هنا القصة الثالثة

ترجمة - Slate

مقالات الكاتب

كفى كلاماً عن العِرق ودرجة الذكاء

لقد عاد الجدال حول العِرق ودرجة الذكاء. بدأت الجولة الأخيرة قبل بضعة أسابيع عندما كتب ديفيد ريتش، عالم الوراثة بجامعة هارفارد، مقالاً في صحيفة نيويورك تايمز يدافع عن العرق كحقيقة بيولوجية. أعاد هذا المقال ظهور مقابلة تعود إلى عام مضى على البرنامج الإذاعي Waking Up لسام هاريز مع تشارلز موراي، المؤلف المشارك في كتاب The Bell Curve، وأطلق مناظرةً على تويتر بين هاريس وإيزرا كلاين، المدون في موقع فوكس Vox. رد كلاين وقتها على هاريس وريتش في موقع فوكس، ورد هاريس بدوره، وسعى أندور سوليفان خلف كلاين. قبل أسبوعين، أصدر كلاين وهاريس بثاً حياً استمر ساعتين واصلوا خلالهما نزاعهما.

تابعت هذا النقاش أكثر من عقد. وهو الحطام ذاته مراراً وتكراراً. هناك شخص يمتلك ميلاً للخوض في المواضيع المحرمة، يعرف عن الفوارق الموجودة في درجات الذكاء وفكرة أن الأمر ربما يكون وراثياً، فيكتب أو يتكلم عن ذلك، بسذاجة أو تسرع. يُهاجم كل جزء في حجته: صلاحية درجة الذكاء، والادعاء بأنها وراثية إلى حد كبير، وفكرة أن الأعراق يمكن تمييزها بيولوجياً. يُستنكر الجاني باعتباره عنصرياً، بينما يعتقد أنه يدافع فقط عن العلم في مقابل اللياقة السياسية.

أعلم كيف يكون شعور ذلك الشخص لأنني، منذ 11 عاماً، كنت هو. رأيتُ تعليقاً من جيمس واتسون الحائز على جائزة نوبل، عن الفجوة الموجودة في درجات الذكاء بين البيض والسود، وقرأتُ بعض المقالات المنشورة في المجلات عن هذا الموضوع، واقتنعت. وكان ذلك خطأً. وكوني ارتكبت ذلك الخطأ، فأنا لستُ في وضع يسمح لي بلوم سوليفان أو هاريس أو أي شخص آخر. ولكنني في وضع يسمح لي بالتحدث إليهم كشخص يفهم دوافعهم. وأعتقد أن بوسعي تغيير تفكيرهم، لأنني غيرت تفكيري أنا، وأنا هنا لأنقل ذلك لهم. وآمل أن من يجد منكم هذا الموضوع كله كريهاً أن يتحملني ريثما أنتهي.

نصيحتي هي: يمكنك التحدث عن علم الوراثة في الأعراق، ويمكنك التحدث عن علم الوراثة في الذكاء، ولكن كف عن الإشارة إلى أنهما الشيء ذاته، فربط الذكاء بالعرق لا يضيف شيئاً مفيداً. بل يتجاوز العلوم التي تدافع عنها، ويبتلع النقاش بأكمله في نيران الأخلاقيات.

لا أطلب من أي شخص أن يُنكر العلم، ولكن ما أطلبه هو الوضوح. فعلم وراثة الأعراق وعلم وراثة الذكاء مجالا بحث مختلفان. في مقالته في صحيفة “التايمز”، كتب ريتش عن خطر سرطان البروستاتا، وهو سياق فيه دليل واضح على وجود نمط وراثي متعلق بالسلالة. (الرجال السود ذوو السلالة الأفريقية في منطقة معينة من الحمض النووي لديهم مخاطر أعلى لسرطان البروستاتا مقارنة مع الرجال السود الذين لديهم أصول أوروبية في تلك المنطقة). دار ريتش حول موضوع الذكاء، وعلى الرغم من وجود فجوات عرقية وإثنية في درجات الاختبار، لم يتم تحديد نمط مماثل.

لا بأس كذلك بمناقشة علم الوراثة في درجات الذكاء، فهناك عدد خطير من الاستفسارات العلمية حول هذا الموضوع، وما إذا كان الذكاء، في أي مجتمع، ميزة اجتماعية موروثة. نحن نميل إلى القلق من أن الحديث عن التوريث سيقود إلى علم تحسين النسل. لكن من الجدير بالملاحظة أيضاً أنه، بقدر ما يتم توارث معدل الذكاء وتركيزه، مثل الثروة، من خلال التزاوج التصنيفي، فإنه يمكن أن يقسم المجتمع ويقوض تجانسه. وهذا هو أغلب ما يدور حوله كتاب The Bell Curve.

 

تبدأ المشكلة عندما يبدأ الناس الذين يكتبون أو يتحدثون عن توارث الذكاء، في تخطي هذه الفكرة إلى المقارنات بين المجموعات العرقية والإثنية. بعضهم يفعل ذلك بخبث، وبعضهم لا

 

تبدأ المشكلة عندما يبدأ الناس الذين يكتبون أو يتحدثون عن توارث الذكاء، في تخطي هذه الفكرة إلى المقارنات بين المجموعات العرقية والإثنية. بعضهم يفعل ذلك بخبث، وبعضهم لا. يمكنك أن تدعو المجموعة الأخيرة بالسذاجة أو بالتحيز المُسبق. لكنهم قد يكونون قابلين للإقناع، وهم هدفي في هذا المقال. بالنسبة إليهم، يمكن أن تتابع سلسلة الفكر إلى شيء من هذا القبيل: الذكاء وراثي بشكل جزئي، والعرق وراثي بشكل جزئي. لذا ربما يمكن تفسير الاختلافات العرقية في اختبارات الذكاء، بشكل جزئي، بعلم الوراثة.

هناك مشكلتان علميتان في طرح هذا النوع من الاستنتاج. المشكلة الأولى هي أن الإتيان بالعِرق إلى المناقشة المتعلقة بالجينات يحجب التحليل السببي. الجينات ربما لا تلعب أي دور في الفجوات العرقية الموجودة في اختبارات الذكاء. لكن لنفترض أن لها دوراً: ما هو الهدف من الحديث عن العرق، في هذا الإطار؟ بعض الأطفال البيض، وبعض الأطفال السود، وبعض الأطفال الآسيويين، يمتلكون جينات معينة تخدم الذكاء بشكل هامشي، بينما البعض الآخر لا يمتلك هذه الجينات. يظل الأمر المهم هنا هو الجينات وليس العرق.

وهذا توافق نادر في الآراء في النقاش الدائر حول درجة الذكاء. في حديثه مع هاريس، يلاحظ موراي أن العرق في The Bell Curve كان استدلالاً فجاً على الجينات. منذ نشر الكتاب عام 1994، تطورت قدرتنا على تقييم الاختلافات الجينية كثيراً. واليوم، يقوم العلماء بتقييم آلاف الجينات التي ترتبط بزيادات صغيرة في درجة الذكاء. يقول موراي لهاريس “التشوش العرقي هو بمثابة تشوش في الإشارة”، ويضيف: “سيحجب الاختلافات الجينية في معدل الذكاء”.

“علم الأعراق”، الفكرة القديمة القائلة إن العرق هو سمة سببية بيولوجية، قد تبقى على أنها أيديولوجية كراهية، لكن كمسألة أكاديميّة، فقد فقدت صدقيتها. نحن نعلم الآن أن الجينات تنساب بين الفئات السكانية كما تنساب بين العائلات، وتؤدي إلى طمس الفئات العِرقية وتعيد تنظيم التنوع البشري. يمكن العثور على أنماط جينية داخل المجموعات، كما هو الحال في سرطان البروستاتا. ولكن حتى في تلك الحالة، كما يشير إيان هولمز في مجلة “ذا أتلانتيك”، فإن الأنماط تتطابق مع السلالة أو الفئة السكانية، وليس العرق.

المشكلة الثانية في توسيع نطاق النظريات الجينية لدرجة الذكاء إلى العرق هو أنه يخلط بين علم التوريث. يستشهد سوليفان وهاريس بالأبحاث التي تشير إلى أن درجة الذكاء هي، بشكل فضفاض، 40 إلى 80 في المئة قابلة للتوريث. قد يبدو من الطبيعي توجيه هذه التقديرات إلى المقارنات بين المجموعات العرقية، وهو ما فعلتُه أنا منذ عقد. لكن هذا خطأ لأن هذه الدراسات تتم داخل الفئات السكانية، وليس بينها. فهي تقيس، على سبيل المثال، درجة ارتباط التوائم  أو الأشقاء بدرجات ذكاء بعضهم البعض، مقابل مجرد النشأة في نفس المنزل. وهي لا تفسر العديد من الاختلافات الأخرى التي تؤدي دوراً عند مقارنة فئات سكانية كاملة. لذلك إذا أدخلت العرق في المسألة، فأنت توسع هذه الدراسات إلى منطقة تتجاوز قوتها التفسيرية. كما أنك تُقدم عوامل تثير التعقيد: ليس فقط التعليم، والدخل، والبنية الأسرية، ولكن أيضاً الجيرة، وصافي الثروات، والتمييز، وهو أكثر المتغيرات ترجيحاً أن يرتبط مباشرةً بالعرق.

يملك موراي وآخرون إجابات لهذه الاعتراضات. هم يتحججون بأن البرامج التعليمية فشلت في سد الثغرات العرقية، وأن الدراسات لم تثبت أن التبني له تأثير دائم في درجات ذكاء الأطفال، وأن الزيادات الجماعية في درجات معدل الذكاء تعتمد على عوامل أخرى غير الذكاء “العام”. هذه النزاعات معقدة ومليئة بالفروق الدقيقة حول تكرار الدراسات وتفسير أسئلة الاختبار والاستقراء من الخطوط العامة للاتجاهات. ولكن لاحظ إلى أي مدى ابتعدنا من علم الأحياء. العلم هنا ملتوٍ، ومجرّد، وضعيف. هل لا تزال تشعر بالراحة حيال المضاربة في علم الجينات؟ هل أنت واثق، على سبيل المثال، من أن الدراسات التي تقارن الأطفال السود بالأطفال البيض تبلغ على نحو صحيح عن أصول العائلة والحي، الذي يختلف اختلافاً حاداً بالعرق حتى داخل شريحة الدخل نفسها؟

يمكن وضع النظريات التي تدور حول العرق والجينات للمساعدة في الوقاية من الأمراض، أو تشخيصها، أو علاجها، كما فعل ريتش. ولكن قبل أن تستغل مقالته لشرح الفجوات العنصرية في التوظيف، اسأل نفسك: في ضوء الغموض المحيط بالربط بين الجينات العرقية والذكاء، ما الذي ستحققه كلماتي؟ هل ستساهم في التحيز؟ هل ستُستخدم للوم المجتمعات على فقرها؟ هل سأحفز التفكير، أم أنني سأقدم للبيض مبرراً لعدم التفكير في الأسباب الاجتماعية والاقتصادية لعدم المساواة؟

يحاول موراي وسوليفان وهاريس تخفيف حدة التكهنات من خلال الإبلاغ، كما فعلتُ ذات مرة، بأنه حتى إذا كانت الاختلافات العرقية في معدل الذكاء وراثية، لا ينبغي وضع أي افتراضات لأي فرد. إنهم محقون في أنه من الخطأ وغير المنطقي أن يتم إنشاء مثل هذه الاستدلالات من البيانات المجمّعة. ولكن من الأسهل أيضاً معاملة الأشخاص كأفراد دون تعميمات عرقية.

إذا كنت متحرراً أو محافظاً، قد تعتقد أنني أدعو إلى الرقابة، والأمر ليس كذلك، أنا فقط أطلب الدقة. الجينات آلية قيد المناقشة. لذا فإن الحديث عن جينات الأعراق والجينات في درجات الذكاء أكثر علمية، من جمع العرق والذكاء معاً.

من ناحية أخرى، يعتبر الكثير من التقدميين موضوع الذكاء والجينات برمته أمراً مشؤوماً.

وهذا خطأ أيضاً، فهناك كم كبير من العلم المتماسك هنا، والذي لا يمكن التغاضي عنه، ويمكن الانتفاع به. الصعوبة هي التنقيب عن هذا العلم بين كل التكهنات المتعلقة بالتسلسلات الهرمية العرقية.

ما هو الطريق للسير قدماً؟ إنه يبدأ بالتوقف عن نقاش العرق. بلا مزيد من التسجيلات الحية التي تروج لمقارنات عنصرية لا مبرر لها على أنها “المعرفة المحرمة”. ولا مزيد من المقالات التي تتحدث عن الحقائق العرقية القاتمة التي يُفترض أن نستعد لها. لا تتخيل أنك إذا افترضت وجود علاقة بين العرق وبعض السمات، أن بإمكانك إضافة تنبيهات كافية تمحو الانطباع بأن الناس يمكن تقييمهم بناء على لونهم. الارتباط، وليس التنبيهات، هي ما سيذكره الناس.

إذا كنت مهتماً بالعرق ودرجة الذكاء، فقد تنزعج من هذه التحذيرات، وربما تظن أنك لم تفعل شيئاً سوى إخبار حقيقةٍ عن درجات الاختبار، وتوريث درجة الذكاء، والواقع البيولوجي للعرق. قد تقول إن ليس خطأك، إذا تم تشويهك وإساءة فهمك. يقول هاريس كل هذه الأمور في مناقشته مع كلاين. أنا أجفل كلما أسمع هذه العبارات، لأنني أعرفها، فقد كنت في هذا الموقف من قبل. يحذر هاريس كلين من أنه حتى لو “جعلنا حقائق بعينها محرمات” ورفضنا “النظر إلى الاختلافات السكانية على الإطلاق، سنستمر في التعرض للكمائن دائماً من خلال هذه البيانات”، ويختم: “البيانات العلمية لا يمكن أن تكون عنصرية”.

كلا، البيانات ليست عنصرية. لكن استخدام البيانات العرقية لتقديم الحجج الجينية ليس علمياً. العالم لن يكون أفضل حالاً إذا سبقت العلم، ملوحاً بالاختلافات المتأصلة للمجموعات. وإذا كان الجميع يسيئ فهم محاولاتك في الربط والتمييز بين العرق ومعدل الذكاء في الوقت نفسه، فربما عليك فهم التلميح. المشكلة ليست أن الناس أغبياء ولا يمكنهم فهمك، بل أنك من لا تفهم العواقب الاجتماعية لكلماتك. عندما تجلب العرق إلى نقاش درجة الذكاء، فأنت تجلب النار وليس الضوء. نقاشك من أجل الصراحة العلمية سيكون أكثر عقلانية وإقناعاً في مناقشة محايدة تجاه العرق.

يمتلئ علم الأحياء المتعلق بالذكاء بالأسئلة المهمة. إلى أي مدى هو قسم واحد أو أكثر؟ كيف نفهمه وننميه ونحافظ عليه ونستخدمه؟ إذا كان قابلاً للتوريث، فهل يجب أن ننظر إليه على أنه حظ أكثر مما هو استحقاق، مثل إرث الأموال؟ إلى أي مدى يقوم هيكل طبقي قائم على ذكاء بمطابقة أو إخفاء بنية طبقية قائمة على الثروة العائلية؟ هل الذكاء حقاً يحل محل أنواع أخرى من الموروثات كميزة تنافسية؟ هل يطلق العنان للحراك الاجتماعي؟ أم هو، من خلال التزاوج المتجانس، وترسيخ عدم المساواة؟ هذه محادثات أفضل بكثير من تلك التي علقنا فيها. دعونا نتناقش فيها.

 

الموضوع مترجم عن موقع Slate ولقراءة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.

 

إقرأ أيضاً