هنا القصة الثالثة

أحمد عيساوي

مقالات الكاتب

“كفرناحوم” لنادين لبكي: المأساة في جوانبها ومعانيها.

بعد الإعلان عن فوز فيلم “كفرناحوم” للمخرجة اللبنانية نادين لبكي ب “جائزة التحكيم الخاصة” في الدورة الحادية والسبعين لمهرجان كانّ السينمائي، استعر النقاش حول القيمة الفنيّة للعمل الذّي قدّمته مخرجة “كاراميل” و”هلأ لوين ؟” تحت خانة الدراما الواقعية التي تحاكي مشاكل اللجوء والهجرة وأطفال الشوارع ومعاناة “الغرباء” في لبنان.

الفيلم الذي يبدأ بقاعة المحكمة ويغلق على المشهد نفسه يتناول قصة زين، اللاجئ السوري الصغير، الذي يحاول من دون جدوى منع زواج شقيقته الصغرى (١١ عاما)، فيقرّر مقاضاة والديه بسبب الظروف الصعبة التي يعيشها في أحياء بيروت الفقيرة، وتذهب الحبكة إلى لقاء زين بأشخاص يتشارك معهم البؤس نفسه والمعاش الصعب ذاته لتجتمع تلك المآسي في صور عديدة من العاملة الإثيوبية التي صُرفت من عملها بسبب حملها إلى طفلها الرضيع الذي لا يملك أوراقا شرعيّة وصولا إلى ما يتعرّض له زين نفسه من أذى جسدي ونفسي في عائلته.

بعيدا عن المادة الفنيّة التي يقدّمها الفيلم، والتي لم يتسنَّ للجمهور مشاهدتها بعد، فإنّ العناوين التي تطرحها نادين لبكي تجعل من “كفرناحوم” فيلما ملتزما بامتياز وتعيدنا إلى السؤال عن الفنّ الملتزم وعن الرسالة التي يحملها ومدى تأثيرها على الجمهور. ولا تبدو خيارات لبكي للمثّلين اعتباطية فقد تقصّدت العمل على هذا التماثل بين الشخصيات الحقيقية وشخصيات الفيلم في صناعتها للفوضى التي تنظّم حياة هؤلاء. النظام والفوضى، كلمتان متعارضتان لكنّهما تجسّدان بروفايلات زين ورحيل ويوناس ومعاشاتهم البائسة وتجعل من انتظام حيواتهم اليومية جريانا مهذّبا لتلك الفوضى بمعناها الأكثر تكثيفا : الشارع، غياب سلطة الأهل، الإنسلاخ عن البيئة الأولى، البطالة، الفقر، العنف..

المأساة التي تقرب اليوتوبيا في الأحداث الممسرحة للفيلم تبلغ ذروتها في المشهد الذي يصوّر الطفلان زين ويوناس على حافة شارع بيروتي يواجهان مصيرا محتوما بالجوع، بانعدام الحياة : هنا حيث يجلسان بثيابهما المتّسخة، يد زين بيد يوناس، ومشاغل الحياة القاسية محفورة على وجه زين، أصبحت المدينة غيتو كبير يضيق ب “الغرباء” المفروضين على تلك الحياة، هذا الفرض الذي دفع بزين لرفع دعوى على والديه. تسأله القاضية “ليش بدك تشتكي  على أهلك ؟”. يجيبها “لأنن خلّفوني”.

في وجه العالم الظالم الذي أوصل زين إلى تلك الظروف، يحاول الصبي الصغير أن يسخّر طاقته ببأس وحذر وعنف أحيانا يتمظهر في جوانب عديدة في العمل الشاقّ بالسيارات وتهريب الأدوية مع والدته، ويعكس بشكل ذكيّ رغبة المخرجة في تسليط الضوء على عمالة الأطفال ومعاناتهم اليومية.

ليس زين ثائرا صغيرا كما هو حال غافروش تينادرييه في رائعة “البؤساء” لڤيكتور هوجو، لكنّه يشبهه كثيرا كما يقول توماس سوتينيل في “لوموند”. يشبهه في المعاش الصعب والتوق إلى التحرّر من العبثية والتسلّط. إنّه كقطعة الپازل التي تتمّ الصورة. إنّه الكمال. وللبؤس معانٍ كثير ومفردات متعدّدة  أحسنت نادين لبكي نقلها بشكل يشبه أعمال روائيي القرن ١٩ فحضرت الضحايا وحضرت مشاكلها في سياقات زمنية ومكانية متشابهة. وليس مشهد القاضية التي تسأل والدة زين في قاعة المحكمة “ماذا تعرفين عن المأساة ؟” إلا تكثيفا يحاكي هذا النمط الروائي الملتزم قضية إنسانية.

على أنّ المأساة التي يجسّدها زين- وآلاف الأطفال أمثاله- وارتباطها بنجاح في مهرجان سينمائي عالمي، لم يرق ل “القابضين على المعايير” في بلد مثل لبنان، إذ لا حاجة لثقافة وموسيقى وسينما في قاموس هؤلاء وإذا ما وجدت فهي في خدمة السياسة والايديولوجيا، وفي بعدها الدلالي في ترسيخ فكرة المقاومة والشهادة.

والحال فإنّ تغريدة الإعلامية منار صبّاغ التي تستعيد صور “شهداء” حزب الله في معركة القصير والرشقات التويترية للنائب نواف الموسوي التي تقرن مجد البلاد بال”شهداء” وتسخر من فوز لبكي بجائزة التحكيم – والنقاش في ما تقدّمه المادة السينمائية للمخرجة وأحقّيتها بالفوز موضوع آخر  – تنطوي على عدائية مغلّفة تجاه رسالة الفيلم، اذ تستعير الشهادة وتضعها في مواجهة مع مأساة اللاجئين والمهاجرين في بلادنا وتذهب إلى احتكار المجد وتلزيمه معايير معيّنة.

لكنّ الهجوم المركّز على فوز لبكي، الذي ينسحب هجوماً مضمراً على الفيلم ورسالته الإنسانية، يدفعنا حتما إلى تأطير تلك العلاقة بين الطفل اللاجئ من الحرب وأدوات تلك الحرب والمشاركين فيها والعابثين بحيوات آلاف الأطفال وهذا ما يجعل أي انتصار رمزي لزين، انتصاراً لثقافة الحياة ومقارعة الموت، وخسارةً فادحةً للموت بعينه والذاهبين إليه كسبيل للاستمرار والبقاء.

(تصوير: عمار عبدربه)

إقرأ أيضاً