fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - New York Times

مقالات الكاتب

كيف راقبت إدارة أوباما زوال الديموقراطية العربية ومهّدت الطريق أمام احتضان ترامب الديكاتوريّات؟

يتباهى الرئيس دونالد ترامب بأنه عكس السياسات الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط كلّها. وبينما كان سلفه يأمل بكسب القلوب والعقول، يدافع ترامب عن البديهية القائلة إن القوة الوحشية هي الردّ الوحيد على التطرّف سواء في إيران أو سوريا أو اليمن أو الأراضي الفلسطينية. لقد تبنّى مؤجّجو الحروب في إسرائيل والخليج العربي مرشدين رئيسيّين وحلفاء له.

بدأ توطيد هذا النهج المتشدّد تحت حكم الرئيس باراك أوباما، عندما دعم أولئك الحلفاء الإقليميين في الإطاحة العسكرية بأوّل رئيس مصري منتخب محمد مرسي من جماعة الإخوان المسلمين عام 2013.

كان هذا الانقلاب لحظةً فاصلةً بالنسبة إلى المنطقة، حيث قضى على أحلام الديموقراطية، بينما شجّع الحكّام المستبدّين والجهاديين. وكما قال أندرو ميلر المشرف على انضمام مصر إلى مجلس الأمن تحت حكم أوباما وأحد العاملين بمشروع الديموقراطية في الشرق الأوسط، فقد مكّنت السياسة الأميركية المُنادِين من داخل الحكومة “بسحق هؤلاء الأشخاص”. وقد تصدّر بعض من أشدّ المدافعين الأميركيين عن الانقلاب صخباً المناصب العليا في إدارة ترامب، بما في ذلك وزير الدفاع جيمس ماتيس ومايكل فلين أوّل مستشار للأمن القومي في عهد ترامب.

كنت رئيس مكتب “نيويورك تايمز” القاهرة في وقت الانقلاب، وعُدت إلى الأحداث بعد ذلك بسنوات لفهم دور واشنطن بشكل أفضل. علمت بعرقلة دعم إدارة أوباما انتفاضات الربيع العربي منذ البداية، بسبب الخلافات الداخلية حول القضايا ذاتها التي تعرضها الآن سياسة ترامب، بشأن طبيعة التهديد من الإسلام السياسي والإخلاص للحلفاء الأوتوقراطيين، مثل الإمارات العربية المتّحدة والسعودية وصعوبة تحقيق التغيير الديموقراطي في مصر والمنطقة.

كان أوباما وأقرب مستشاريه في كثير من الأحيان في صفّ واحد أمام تلك المناقشات. كانوا يأملون بتحويل السياسة الأميركية الراسخة وإقامة علاقة جديدة مع العالم العربي من أجل تقويض نداءات التطرّف المعادي للغرب. كان أوباما يحثّ على احترام انتخابات مصر الحرّة حتى الأيام الأخيرة السابقة للانقلاب؛ فقد ناشد مرسي في مكالمة هاتفية أن يقوم بـ “مبادرات جريئة” للتشبّث بمنصبه.

ومع ذلك اتّخذت أغلبية حكومته الجانب الآخر، ما يعكس مخاوف قديمة بشأن الخطر الجوهري للإسلام السياسي والعقبات التي تعترض الديموقراطية المصرية. بعد يومين من المكالمة الهاتفية الأخيرة، رضخ أوباما لتلك الآراء في اجتماعٍ للبيت الأبيض في اليوم التالي لعزل مرسي قبل سيطرة العسكر. وبقيامه بذلك اتّخذ خطوة أولى نحو السياسات التي أصبحت المبادئ الأساسية لإدارة ترامب.

الرئيس السابق محمد مرسي في جلسة محاكمته – 2016

“إنه أغبى شخص قابلته في حياتي”

تولّى الرئيس مرسي أحد قياديي جماعة الإخوان المسلمين، منصبه في 30 حزيران/ يونيو 2012 وقد بذل الكثير من جهده في مكافحة الدولة العميقة الممثّلة في الجنود والجواسيس والشرطة والقضاة والبيروقراطيين الذين بقوا في أماكنهم لستة عقود من الاستبداد.

لكنه لم يكن سياسياً محنّكاً وقد ارتكب أخطاء كذلك. ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 وكحلقة من صراعه مع السلطة القضائية لإجراء استفتاء على دستور جديد، أعلن مرسي قراراته الخاصة بشأن المراجعة القضائية وهو ما أغضب كثيرين من المصريين بخاصة في القاهرة، من الرئيس الجديد لعدم وفائه بوعود انتفاضة ميدان التحرير.

فيما سعت السعودية والإمارات العربية المتحدة إلى إقناع واشنطن بأن مرسي والإخوان المسلمين يشكّلون تهديداً للمصالح الأميركية، على رغم خوف حكّام الدولتين من الانتخابات وارتعابهم أكثر إذا قدّم المرشحون للانتخابات كإسلاميين. وخلص مسؤولون أميركيون في وقت لاحق إلى أن الإمارات العربية المتحدة كانت تقدّم الدعم المالي السرّي للاحتجاجات ضد مرسي.

تقدّم الولايات المتحدة معونات عسكرية لمصر تبلغ 1.3 مليار دولار سنوياً، وذلك المعدّل يفوق ما تحصل عليه أي دولة أخرى باستثناء إسرائيل. تفاخر البنتاغون عقب انتفاضة 2011 بأن معونته ساعدت في إقناع الجنرالات المصريين بقبول التحوّل إلى الديموقراطية. وبحسب ما أخبرني كثر من الأميركيين المتورّطين، في ما بعد أصبحت المحادثات بين الضبّاط العسكريين المصريين ونظرائهم الأمريكيين عبارة عن “جلسات سرية” متبادلة بحلول ربيع عام 2013.

جادل السيد ماتيس الجنرال بالمارينز والمسؤول عن القيادة المركزية كثيراً كغيره من الأشخاص في البنتاغون بأن جماعة الإخوان المسلمين كانت مجرد ظل آخر للقاعدة، على رغم قول الإخوان منذ عقود إنهم ينبذون العنف ويفضّلون الانتخابات، وفي حين استنكرت القاعدة بدورها مواقف الإخوان ووصفتهم بأنهم مجرد طفل ساذج للغرب، قال الجنرال ماتيس في خطاب يعود إلى هذه الفترة: “كلهم يسبحون في التيار ذاته”، ورأى أن “القيادة المستبدّة” هي المسؤولة عن سقوطه.

أخبرني الجنرال فلين عام 2016 أن “لديهم جميعاً الأيديولوجية ذاتها”، وهو رئيس وكالة الاستخبارات العسكرية في ذلك الوقت والذي اعترف بكذبه على المحققين الفيدراليين بموجب اتّفاقه مع المدّعي الخاص، وكان فلين قد زار القاهرة في الأشهر السابقة للانقلاب للتحدّث مع الجنرالات بشأن مرسي.

إقرأ أيضاً: كيف أمسك السيسي بزمام الدولة العميقة؟

كان المدنيون في الحكومة متشكّكين كذلك، فقد اقترب وزير الخارجية جون كيري من عدد من أفراد العائلات المالكة في الخليج العربي لدرجة أنه كان يبحر معهم في بعض الأحيان خلال العقود التي قضاها في مجلس الشيوخ، وكانت هذه العائلات هي الأشرس في معاداة الإسلاميين، وكان كيري لا يثق في الإخوان أبداً حتى أنه قال لي بعد سنوات عند زيارته الأولى للقاهرة كوزير للخارجية في آذار/ مارس 2013 إنه كره مرسي بمجرّد رؤيته…

قال كيري لرئيس هيئة الأركان أثناء مغادرة القصر الرئاسي: “إنه أغبى شخص قابلته في حياتي”، وتابع: “لن يفلح الأمر، إنهم مجموعة من الحمقى”. تحسّن انطباع السيد كيري في اجتماعه الشخصي مع الجنرال عبد الفتاح السيسي والذي كان رئيساً سابقاً للمخابرات العسكرية ثم قفز لتولّي منصب وزير الدفاع في إعادة هيكلة قبل أشهر.

قال السيسي لكيري كما ذكر لي في ما بعد “لن أسمح لبلادي بالانزلاق نحو الهاوية”، وعلم لاحقاً أن “مرسي لا يعرف أي شيء إنه مُغيّب”. أكّد لي كيري، شاعراً بالارتياح النسبي، أن السيسي مستعد للتدخّل، وأضاف “كان من المطمئن أن مصر لن تقع في حرب أهلية أو مجزرة شعبية كاملة أو انفجار داخلي”، على رغم من أنه أردف: “لم أكن أجلس وأفكّر، عظيم مشكلاتنا سوف يتم حلّها”.

أشار هيغل إلى أن ولي عهد دبي الأمير محمد بن زايد آل نهيان الحاكم الفعلي للبلاد والقائد العسكري، قد وصف جماعة الإخوان المسلمين بأنها “العنصر الأكثر خطورة في الشرق الأوسط اليوم”.

وقد أخبرني ديبلوماسيون أميركيون كبار في القاهرة في آذار أن التدخّل العسكري كان “غير محتمل إلا في أحلك الظروف”. فيما أخبرني أحد المسؤولين أن السفيرة آن باترسون كانت تتلقّى إشارات أخرى من كبار الجنرالات في رسالة بريد إلكتروني مشفّرة بعد ذلك بشهر، وحذّرت البيت الأبيض على الأقل من أنه “إذا لم يكن وشيكاً، فإن حدوث انقلاب كان في غضون بضعة أشهر، محتملاً بشكل كبير” وتوقّعت أن أي تدخّل عسكري سيكون قاسياً بالتأكيد.

أرسل البيت الأبيض وزير الدفاع تشاك هيغل متحدّثاً عن نقاط الغرض منها تحذير السيسي من عقاب واشنطن على الانقلاب. فقد أوصى قانون الولايات المتحدة بأمور عدة، منها قطع المعونات عن أي جيش انقلب على رئيس منتخب. وقال هيغل للسيسي “أنا لا أعيش في القاهرة بل أنت من تعيش فيها؛ احمِ دولتك”.

قال لي أحد كبار المسؤولين في مجلس الأمن القومي الذي قرأ نصوص المحادثات في وقت لاحق أن هيغل وجّه رسالة “مختلفة بشكل جذري” ففيما “أراد البيت الأبيض أن تكون الرسالة “الديموقراطية مهمّة”، أراد هيغل إيصال “نريد علاقة جيّدة “.

أخبرني هيغل في مقابلة في بداية عام 2016 أنه كان محاطاً بشكاوى خاصة بمرسي من إسرائيل والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتّحدة. وأشار هيغل إلى أن ولي عهد دبي الأمير محمد بن زايد آل نهيان الحاكم الفعلي للبلاد والقائد العسكري، قد وصف جماعة الإخوان المسلمين بأنها “العنصر الأكثر خطورة في الشرق الأوسط اليوم”.

في المقابل، قال قادة إسرائيليون إنهم يعتمدون على السيسي لقلقهم من تهديد الإخوان المسلمين للحدود أو مساعدة حماس على رغم تعهّدات مرسي المتكرّرة. وقال السيسي بنفسه لهيغل إن “هناك بعض القوى الشريرة والسيئة جداً تحيط بنا لا يمكنكم فهمها كما يمكننا فهمها هنا”.

قال هيغل إنه اتّفق معهم جميعاً وسعى إلى طمأنتهم: إن الإخوان المسلمين “خطيرون – نحن نعترف بذلك” كما قال هيغل إنه أخبر الإماراتيين بقوله للسيسي “أنا لا أعيش في القاهرة، أنت تفعل عليك حماية بلادك”.

إقرأ أيضاً: 30 حزيران/ يونيو: ذكرى الثورة “المضادة” في مصر

بمعزل عن حكومتنا

خرج ملايين المتظاهرين إلى الشوارع في جميع أنحاء مصر في 30 تموز/ يوليو للمطالبة بالإطاحة بمرسي. في اليوم التالي، رسمت القوّات الجوية المصرية بطائراتها الـ”إف 16″ قلوباً ملوّنة في سماء وسط القاهرة كما دعم الجنرالات الاحتجاجات علناً. كان الرئيس أوباما مسافراً إلى أفريقيا وتحدّث للمرّة الأخيرة مع الرئيس مرسي في 1 تموز. وبحسب ما ذكره أحد موظّفي البيت الأبيض في سجلات مفصلّة أن أوباما حذّر من أن الجيش المصري لم يكن “يتلقّى التوجيهات” من الولايات المتّحدة. لكنّه حثّ السيد مرسي بشكل رئيسي على التوصّل إلى حل لخصومته مع معارضيه المدنيين لتحظى فترة رئاسته بـ”حكومة موحّدة منسجمة”.

قال أوباما لمرسي احذِ حذو مانديلا وكان قد زار للتو السيد مانديلا في مرضه وأعاد إلى الأذهان حكومة ما بعد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. “حتى أنه وضع حارس سجنه السابق – الرجل الذي كان السجّان في السجن الذي كان محتجزاً فيه – مسؤولاً عن الأجهزة الأمنية وجمع البلاد معاً بتلك المبادرات التي اّتخذها. وأضاف: “كن جريئاً، التاريخ في انتظارك.”

أجاب مرسي “نصيحة جيّدة للغاية، من صديق مخلص” ولكن بعد فوات الأوان. وكان الحرس الرئاسي العسكري قد نقل السيد مرسي إلى قاعدته الخاصة من أجل سلامته ظاهرياً وبعد يومين في 3 تموز 2013 أعلن السيسي عزل مرسي.

أخبرني كيري أنه جادل في البيت الأبيض بأن عزل مرسي لم يكن بمثابة انقلاب حقيقي. وقال السيّد كيري إن السيسي قد انصاع فقط إلى الإرادة الشعبية لإنقاذ مصر مشيراً إلى أن الجنرال قد أعلن عن خطّة لإجراء انتخابات جديدة. (تم انتخاب السيسي رئيساً في العام التالي ومرّة ​​أخرى عام 2018، وفي كل مرّة حصل فيها على أكثر من 95 في المئة من الأصوات).

وأضاف كيري: “ما هو البديل في مصر؟ لم تكن ديمقراطية جيفرسون متاحة”، وتابع: “لعدد من السنوات وضعنا نحو 80 مليار دولار في مصر وتظلّ الحكومة على الشاكلة ذاتها تقريباً طوال الوقت. والواقع هو بغضّ النظر عن مدى تمنياتي لو كان الأمر مختلفاً، فلن يكون الأمر مختلفاً غداً”.

وأضاف كيري: “احتاجت الولايات المتحدة إلى السعوديين والإماراتيين والإسرائيليين من أجل أولويات أخرى وهو لا يريد الدخول في قتال معهم حول شيء واضح تاريخياً مثل مكانة مصر”. قرّر الرئيس أوباما عدم اتّخاذ أي قرار بشأن عزل مرسي سواء كان انقلاباً أم لم يكن.

قال لي بن رودز نائب مستشار أوباما للأمن القومي لاحقاً، “إن الأشخاص الذين أرادوا إقامة علاقة مختلفة مع الشعب المصري والرئيس المصري كانوا بمنأى عن حكومتنا”. “كان هناك شعور بالحتمية بشأن استئناف السيطرة العسكرية.”

سحق الجيش المصري معارضي الانقلاب بسلسلة من عمليات إطلاق النار الجماعية والتي بلغت ذروتها في 14 آب/ أغسطس 2013 بمقتل حوالى  ألف شخص. وخلصت هيومن رايتس ووتش إلى أنها كانت أكبر مذبحة في يوم واحد في التاريخ الحديث وتجاوزت مجزرة ميدان تيانانمن عام 1989. وسرعان ما وسّعت الشرطة المصرية حملة الاعتقلات لقمع المنظمين الليبراليين واليساريين والنسويين والمسيحيين المستقلين. وأثارت رد فعل عكسي ضد الانقلاب، تمثّل بتمرد متطرف يتركز في شمال سيناء ويستمر حتى اليوم.

وأشاد ترامب ومستشاروه بالسيسي باعتباره زعيماً عربياً نموذجياً، وقال ترامب عندما التقى السيسي لأول مرة “رجل رائع سيطر على مصر، وقد سيطر عليها بالفعل”.

لم يعد السيد ماتيس يؤكّد أن “القيادة المستبدة” هي مشكلة في مصر. احتفل في محاضرة عامة قبل أن يصبح وزير دفاع ترامب بمحاولات السيسي “تقليص النظرة السلبية للدين الإسلامي”، وخلص إلى أن “الوقت قد حان بالنسبة إلينا لدعمه واتّخاذ جانبنا الخاص في هذه المسألة.”

كما أكّد أن “الطريقة الوحيدة لدعم نضوج مصر كدولة مع المجتمع المدني، هو دعم السيسي بجانب الديموقراطية”.

ديفيد دي كيرباتريك

المقال مترجم عن موقع Nytimes.com ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي

إقرأ أيضاً: خلافات مصرية – سعودية تنخر التحالف؟

إقرأ أيضاً