هنا القصة الثالثة

ترجمة - The Intercept

مقالات الكاتب

كيف تعقب نظام الأسد ماري كولفين وقتلها بسبب تغطيتها لجرائم الحرب في سوريا

قطعة أثرية مروعة لعصرنا الرقمي هي مكالمة الفيديو العصيبة تلك التي أجريت عبر برنامج “سكايب” واستمرت لـ18 دقيقة و49 ثانية. لمحات عابرة للوحة مفاتيح حاسوب عليها أحرف عربية وشاشة حاسوب مكتبي تمكن رؤيتها في المشهد أيضاً، فيما يُسمع الصوت من خلال سماعات خارجية صغيرة. نسمع صوت صرخات مذعورة تتمتم بالعربية، والانفجارات التي تصدع أصواتها تمضي في طريقها نحو الاقتراب من المكان، وصوت امرأةٍ تصرخ. ورجل يصيح بالإنكليزية قائلاً: “لقد أُصبت! أحتاج عصابة على ساقي لوقف النزيف. لا يمكنني التحرك”.

يلتقط هذا الفيديو مشاهد من اللحظات المحمومة التي خُتمت بها حياة الصحافية الأميركية ماري كولفين والصحافي الفرنسي ريمي أوشليك. إذ تعرض الصحافيان لقصف بصاروخ صبيحة الثاني والعشرين من فبراير/ شباط 2012 في حي بابا عمرو بمدينة حمص السورية. وقع الحادث في بدايات الحرب الأهلية التي تعيشها البلاد، التي امتدت لسبع سنوات من العنف المدمر. وقد قُدم هذا الفيديو إلى هيئة محكمة فيدرالية في “واشنطن دي سي” يوم الإثنين، باعتباره جزءاً أساسياً من الأدلة في قضية تتهم النظام السوري باستهداف وقتل كولفين، المواطنة الأميركية التي نشأت في “لونغ آيلاند”؛ جراء سعيها لتغطية الحرب في البلاد.

قدَّمت عائلة كولفين الفيدية إضافةً إلى ما يقرب من 2000 صفحة من المستندات، بما في ذلك مذكرات تابعة للاستخبارات العسكرية وشهادات من ضباط سوريين منشقين، لتكون ضمن الدعوى القضائية المدنية الفيدرالية المقدمة ضد النظام السوري. تقدم الوثيقة دليلاً مفصلاً وغير مسبوق لدعم المزاعم التي تشير إلى أن كولفين تم تعقبها وقُتلت عمداً ضمن سياسة ينتهجها النظام السوري لإبعاد الصحافيين. كما قدموا أيضاً رواية من الداخل في شأن وفاة الصحافي الفرنسي جيل جاكير، الذي اغتيل في هجوم شنته الحكومة، بحسب رواية أحد المنشقين عن النظام، كي يبدو هجوماً للمتمردين، في الوقت الذي كان فيه جاكير يغطي الأحداث في سوريا بموافقة المسؤولين. رفضت الحكومة السورية التعليق على هذه المزاعم، وفقاً لما قاله متحدث باسم البعثة السورية لدى الأمم المتحدة.

وكان “مركز العدالة والمحاسبة”، وهي مجموعة لحقوق الإنسان تتخذ من سان فرانسيسكو مقراً لها، أسست القضية بعد تحقيقات دامت ست سنوات. جمع المحامون روايات الشهود، والوثائق الداخلية للنظام، وشهادات من كبار المنشقين عن النظام الذين كانوا على اطلاع مباشر بالأحداث التي سبقت الهجوم الذي تسبب في مقتل كولفين البالغة من العمر 56 عاماً وأوشليك البالغ من العمر 28 عاماً. وقُدِّمت مستندات من طريق “لجنة العدالة والمساءلة الدولية”، وهي مجموعة تحقيقات جمعت أكثر من 800000 وثيقة للنظام من خلال شبكة من المحققين العاملين في سوريا. لا تتضمن الوثائق أوامر مباشرة موجهة إلى وحدة المدفعية التي قصفت في النهاية كولفين وأوشليك، كما لا تتضمن سجلات تورط الرئيس السوري بشار الأسد مباشرة. لكن الوثائق الجديدة تقدم رواية للاستخبارات كشفت موقع كولفين واحتفل مسؤولو المدفعية السورية والاستخبارات في حمص بمقتلها.

قال روبرت فورد، السفير السابق للولايات المتحدة في سوريا والباحث البارز في معهد الشرق الأوسط حالياً: “من المهم وضع السجلات التاريخية في نصابها. توجد بالفعل رواية مضادة يسوقها الأشخاص الذين يؤيدون الحكومة وينكرون مسؤوليتها عن الأعمال الوحشية، وينكرون مسؤوليتها عن جرائم الحرب”.

شكلت وفاة كولفين منعطفاً في الصراع السوري. إذ إن كولفين، الصحافية الشهيرة التي تعمل في صحيفة “صنداي تايمز” اللندنية والتي قادت من قبل تغطيات صحافية للصراعات التي تعود إلى الحرب العراقية- الإيرانية في منتصف الثمانينات، كانت تُعرف بجرأتها وعصابة سوداء وضعتها على عينها اليسرى التي فقدتها خلال تغطيتها لتمرد التاميل في سيريلانكا. في شباط 2012، نشرت تقريراً عن حمص، المدينة التي تضم 1.8 مليون نسمة، ووثقت قصف النظام لمناطق المدنيين. وبعد الانسحاب إلى قرية خارج المدينة، قررت العودة إلى بابا عمر، وهو حي في حمص يتعرض للقصف المستمر من جانب النظام، لتخبر آنذاك زميلها بول كونروي أن هذا كان سراييفو العصر الحالي”، وأنها رفضت أن “تغطي سراييفو من الضواحي”.

ذكر تقريرها الأخير تفاصيلاً عن الحصيلة البشرية الدموية للعنف الذي لا يميز أحداً. وفي 21 شباط، أجرت سلسلة من المقابلات عبر برنامج “سكايب” لمصلحة القناة الرابعة وهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في المملكة المتحدة ومحطة “سي أن أن” في الولايات المتحدة. سردت كولفين خلال حديثها مع أندرسون كوبر قصة وفاة طفل صغير بسبب إصابة تعرض لها جراء القصف، قائلة: “لم يسعنا سوى مشاهدة هذا الصبي، كان بطنه يرتفع ويرتفع عندما حاول أن يتنفس. إنها كذبة كاملة واضحة أنهم يلاحقون الإرهابيين فقط… فالجيش السوري يقصف مدينة فيها مدنيون يعانون من البرد والجوع”.

كشف البث موقعها في مركز بابا عمر الإعلامي، وهو عبارة عن ستوديو مخصص يديره نشطاء، وأتاح للاستخبارات المحلية أن تتأكد من موقعها وتستهدف الموقع بهجوم صاروخي، وفقاً للملفات المُقدَّمة إلى المحكمة.

عند العاشرة مساء الحادي والعشرين من شباط 2012، وصلت مخبرة إلى الأكاديمية العسكرية في حمص ومعها معلومات عن موقع كولفين، وفقاً لضابط سوري سابق بالاستخبارات السورية عُرف في ملفات المحكمة باسم “عوليس”. (نقحت سجلات المحكمة تفاصيل تخطيط وتنفيذ الهجوم بشكل كبير، لكنها عرضت رواية واضحة للسبب والنتيجة. قال سكوت غيلمور من مركز العدالة والمحاسبة، وهو المحقق والمحامي الأساسي الذي يمثل عائلة كولفين: “التنقيح والتحرير في هذه القضية جاءا لأسباب أمنية؛ لحماية الشهود وعائلاتهم”).

كانت المرأة عضواً في شبكة من المخبرين بمدينة حمص يديرها خالد الفارس، الذي يصفه عوليس بـ “مهرب مخدرات سيئ السمعة”. وكانت الأكاديمية العسكرية واحدة من مواقع عديدة شن منها النظام هجومه المدفعي على المدينة. استعرض قادة الجيش السوري من داخل غرفة العمليات المعلومات التي أدلت بها المخبرة، فيما كانوا يشاهدون صورة جوية لحمص معروضة على شاشة. ومرروا المعلومات إلى مسؤول لم يُذكر اسمه، وهو من قسم الإشارة والحواسيب في الفرع 261 شعبة الأمن العسكري، الذي أكد المعلومة قائلاً: “كان هناك بث الليلة من الموقع ذاته”.

وكانت كولفين وأوشليك وكونروي وعديد من الصحافيين الآخرين، بمن فيهم إديث بوفيير، وخافيير اسبينوزا، ووليام دانيلز، قد استقروا في المدينة داخل مركز بابا عمرو الإعلامي خلال هذه الليلة. عبر كونروي، مصور الصراعات المتمرس، عن قلقه للمحرر الخاص به في شأن ظهور كولفين على شاشة التلفاز في وقت سابق من هذا المساء. وكتب: “إنني أشك في أن ظهور ماري الذي جذب الاهتمام، بسبب المواد التي نشرتها هذا الأسبوع في الصحف ومقابلاتها التلفزيونية، تعرض سلامتنا للخطر”.

وما يجهله كونروي، أنه والصحافيين الآخرين تم تعقبهم من اللحظة الأولى التي هبطت فيها طائراتهم في لبنان. بدءاً من ديسمبر/ كانون الأول 2011، رصدت “قوات الأمن اللبنانية الصديقة” وصول الصحافيين في بيروت، وأمدَّت نظيرتها السورية بمعلومات عن هذا العبور إلى سوريا. استُخلصت هذه المعلومات لتتحول إلى “تقارير استخباراتية تفيد بأن صحافيين من محطة سي أن أن، وبي بي سي، ومنظمات إعلامية أجنبية أخرى دخلوا سوريا من لبنان وكانوا في بابا عمرو”، وفقاً لما أوضحه عوليس.

تملَّص مركز بابا عمرو الإعلامي من السلطات السورية خلال حصار حمص. شكل ناشط محلي، يُدعى خالد صلاح، هذا المركز بالتعاون مع مواطنين صحافيين آخرين في صيف 2011 للإبلاغ عن الحملة التي يشنها النظام والتواصل مع الصحافيين الأجانب. عمل المركز الإعلامي من شقق عديدة في حمص، ليحتل في نهاية المطاف دورين في منزل كائن بشارع ضيق. واعتمد على وصلة قمر صناعي محمول يعمل عبر شبكة وخوادم وكيلة لإخفاء موقع المركز عن النظام.

قبل شهر من مقتل كولفين، ذكر مراقب تابع للجامعة العربية يرصد القتال في حمص أمام آصف شوكت، نائب وزير الدفاع، أنه زار المركز. ضغط الوزير عليه للإدلاء بمعلومات عن الموقع، متباهياً بأنه كان قادراً على “تدمير بابا عمرو في 10 دقائق” فقط إذا عرف موقعه.

قال عبد المالك نوار، مراقب جزائري تابع للجامعة العربية، في شهادته التي أدلى بها: “قال إنه الإعلام كانت مشكلته الأساسية. وأصر على أن وسائل الإعلام الأجنبية مثل الجزيرة، والعربية، و”سي أن أن” تعاونت مع الإرهابيين. حتى أنه أشار إلى صحيفة “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” بأنهما “صحيفتان إرهابيتان”.

وفي الصباح التالي، كان من المقرر أن تغادر كولفين وكونروي بعد الخامسة صباحاً بقليل لنقل أوضاع مستشفى محلي. إلا أن مرشدهما استغرق في النوم، ما تسبب في تأجيل مغادرتهما. بدأ وابل من الصواريخ بعد التاسعة والنصف صباحاً مباشرة، وأصاب صاروخ مُوجه المركز الإعلامي فيما كانت طائرة من دون طيار تصدر أزيزها فوق رؤوسهم. سارع الصحافيون والنشطاء من أجل الإخلاء، وكانوا يقفزون من أجل ارتداء أحذيتهم، عندما سقط صاروخ حولهم. استطاع كونروي، الذي خدم في المدفعية الملكية البريطانية، أن يخبر بأن الضربات لم تكن عشوائية؛ إذ تشير شهادته إلى أن موقع الصحافيين كان محصوراً في نطاق معين نظراً إلى أن الهجمات كانت تمضي نحو هدفها مباشرة. ركضت كولفين وأوشليك لضمان سلامتهما في بناية بالحي، تعرضت للقصف هي الأخرى على الفور بواسطة صاروخ. نثر الانفجار الشظايا على هؤلاء الواقفين في المدخل، وتسببت في جروح خطيرة لبوفيير وكونروي ووائل العمر، مترجم كولفين.

قال عوليس أن المسؤولين السوريين احتفلوا بالأخبار الواردة بشأن وفاة كولفين.

إذ قيل إن مسؤولاً لم يذكر اسمه قال: “العاهرة العمياء كانت إسرائيلية”.

ورد القائد المسؤول عن الهجوم، الذي يُشار إليه في الوثائق باسم “شحادة”، قائلاً: “ماري كولفين كانت كلبة وهي الآن ميتة”.

أرسل النظام سيارة هيونداي جينيسيس جديدة إلى الفارس، قائد شبكة المخبرين. كانت السيارة هدية من ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري بشار الأسد، وفق ما أفاد عوليس.

اجتمعت ثلاثة عوامل لخلق الظروف التي شن فيها الهجوم: نية النظام استهداف الصحافيين، وامتلاكه إمكانات رقابية قوية، وغياب الإرادة السياسية الدولية لمنع الأعمال الوحشية في سوريا.

وحتى قبل ثورات الربيع العربي التي انطلقت في 2011، طور نظام الأسد قدرات تكنولوجية ليحكم سيطرته على البلاد. ففي عام 2009، عندما استطاعت نسبة 17 في المئة من السوريين الدخول إلى شبكة الإنترنت، فرض النظام مراقبة ورقابة على الأنشطة التي تتم على الإنترنت، وذلك وفقاً لتقرير وزارة الخارجية الأميركية في شأن حقوق الإنسان. ومع حلول عام 2010، توسعت هذه الرقابة، في ظل قيام الشركات الثلاث التي تقدم خدمات الإنترنت بحظر الدخول إلى أكثر من 180 موقعاً، بما في ذلك المواقع المرتبطة بمجموعات المعارضة الكردية والإخوان المسلمين، فضلاً عن “فيسبوك” و”سكايب”.

وفي بدايات 2011، رفع النظام الحظر على “فيسبوك” و”تويتر”. ولكن بدلاً من كونها محاولة على طريق الإصلاح، قدم إعادة فتح المنصات الاجتماعية أداة قوية لقمع النظام والتضليل المعلوماتي. إذ إن المذكرات التي تم الحصول عليها من وحدات الاستخبارات العسكرية التابعة للقيادة العامة للقوات المسلحة السورية، تذكر تفاصيل حول جهود متعمدة لاستخدام “فيسبوك” بهدف رصد الاحتجاجات والتدخل لوقفها. تأمر مذكرةٌ قوات الأمن بـ”استدعاء أي شخص يكون له دور في التحريض عبر الإنترنت واستجاوبه/ استجوابها واتخاذ الإجراء القانوني ضدهم”. وأمرت التوجيهات ذاتها، الآتية من مكتب الأمن القومي، العاملين في الحكومة بأن ينشروا الصفحات المؤيدة للأسد على فيسبوك (“الدكتور بشار الأسد رمز المقاومة والصمود”؛ “أمة عظيمة تنجب العظماء من حمورابي إلى بشار الأسد”)، “بهدف اجتياح صفحات المواقع التي تنادي بالتظاهرات في سوريا”.

استخدمت دوائر الأمن أيضاً اعتقال الصحافيين البارزين لتمرير رسالة النظام. تذكر برقية لوزارة الخارجية الأميركية يعود تاريخها إلى السادس من أبريل/ نيسان 2011، تفاصيل حول اعتقال الصحفي خالد الختيار، الذي “عندما أُطلق سراحه، كان حسابه بموقع فيسبوك يكتظ بالدعاية المؤيدة للحكومة”.

في بيان أمام المحكمة، قال أحد المنشقين عن الخلية المركزية لإدارة الأزمة، وهي عبارة عن مجلس تابع لشعبة الأمن العسكري أسسه النظام لمواجهة الثورة، أن سياسة حرب المعلومات التي ينتهجها النظام “حددت ثلاثة مستويات من التهديدات. اعتُبر الناشطون الإعلاميون أعلى مستوى من التهديدات، ويليهم منظمو التظاهرات (في المرتبة الثانية)، ثم الأشخاص المشاركين في التظاهرات (في المرتبة الثالثة). اعتبرت الإدارة المركزية لإدارة الأزمة أن الناشطين الإعلاميين وصانعي الفيديوات على موقع يوتيوب أكثر خطورة من المحتجين أنفسهم”.

يؤيد الصحافيون والناشطون السوريون هذا التقييم. في مقابلة مع موقع The Intercept، قال عزيز أسعد، الناشط السوري المعارض الذي فرّ في 2015 ويعيش الآن في منفاه في ألمانيا، “كل شخص عارض الحكومة استُهدف للاعتقال أو القتل -سواء كنت ناشطاً إعلامياً أم لا- ولكن كان واضحاً أن النظام رأى أن الصحفيين المحليين يشكلون تهديداً له أكبر من هؤلاء الذين حملوا السلاح”. وأضاف: “عندما يعتقلك النظام، كان وضعهم إياك في عداد المقاتلين المسلحين أفضل بكثير من أن تكون شخصاً يعمل على توثيق وبثّ الجرائم التي كانت تُرتكب في البلاد. وفي السجن، أن تُتَّهم بحملك بندقية كان أفضل، بل أفضل بكثير، من أن تُتَّهم بحملك كاميرا”.

قال عزيز أسعد إن النظام خصص أقسى معاملة من جانبه للسوريين: “الذين عرفوا كيف يستخدمون الإنترنت ووسائل البث الإعلامي؛ لأنهم رأوا أن هؤلاء الأشخاص هم القادرون على التنظيم ضدهم وإيصال المعلومات إلى باقي العالم حول ما كان يحدث في سوريا. ورأى النظام أنه إذا استطاع منع خروج المعلومات، فيمكنه أن يفعل أي شيء يريده لسحق هذه الثورة”.

قال غيلمور، من مركز العدالة والمساءلة، إن استهداف النظام لكولفين والصحافيين الغربيين الآخرين كان متزامناً مع تركيزه على حرب المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات. وأضاف أن “خدمة الإنترنت يمكن أن تستخدم بهدف “نشر المعلومات وتنظيم الحركات الاجتماعية، ولكن في الوقت نفسه لديه إمكانات هائلة ليكون أداة للاضطهاد، وأداة للحكم الاستبدادي. وقد كان لهذه الصفة المزدوجة تأثيراً كبيراً في مقتل ماري”.

وثمة مثال في صميم الموضوع يتمثل في منشور رسمي إعلامي للنظام يعود تاريخه إلى 26 فبراير/ شباط عام 2012. يشير البيان الصادر بعد أربعة أيام من مقتل كولفين وأوشليك إليهما وإلى صحفيين غربيين آخرين كانوا في مدينة بابا عمر على أنهم جواسيس زرعتهم الأنظمة الغربية. وجاء في المنشور، الذي نشرته الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون التابعة للنظام السوري، أن الغرب “لا يمكن أن يتوقع من السوريين أن يحزنوا أو يدينوا موت الجواسيس الذين عبروا حدودنا في الليل لنشر الفساد والدمار”. يفصّل المنشور عمل كولفين وأوشليك في ليبيا، متهماً أوشليك برسم صورة وردية للمتمردين الليبيين من طريق صوره الفوتوغرافية، التي حصل من ورائها على جائزة الصورة الصحافية العالمية، وقال إن تغطية كولفين من ليبيا كانت مليئة بالأكاذيب. ويضيف المنشور: “ربما كانت ماري تستحق جائزة لكونها أفضل ممارسة دعائية في العالم”. يشير البيان أيضاً إلى الصحافيين كونروي، وبوفيير، وأروى دامون، وإيفان واطسون، وآخرين باعتبارهم جواسيس.

ولما كانت المعارضة تنفجر في سوريا، كانت القدرات التكنولوجية لنظام الأسد على الرقابة وكبت أي معارضة أخذه في التوسع بالمعدل ذاته. فقد عُززت الاتصالات داخل سوريا بدرجة عالية، وبقيت على مقربة من الأسد، ما يُسهل نسبياً على النظام مهمة مراقبة استخدام الإنترنت والأقمار الصناعية داخل البلاد. ويشير تقرير صادر عن منظمة الخصوصية الدولية نُشر عام 2016 حول أجهزة المراقبة الحكومية السورية، إلى أن بدءاً من عام 2007 وحتى 2012، عندما قتلت كولفين وأوشليك، أنفق نظام الأسد ملايين الدولارات على بناء “نظام لمراقبة الاتصالات بجميع أنحاء البلاد” قادراً على جمع المحادثات من برامج مثل “سكايب”. تضمن جزء من هذه الحملة الرقابية شراء وتثبيت تقنيات اعتراضية تستطيع تعقب الاتصالات التي تتم عبر القمر الصناعي. وفقاً للتقرير، فقد استخدم نظام الأسد معدات قادرة على إعادة تحويل الاتصالات التي تتم عبر القمر الصناعي داخل البلاد، وبمجرد جمعها “يمكن لمحلل الاستخبارات السورية إما حفظها لتحليلها لاحقاً دون الحاجة للاتصال بشبكة الإنترنت، أو متابعة الهدف مباشرةً، طالما أنه/ أنها متصلاً/ متصلة بالإنترنت”.

تصاعدت وتيرة الرقابة الإلكترونية وجميع أشكال الرقابة الأخرى التي اقترنت مع الهجمات الاستهدافية للنظام رداً على الثورة. إذ انتهت مذكرة تحمل تفاصيل مكالمة تم اعتراضها وكان طرفاها رجلين يناقشان العمليات القتالية المناهضة للنظام في حي دير بعلبة بحمص، بإصدار أمر “نُشر على جميع الهيئات الأمنية ووحدات الجيش من خلال الفرع 261، جاء فيه توجيهات بأن يتخذوا التدابير الأمنية والعسكرية اللازمة”. تصف مذكرة قضائية أخرى حادثاً، أعتقد فيه صحفي سوري كان يقوم بتغطية صحفية عن المصابين المدنيين، أنه أفصح عن مكانه من دون عمد. قال المراسل: “بينما كنت أقف خارج العيادة، تلقيت مكالمة هاتفية على هاتفي الجوال من مراسل قناة الجزيرة. وخلال المكالمة، تعرضت المنطقة المحيطة بالعيادة الميدانية للقصف بصواريخ عديدة: وعلى الفور، قُتل ثلاثة وأصيب ثلاثة آخرون بجروح”.

قال غيلمور، استناداً إلى معلومات جمعها من منشقين سابقين عن الاستخبارات السورية، إن بعضاً من المعدات الرقابية للنظام في حمص ثُبتت من طريق “مجموعة من الشرق آسيويين” أُحضروا من دمشق. كما أخبر غيلمور موقع The Intercept، قائلاً: “كان هناك نوعان من أنظمة الرقابة التي ثُبتت في مكاتب الاستخبارات المحلية في حمص. أحدهما كان مراقبة ثابتة تم تركيبها أعلى سطح البناية، ثم كان هناك مجموعة من الشاحنات التي لديها نوع من إمكانات الاعتراض المتحركة التي تستطيع اعتراض بعض المكالمات التي تتم من طريق القمر الصناعي والأجهزة الساتلية المحمولة التي تستخدم في الاتصال بالإنترنت”.

اعتمدت وحدات الاستخبارات السورية أيضاً على شبكات من المخبرين. فعندما يُخبر أحد المخبرين المسؤولين بأن المتمردين المسلحين يتلقون العلاج في مستشفى البر في الرستن، يُرسل الفرع 261 الاستخباراتي هذه المعلومة إلى المسؤول عن الجيش والأمن في حمص مصحوبة باقتراح حاد، “التوصية: التأثير عليهم بالمدفعية أو الطائرات”.

قال ديفيد كاي، المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية الرأي والتعبير، “قرب نهاية عام 2011، حدثت زيادة في عدد المصورين وغيرهم من الصحفيين الآخرين الذين تعرضوا للقتل بالفعل أثناء تصويرهم الاحتجاجات” في سوريا. وأضاف أن النظام استهدف في الماضي الصحفيين بالاعتقال والتعذيب، كما أن ملاحقة الصحافيين الذين يغطون الاحتجاجات “تزامن مع هذه الهجمات الأخرى على الصحافيين”.

لم تكن كولفين الصحفية الوحيدة التي استهدف نظام الأسد اغتيالها، حسبما تشير الوثائق. ففي 11 يناير/ كانون الثاني عام 2012، أي قبل ستة أسابيع من وفاة كولفين، حضر جيل جاكيه، وهو مراسل حرب فرنسي حاصل على جوائز، وغيره من الصحافيين مسيرة مؤيدة للأسد في حمص. وخلال المظاهرة، في حي عكرمة الجديدة، باغت هجوم الصحافيين. وأفادت التقارير المنشورة آنذاك بأن قذيفة صاروخية أو قذيفة هاون أُطلقت على الحشد. ما أدى إلى مقتل العديد من السوريين، وقُتل جاكيه أيضاً. وكان أول صحافي أجنبي يموت في الصراع.

ادَّعى نظام الأسد أن “جماعة إرهابية” كانت هي المسؤولة وصرح بأن الحادث أظهر أن قوات المعارضة في البلاد كانت “مسلحة وخطيرة”. إلا أن هذه التصريحات لم تكن سوى أكاذيب، وفق ما يقول عوليس، الضابط السابق بجهاز الاستخبارات السوري. إذ يزعم عوليس في المستندات التي لدى المحكمة أن المظاهرة بأكملها كانت مُدبرة، وأن النظام السوري حدد مسار المسيرة بشكل مُسبق. وأضاف أن عناصر من الشبيحة المؤيدين للأسد “أطلقوا قذيفة الصاروخية على المظاهرة من مدرسة قريبة تسمى قتيبة”. وفي أعقاب الفوضى التي أحدثها الانفجار، حاول جاكيه ومراسلون آخرون، رافقهم جواسيس من الحكومة السورية، أن يوثقوا الهجوم. يزعم عوليس إنه عندما اقتيد جاكيه إلى موقع مرتب سابقاً، “قصفت قوات النظام الموقع بقذيفة هاون”.

أُصيب جاكيه، الذي كان يبلغ من العمر 43 عاماً، ولم تقتله قذيفة الهاون. يقول عوليس إن أحد عناصر الشبيحة ويدعى وائل سلامة- الذي يُزعم أنه ساعد في تخطيط الهجوم وتدبيره- “حمل جاكيه في سيارة أجرة، بدلاً من حمله داخل سيارة إسعاف”. كان دور سلامة منصباً حول التأكد من أن جاكيه لن ينجو بحياته.

كانت زوجة جاكيه، المصورة الفوتوغرافية كارولين بوارون، معه في حمص لكنها انفصلت عنه في اللحظات التي سبقت الهجوم. تتذكر بوارون في مقابلة أجرتها عام 2013 أنها سمعت صوت الانفجار بينما كانت تحتمي داخل أحد البنايات. وعندما هرعت إلى الطابق السفلي، وجدت جاكيه ملقى على الأرض ومصاباً. لم يكن هناك أي ضرر في الجزء الداخلي للبناية، وفق ما قالت بوارون، ما جعلها تعتقد أن جاكيه قد قُتل “إما ببندقية 22 ملم التي تحملها الأجهزة السرية السورية أو من طريق سكين طويل”. ومات جاكيه في سيارة الأجرة في الطريق إلى المستشفى.

تشير شهادة عوليس إلى أن أعضاء بارزين في النظام ساعدوا في تنظيم عملية الاغتيال، بمن فيهم ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري بشار الأسد، وغسان بلال، عميد بالجيش السوري.

في تصريحات لموقع The Intercept، قال باتريك فالاليان، وهو صحافي سويسري كان ضمن المجموعة التي كانت موجودة في حمص يوم الهجوم: “إنني كنت قريباً جداً من المكان الذي قُتل فيه جيل. كان فخاً. وكان النظام خلفه. أرادوا أن يقتلوا جيل”.

وأشار فالاليان إلى أن جاكيه انفصل عن بقية المراسلين بعد الانفجار الأول، وفي غضون دقائق نشر النظام بياناً صحافياً أعلن فيه عن مقتل صحفي فرنسي. وأضاف: “كنت على بعد 10 أو 20 متراً من مكان جيل (عندما خرج البيان الصحافي) ولم أكن أعلم أنه قُتل في ذلك الوقت”.

وبعد ذلك، تفحص لقطات من المشهد ولاحظ أنه قبل، الهجوم، وخلاله، وبعده، جميع الحركات المرورية عبر المنطقة توقفت فجأة لفترة تتراوح بين خمسة إلى ستة دقائق، ثم عادت إلى وضعها مرة أخرى. يقول فالاليان: “كان الأمر غريباً وحسب. إنني أعرف قليلاً عن الحرب، وهذا الموقف كان شيئاً مختلفاً تماماً”.

شارك فالاليان لاحقاً في تأليف كتاب عن الهجوم عنوانهAttentat Express، وعاد بسببه إلى سوريا وتحدث إلى مصادر عملت لمصلحة نظام الأسد. وقال إنهم أخبروه أن النظام كان لديه دوافع عديدة لاستهداف جاكيه. قبل أسبوع من قتل الصحافي، أدان الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي المجازر التي يرتكبها النظام وطالب الأسد بالتنحي. قال فالاليان: “إن النظام أراد إرسال رسالة إلى فرنسا ورسالة إلى ساركوزي. أرادوا أن يجعلوا (الصحافيين) خائفين من أن يكونوا هناك. أرادوا أن يقولوا لنا “لا تعودوا إلى هنا، لأن الوضع خطير للغاية ولا نستطيع أن نحميكم”. وقد نجح الأمر، لأن معظم الصحف كانت خائفة من إرسال المراسلين بعد ذلك”.

تعتبر دعوى كولفين القضائية ضد الجمهورية العربية السورية واحدة من 128 دعوى قضائية وإجراءات تحصيل في المحاكم الفيدرالية في الولايات المتحدة ضد النظام السوري لضلوعه في اختطاف مواطنين أميركيين واغتيالهم. تتمتع الدول في المعتاد بحصانة ضد الدعاوى القضائية. إلا أن قانون حصانات السيادة الأجنبية لعام 1976، أوجد استثناءات عدة، بما في ذلك للدولة المحددة التي ترعى الإرهاب مثل سوريا وإيران والسودان وكوريا الشمالية. فقد أقيمت دعوى قضائية بنجاح ضد إيران لدورها في تفجير ثكنات فيلق مشاة البحرية الأميركية في بيروت عام 1983، وهجوم انتحاري في قطاع غزة، بينما تكبدت السودان حكماً بـ2.1 مليار دولار لدورها في التفجيرات التي تعرضت لها السفارة الأميركية في كينيا وتنزانيا. واجهت سوريا دعاوى قضائية تتهمها بالتورط في الهجمات الإرهابية في إسرائيل وإيطاليا، ولدعمها الجماعات المسؤولة عن وفاة مواطنين أميركيين في سوريا والعراق، بما في ذلك تنظيم الدولة وأبو مصعب الزرقاوي التابع لتنظيم القاعدة في العراق.

قال غيلمور: “من بين جميع الدول التي ترعى الإرهاب، قدمت الحكومة السورية بعضاً من أكثر الدفاعات الحصينة”. لكن النظام – الذي مثله في مرحلة ما النائب العام الأميركي السابق رمزي كلارك – توقف عن الدفاع عن نفسه عام 2011 عندما بدأت الحرب الأهلية.

يعزى جانب من التركيز على الدعاوى المدنية ضد سوريا إلى نقص المسؤولية الجنائية للأطراف المتورطة في الصراع. إذ إن المحكمة الجنائية الدولية، التي من الممكن أن يكون لها اختصاص قضائي خلال الحرب الأهلية، لا تستطيع التحرك من دون إحالة من الأمم المتحدة. كانت الجهود الأخيرة لإصدار مثل هذه الإحالة عام 2014، فشلت في مجلس الأمن بعد أن أعاقت سوريا والصين قراراً دعمته 60 دولة.

لم يؤكد مسؤول بارز في هيئات إنفاذ القانون بالولايات المتحدة ولم ينكر وجود تحقيقات جنائية حول الهجوم بخلاف قوله: “نعلم بكل تأكيد عن ماري كولفين”.

وصفت نيرما جيلاسيك، نائب مدير لجنة العدالة والمساءلة الدولية، الدعوى المدنية باسم كولفين بأنها “خطوة رمزية مهمة تسمح كذلك بأن تُسمع الأدلة المهمة للغاية من جانب المحكمة وأن يُفصل فيها”.

وأضافت: “سيكون أكثر رمزية إذا كان لدينا في الواقع مُدَّعى عليه يجلس في قفص الاتهام ويجيب عن هذه الاتهامات”.

ويبدو أن ذلك لن يحدث في أي وقت قريب. ومثلما قال ديفيد كاي، المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية الرأي والتعبير، “الإفلات من العقاب على الهجمات ضد الصحافيين محسوم فعلياً”.

هذا الموضوع تم اعداده وترجمته عن موقع The Intercept لمراجعة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأ أيضاً