أن تستكمل إجراء صفقة الطائرات هذه، حتى بعد عودة العقوبات، لكن وزارة الخزانة الأميركية أعلنت أنها لن تسمح بذلك، ولن يكون هناك فترة تمديد.

استفادت إيران من الأجواء الإيجابية التي فرضتها مرحلة البدء بالمفاوضات حول ملفها النووي، وتمكّنت قبل توقيع اتفاق جنيف من تحسين أسطولها الجوي المتهالك، وشراء قطع غيار والاستفادة من التقنيات الحديثة في قطاع الطيران الأوروبي، لكن مع استئناف العقوبات الأميركية يبدو أن الوضع سيعود إلى سابق عهده، وستكون إيران مجبرة مجدّداً على التحايل على الرقابة الأميركية وشراء احتياجاتها عبر وسطاء غير شرعيين الذين سيبتزّونها بدورهم، بذريعة المخاطرة، مما سيكلّف خزينتها المزيد من الأموال.  

فرض عقوبات على المنتجات الإيرانية: تحظّر العقوبات الأميركية الجديدة بيع السلع وتبادل الخدمات التجارية مع إيران، ويشمل الحظر شراء السجّاد الإيراني (العجمي) المصنّع يدوياً. أساساً وقبل عودة العقوبات الأميركية، تواجه السجّادة اليدوية الإيرانية مآزق كثيرة في العثور على زبائن في الأسواق العالمية، بسبب دخول منافسين أقوياء مثل الصين والهند، وبالتالي فإن ورش السجّاد اليدوي الإيراني، ستكون بعد العقوبات الجديدة أمام تحدّيات غير عادية للمحافظة على وجودها.

تشكّل الولايات المتّحدة سوقاً مثالياً للسجّاد اليدوي الإيراني، أما إغلاقه فيُعد ضربة قاسية لهذا القطاع. في السنة الماضية وبعد توقيع الاتفاق النووي مباشرة، استأنفت إيران صادراتها من السجّاد والفستق والزعفران، وصدّرت أكثر من 50 مليون دولار من سجّادها المصنع يدوياً إلى الولايات المتّحدة وحدها، وخلال هذه الفترة أيضاً أبرمت إيران والولايات المتّحدة أكبر صفقة تجارية بينهما. فقد باعت إيران للولايات المتّحدة 32 طناً من المياه الثقيلة (أسيد الديوتريوم) التي ينتجها مجمع “آراك” وبلغت قيمة العقد 8 مليون و600 ألف دولار أميركي.  

إقرأ أيضاً: ضغوطٌ من أذرع طهران لتحويل العراق رئة لتنفّس إيران في وجه العقوبات

إقرأ أيضاً