هنا القصة الثالثة

وحيد عبد المجيد

مقالات الكاتب

كم يُساوي محمد صلاح في المنتخب المصري؟

على رغم كثرة المشكلات، وتنوع الأزمات التي تُثقل كاهل المصريين، وهول بعضها، لم يشعر كثير منهم وربما أكثرهم، بجزع مثل ذلك الذي أصابهم عندما أصيب لاعب منتخبهم الوطني في المباراة التي لعبها فريقه “ليفربول” أمام ريال مدريد في نهائي دوري أبطال أوروبا في 26 مايو/ أيار الماضي.

كانت ليلة حزينة ومؤلمة لم يعش المصريون المعنيون بكرة القدم، وهم أكثرية غالبة في المجتمع، مثلها منذ عقود. ربما بالغ الذين رأوا أن لا مثيل لها منذ الليلة التي تبين فيها حجم هزيمة 1967، وربما لم يبالغوا. أما غضبهم من قائد فريق ريال مدريد، وظهيره الأيسر، سيرجيو راموس المتهم بأنه تعمد إصابة صلاح خوفاً منه، فقد فاق الغضب الذي بلغ ذروته على الرئيس الأسبق حسني مبارك، في الليلة التي انتظروا فيها أن يعلن تنحيه في خطابه الذي ألقاه مساء 10 فبراير/ شباط 2011.

جاءت إصابة صلاح قبل 20 يوماً من مباراة المنتخب المصري الأولى أمام الأورغواي في اليوم الثاني للمونديال. وكان السؤال، الذي ظل محور اهتمام المصريين من دون منازع بعد إصابة صلاح، عن الفترة التي يستغرقها علاجه، والوقت الذي يعود فيه إلى الملعب.

أظهرت إصابة صلاح أن أمل المصريين معلق به، دون غيره، في أداء أفضل لمنتخب بلدهم في مونديال روسيا، مقارنة بآخر مونديال شارك فيه منتخبهم عام 1990 في إيطاليا. يعتقد معظمهم أن صلاح وحده الذي يستطيع أن يعبر بالمنتخب المصري الدور الأول في المونديال، ويصعد إلى دور الـ16 للمرة الأولى في تاريخه، على رغم أن ترتيبه في تصنيف “الفيفا” يؤهله– نظرياً– للحصول على المركز الثاني في مجموعته في كل الأحوال، الأمر الذي يؤهله للصعود.

فقد حافظ المنتخب المصري على المركز رقم 46 في التصنيف الأخير الذي أعلنته “الفيفا” في أول يونيو/ حزيران قبل أيام من انطلاق المونديال، وجاء بالتالي ثانياً في مجموعته بعد الأروغواي (في المركز رقم 14)، ومتقدماً على السعودية (في المركز الـ67)، وروسيا (في المركز الـ70).

ويثير هذا الربط بين أداء المنتخب المصري في المونديال، وتعافي صلاح من إصابته ومشاركته في المباريات، السؤال المطروح في عنوان هذه المقالة، وهو كم يساوي صلاح تحديداً في هذا المنتخب؟

ولا سبيل لجواب عن هذا السؤال إلا اعتماداً على قيمة صلاح التسويقية، على رغم أن ارتفاع مثل هذه القيمة أو انخفاضها، بالنسبة إلى أي لاعب، لا يعبر بالضرورة عن مستوى أدائه في المباريات جميعها.

هناك مؤثرات أخرى على أداء اللاعب، يعود بعضها إليه مثل حالته المعنوية، ومستوى لياقته، ومدى تركيزه، في هذه المباراة أو تلك. كما يرجع بعضها إلى الظروف التي تحيطه، مثل أداء المدير الفني والطاقم المعاون له، والخطة التي يلعب الفريق أو المنتخب على أساسها، وعلاقته مع زملائه، وانسجامه معهم من عدمه.

غير أن هذه المؤثرات كلها يصعب قياسها بدقة. القيمة التسويقية وحدها قابلة للقياس، لتحديد مدى أهمية اللاعب، وإجراء مقارنات على أساسها.

والحال أن قيمة صلاح التسويقية تفوق ثلاثة أمثال قيمة لاعبي المنتخب المصري الآخرين مجتمعين، وفق آخر تقدير صدر عن الموقع العالمي المختص في هذا المجال “ترانسفير ماركت” في مطلع حزيران. فقد قُدرت قيمته بمبلغ 150 مليون يورو، من أصل 196 مليون هي قيمة لاعبي المنتخب كله.

شهدت قيمة صلاح التسويقية ارتفاعاً سريعاً خلال الموسم الماضي منذ انتقاله من نادي روما الإيطالي إلى ليفربول الإنكليزي مقابل 42 مليون يورو فقط، أي أن الارتفاع بلغ أكثر من ثلاثة أمثال.

وليس “ترانسفير ماركت” فقط الذي قَّدر الارتفاع الكبير على هذا النحو، إذ تشاركه صحف ومواقع عدة عُنيت بدراسة التحولات التي حدثت في أسعار اللاعبين، والقيم التسويقية للمنتخبات المشاركة في المونديال. ويُعد الارتفاع في قيمة صلاح الأعلى في العالم في العام الأخير، إذ قفز من 42 مليون يورو في منتصف 2017، إلى 88 مليون قرب نهاية العام نفسه، ثم إلى 150 مليون الآن. وعلى رغم أن البرازيلي نيمار لاعب باريس سان جيرمان، والأرجنتيني ليونيل ميسي لاعب برشلونة، والبرتغالي كريستيانو رونالدو لاعب ريال مدريد، والأرغوياني لويس سواريز لاعب برشلونة، والإنكليزيين هاري كين وديلي آلي لاعبي توتنهام، والفرنسي كيليان مبابي لاعب باريس سان جيرمان، والأرجنتيني باولو ديبالا لاعب يوفنتوس، والبلجيكي كيفن دي بروين لاعب مانشيستر سيتي، والبلجيكي روميلو لوكاكو، والفرنسي بول بوغبا لاعبي مانشيستر يونايتد، والفرنسي أنطوان غريزمان لاعب أتليتكو مدريد، يتفوقون عليه من حيث القيمة التسويقية، فقد فاقهم من حيث معدلات الارتفاع في هذه القيمة خلال موسم واحد.

ويبدو الفرق مهولاً حين نقارن صلاح باللاعبين الذين يوازونه من حيث القيمة التسويقية، وهم محمد النني لاعب آرسنال الإنكليزي (10 ملايين)، ورمضان صبحي لاعب ستوك سيتي الإنكليزي (7 ملايين)، ثم أحمد حجازي لاعب ويست بروميتش الإنكليزي (5 ملايين)، ومحمود حسن تريزيغيه لاعب قاسم باشا التركي (3.5 ملايين)، وأحمد المحمدي لاعب آستون فيلا الإنكليزي (3 ملايين)، وعبد الله السعيد لاعب اتحاد جدة السعودي (2.8 ملايين) يورو. والملاحظ أن قيمة تريزيغيه قفزت إلى 5 ملايين يورو بعد تألقه في المباريات الودية التي لعبها المنتخب المصري تمهيداً للمشاركة في المونديال.

وتبلغ القيمة التسويقية لهؤلاء اللاعبين الستة مثلَي قيمة اللاعبين المحترفين الثمانية الآخرين المختارين في قائمة المنتخب المصري للمونديال، وهم علي جبر لاعب وست بروميتش الإنكليزي، وسام مرسي لاعب ويغان الإنجليزي، وعمر جابر لاعب لوس أنجلوس الأميركي، وعمرو وردة لاعب أُتروميتوس اليوناني، وعصام الحضري ومحمد عبد الشافي ومحمود عبد الرازق شيكابالا ومحمود عبد المنعم كهربا الذين يلعبون في أندية سعودية هي التعاون، والفتح، والرائد، واتحاد جدة، على الترتيب.

أما اللاعبون المحليون الثمانية، فهم ما زالوا خارج إطار التقييم المالي الدولي، وهم محمد الشناوي، وشريف إكرامي، وأحمد فتحي، وسعد سمير، وطارق حامد، وأيمن أشرف، ومحمود حمدي، ومروان محسن.

وإذا كانت المسافة بين صلاح ولاعبي المنتخب المصري الآخرين شاسعة إلى هذا الحد، فهل يعني هذا أن مصير هذا المنتخب متوقف على سرعة شفائه من إصابته؟ لم يثبت من قبل أن دور أي لاعب، مهما كانت أهميته وقيمته كان حاسماً بالنسبة إلى فريق بلده أو منتخبه. وليست حال منتخب الأرجنتين، الذي كان مهدداً بالخروج من التصفيات المؤهلة لمونديال روسيا حتى لحظتها الأخيرة، إلا أحد آخر المؤشرات على أن كرة القدم لا تعتمد على نجم واحد أو أوحد، حتى إذا كان بقيمة ليونيل ميسي التسويقية والمهارية. وقد يكون هذا النجم عبئاً على فريق أو منتخب، حين يستغل موقعه المحوري ويتدخل في عمل الجهاز الفني، أو عندما يضع هذا الجهاز خطة المباراة ويختار المشاركين فيها على مقاسه، أو بحسب تفضيلاته.

ولكن ثقافة الرجل الأوحد، أو البطل المُنقذ، هي التي تجعل مشاركة صلاح في المونديال مسألة “حياة أو موت” بالنسبة إلى كثر من المصريين المولعين بهذه اللعبة.  

 

إقرأ أيضاً