fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

كيف تبدو حياة المثليين في قطاع غزة: تطبيقات مواعدة ومحاولات للإفلات من قبضة حماس

في صورته الرمزية (الأفاتار)على تطبيق الرسائل الفورية، يبدو جميل شاباً سعيداً، وهو يرتدي نظارات وقصة شعر عصرية، لكن جميل (وهو ليس اسمه الحقيقي) يعترف بأنه يعيش في حالة من الذعر المستمر، وأن أكثر ما يحلم به هو ترك موطنه والتحرر من قيود عائلته. وجميل طالبٌ يبلغ من العمر 21 عاماً، يقطن قطاع غزة وهو مثلي جنسياً ويعيش حياة مزدوجة: حياة علنيةٌ، كطالبٍ مثابرٍ، والأخ الأصغر بين أفراد أسرته، يقضي جل أوقاته في مساعدة والديه المسنين، وفي أداء المهام اليومية (التسوق، والتأكد من أن المولد الكهربائي على ما يرام، وتوفير الماء في المنزل) وحياة ثانية سرية، حيث يقضي جزءً كبيراً منها، في التواصل عبر استخدام تطبيقات المواعدة والحسابات الوهمية على الشبكات الاجتماعية.
يقول جميل إنه اعترف لأول مرة بتوجهه الجنسي في سن الرابعة عشرة، عندما سافر إلى الخارج والتقى هناك، لأول مرة في حياته، بشخصٍ مثلي الجنس. وعندما عاد إلى البيت، بدأ يبحث على شبكة الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعية، عن أشخاصٍ مثله. ويقول إنه توصل إلى قناعةٍ، بأن مثليته الجنسية لم تكن “نوعاً من الأمراض النفسية”، وذلك فقط قبل عامين بعد أن أقنعه بعض الأصدقاء المثليين، بضرورة تقبله وضعه كما هو.
يضيف جميل في مقابلة هاتفية قائلا “أولاً وقبل كل شيءٍ، تتحدث من خلال حساب وهمي [عبر وسائط التواصل الاجتماعي] أو على تطبيق يحافظ على سرية هويتك وبعد ذلك، يتسلح أحدنا بالشجاعة أولاً، ثم يرسل صوراً له، وبعد التحدث على هذا النحو، لفترة من الوقت، قد تقرر لقاء نظيرك، غير أن الشخص الذي تتحدث إليه يمكن أن يكون ضابطاً [سرياً] من حماس في غزة، ولهذا لا بد من توخي الحذر، فمن الضروري أن تتحدث إلى هذا الشخص أولا، عن طريق سكايب على سبيل المثال، لتتأكد بأنه ليس من حماس”.
ويوضح جميل أنه بالنسبة للمقيمين في غزة، ليس من الصعب التعرف على عناصر حماس عندما تلتقي بأحدهم. وعلى الرغم من أن حماس في ترصدٍ دائمٍ بحثاً عن المثليين وتراقب وسائل التواصل الاجتماعي، فإن المنظمة لديها بعض نقاط الضعف،فهم لا يملكون على سبيل المثال، حسب جميل، دراية ببعض التطبيقات التي يمكن للمثليين في غزة استعمالها للتعرف على بعضهم البعض والدردشة مع الناس، وحتى مع بعض اليهود، من إسرائيل أو الضفة الغربية.
ورداً على سؤالٍ حول ما يتحدث بشأنه مع اتصالاته في إسرائيل، يقول جميل إن الكثيرين حريصون على معرفة كيف تسير الحياة في غزة، وعلى وجه الخصوص كيف هو وضع المثليين هناك،  وتثار أيضاً القضايا السياسية بطبيعة الحال. وقد أراد أحد مراسليه، وهو يهودي، أن يعرف، على سبيل المثال، ما رأي جميل عن عمليات إطلاق الصواريخ على إسرائيل من غزة،  فأجابه جميل بأنه آسف على إصابة الأبرياء بأذى.
“تحدثت يوماً مع شخص قال لي إنه وُلِد في منطقة مجاورة لخان يونس قبل الانسحاب الإسرائيلي [من غزة] في عام 2005″، يقول جميل “وأعرب لي عن مدى حبه وتعلقه بالمنطقة، ولا يزال يتذكر كل لحظة من حياته قضاها هناك، وأنه لا يزال يحتفظ بهدية تسلمها من صديق والده، وهو مواطنٌ فلسطينيٌ من غزة”.
وقال لي يهوديٌ إسرائيليٌ شابٌ كان على اتصال بجميل عبر أحد هذه التطبيقات (والذي طلب هو أيضاً عدم الكشف عن هويته) أنهما تحدثا عن السياسة، وعن حياة جميل وعلاقات عائلته، لكن ليس فقط حول هذه الأمور.
ومن أجل عدم إثارة الشكوك، يحتاط الرجال المثليون في غزة، بحيث لا يشكلون أي نوع من النوادي أو الجماعات، وعندما يجتمعون، يقومون بذلك فرادى، في مقهى، أو مطعمٍ أو على طول كورنيش البحر مع الحرص على عدم الظهور معاً في نفس المكان أكثر من مرة، ويمكنهم أيضا الاجتماع في المنازل، على افتراض، بالطبع، أنه لا يوجد أفراد الأسرة من حولهم.
ويقول جميل إنه لا يعرف أي مثليات، “هناك قيود كثيرة مفروضة على الفتيات، وهي أشياء تتحكم في حياتهن” حسب قوله، مضيفاً “المرأة لا تجرؤ على الحديث عن تلك الأشياء، حتى فيما بينهن”.
ومثل الأديان الإبراهيمية الأخرى، يحرم الإسلام العلاقات المثلية. وتنظر الشريعة الإسلامية، التي تقوم على كل من القرآن والحديث (أقوال النبي محمد)، بتوجس إزاء جميع الأفعال المثلية..
وفي المجتمع الفلسطيني الحديث، تعتبر المثلية وصمة عار بالغة الأثر ومحل إدانة. يقول السيد م، وهو عالم نفسي فلسطيني يعيش ويعمل في ألمانيا، تحدث مع هآرتس بشرط عدم ذكر اسمه، أن موقف المجتمع السلبي تجاه المثلية ليس بالضرورة مرتبطاً بالإسلام نفسه، بل بالثقافة ومفهوم الذكورة. ويضيف “من الواضح أن الإسلام يلعب دوراً، لكن حتى من ضمن الأشخاص الأكثر التزاماً بالعلمانية، هناك من يرفضون المثلية الجنسية رفضاً تاماً”.
ولا يمكن للمثليين العيش في العلن في أي مجتمع عربي في الشرق الأوسط، بما في ذلك في غزة والضفة الغربية والمدن والقرى العربية داخل إسرائيل، ولكن هذا لا يعني بالطبع أنه لا يوجد مثليون من الرجال والنساء في تلك المجتمعات، وعلاوة على ذلك، وفقاً لما ذكره السيد م، فإن تحريم أي نشاطٍ جنسيٍ خارج نطاق الزواج، يدفع العديد من الشبان والفتيان إلى القيام بتجاربهم الجنسية الأولى مع أقرانهم من نفس الجنس.
وخلافاً للضفة الغربية، حيث لا يحظر القانون رسمياً المثلية الجنسية، لا يزال القانون الذي تركته حقبة الانتداب البريطاني، ويحظر الأعمال الجنسية المثلية، ساري المفعول رسمياً في غزة، غير أن المحظورات الاجتماعية، التي تعرض المثليين النشطين للاضطهاد من قبل أسرهم والسلطات، هي أكثر تأثيرا من الحظر القانوني. في العام الماضي، تم تعذيب قائد حماس البارز، محمود اشتيوي، وقتل بالرصاص بعد اتهامه، من بين أمور أخرى، بأنه مثلي جنسياً.
يقول جميل “الناس في غزة يحبون الحديث عن بعضهم البعض، إنها منطقة مغلقة، ليس لديهم الكثير مما يشغلهم، ولذلك يقضون معظم وقتهم في الثرثرة والقيل والقال”. ورغم ذلك، يقول إنه يحاول أن يحافظ على سره، وهو مقتنعٌ بأن عائلته لا تعرف عن توجهاته  باستثناء أحد إخوته، الذي كان يشعر بالريبة منذ بعض الوقت. “يجب أن تبتعد عن مثل هذه الأفكار” يتذكر جميل ما كان يحذره منه شقيقه، وقوله “هذه الأفكار لا علاقة لها بنا، إنني أحاول حمايتك. الوضع في غزة ليس جيداً”.
في نهاية المطاف، يضيف جميل، بدأ شقيقه يهدده وصادر هاتفه الخلوي، ولم يعيده له إلا بعد ثمانية أشهر، عندما وعده جميل بأنه سينهي كل علاقاته المثلية. أما الآن فقد أصبح شقيقه منشغلاً بحياته الخاصة، مما أفسح المجال أمام جميل لينعم في الوقت الحاضر، بفضاء أكثر فسحة، لكن قد يتغير هذا الوضع.
يقول جميل “أحاول جاهداً الخروج من غزة”، وعندما سُئل من يخشى أكثر،  شقيقه أو حماس أجاب “كلاهما”.
يعرف جميل ثمانية رجال مثليين فروا من قطاع غزة في السنوات الأخيرة، نصف هذه المجموعة على الأقل، على حد علم جميل، عبروا الحدود المصرية من رفح، ودفعوا رشاوى بآلاف الدولارات إلى الحراس، قبل أن يواصلوا مشوارهم عبر البحر نحو أوروبا بمساعدة المهربين. ويعترف جميل قائلاً “ليس لدي الشجاعة للقيام بذلك”. ويبقى حلمه هو الخروج عبر الحدود الإسرائيلية، والتوجه إلى الأردن استعداداً للخطوة التالية.
وعندما سُئل ألا يخشى الشعور بالوحدة والتيه، كونه بعيداً جداً عن أفراد أسرته، وكل ما اعتاد عليه في حياته، قال إن سلامته الشخصية أكثر أهمية بالنسبة إليه من خطر الوحدة، ثم يضيف متحسراً “إنه لأمر سيئٌ للغاية، ألا يتحملني الناس من حولي ولا يقبلون بي، إن الإنسان يكتسب قيمه من عائلته ومن المجتمع الذي يعيش وسطه، لكني لا أستطيع التعامل مع القيم التي لا تنظر إلي كشخصٍ طبيعيٍ”.

بقلم  ليزا روزوفسكي
هذا المقال تمت اعداده وترجمته عن موقع Haaretz وللاطلاع على المقال الاصلي راجعوا الرابطالتالي
 

إقرأ أيضاً