fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - The Guardian

ترجمة - The Guardian

مقالات الكاتب

كريم عبد الجبّار يكتب: ماذا علّمتني الرياضة عن العلاقات العِرقيّة في أميركا؟

فيما تبدأ اليوم سلسلة “ذي غارديان” عن العِرق والرياضة -وإذْ نحتفل اليوم بمرور عامين على جُثُوّ كولين كابرنيك أثناء النشيد الوطنيّ- فإنّني أتذكّر أنّه متى اقترَبَ لاعبٌ من “الرابطة القوميّة لكرة السلّة” NBA من تحطيم أحد أرقامي القياسيّة القديمة، فإنّ الصحافيّين المتحمّسين يتواصلون معي سائلين عمّا أشعر به.

هاكم ما أشعر به: حين سجّلتُ تلك الأرقام القياسيّة -أكبر عدد من النقاط، أكبر عدد من اعتراض الهجمات، أكبر عدد من جوائز “أكثر اللاعبين قيمة”، إلخ- احتفلتُ بها لأنها كانت إثباتاً على أنّ عملي الجادّ وانضباطي منذ الطفولة كانا فعّالين في تحقيق هدفي في أنْ أصبِح أفضل رياضيّ ممكن.

لكن هذا لم يكن هدفي الوحيد. إن الأهمية التي هي أعظم لتلك الأرقام القياسيّة بالنسبة إلي حينها -وحتى الآن ربما بشكل أكثر من ذي قبل، هي في توفير منصّة لي لإبقاء النقاش حول المظالم الاجتماعيّة -سواء كانت عِرقيّة أو جندريّة أو اقتصاديّة- حيّاً ونابضاً، لكي نلتقي حولها كأمّة ونعمل على إصلاحها.

تاريخيّاً، لَطالَما كان هذا من عظمة الروح الأميركيّة: إنّنا لا نُحجِم عن تحديد أخطائنا، واستخدام شجاعتنا الأخلاقيّة وبراعتنا كي نصبح أمّة أفضل. لتكريم هذا الروح، أودّ الإشادة باثنين من أهمّ مُعلِّميَّ، المدرّب في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس جون وودين ومحمد علي كلاي. إن صوت محمد علي هو ما يتردّد غالباً في أذنيّ: “حينَ رأيتَني في حلبة الملاكمة أقاتل، لم يكن الهدف هزيمة خصمي فحسب. كان لهذا القتال غرض. كان ينبغي أن أكون ناجحاً لكي يستمع إليّ الآخرون حين أودّ الحديث”.

كلّ الأرقام القياسيّة في عالم الرياضة لا محالةَ سيأتي يوم وتتحطّم، لكن بعد تلك اللحظة لن يصبح العالَم مختلِفاً. لكن في كلّ يوم ترفع فيه صوتك ضد المظالم، فإنّ العالم في اليوم التالي قد يصبح أفضل ولو قليلاً بالنسبة إلى البعض.

إنّ الرياضة هي أكثر أشكال الترفيه شعبيّةً، فقد أنفق الأميركيّون على الأحداث الرياضيّة العامَ الماضي نحو 56 مليار دولار، مقارَنةً بـ11 مليار دولار على السينما. هناك 72 في المئة من الناس الذين تتراوح أعمارهم بين 18-29 عاماً يعتبرون أنفسهم من مشجّعي الرياضة، وهو ما يراه مَن هم أكبر سنّاً، بغالبيتهم. مستوى الشعبيّة هذا جعل الرياضة أكثر من مجرّد مصدر ترفيه، فهي جزء من هويّتنا القوميّة، ومصدرَ إلهام للإنجازات الشخصيّة، ووسيلة لتعليم الأطفال دروساً قيّمة عن العمل الجماعيّ والأخلاقيّات الاجتماعيّة. بالنسبة إلى الأميركيّين- الأفارقة، في الرياضة تكمن كلّ تلك القِيَم؛ لكن لها أيضاً المزيد من الآثار الأخرى.

بالنسبة إلى الملوّنين (ذوي البشرة غير البيضاء)، طالما اعتُبرَت الرياضة مرآةً للتوجّهات الأميركيّة إزاء العِرق: فطَالَما كان اللاعبون السود ممنوعين من دخول الميدان، فإنّ هذا كان يعني أنّ بقيّة الأميركيّين السود لن يعتبروا أبداً متساوين حقّاً مع البيض، بمعنى أنهم لن يحصلوا على فرص متساوية في التعليم والوظائف. وحتّى بعد السماح لهم باللعب، فقد اعتُبرت الرياضة الوجه العام لأميركا، ليس ما نعبّر عنه عاطفيّاً عند التلويح بالأعلام في الرابع من تمّوز/ يوليو، ولكن واجهة لسلوكنا اليوميّ الحقيقيّ. لأجل هذا فإنّ أيّ شيء يحدث في المجال الرياضيّ يتعلّق بالعِرق، يكون له أثر على الساحة الوطنيّة. في الوقت الحالي، ربّما كانت الرياضة هي الأمل الأفضل للتغيير في ما يخصّ التفاوت العِرقيّ لأن لديها الفرصة الأفضل لإعلام الأميركيّين البِيض عن هذا التفاوت وتحفيزهم على العمل.

إنّ المشكلة تكمن في أنّ هذه ليست هي الرسالة التي يرغب الرابحون من التفاوت أن يسمعها الجماهير؛ فهم يحاولون تكميم الأصوات المعارِضة في مجال الرياضة اليوم، تماماً كما فعلوا خلال مساري ومِن قبل. وتلك المحاولة دوماً ما تتخفّى تحت سِتار الوطنيّة. فهم يتسخدمون الأعلام كما يستخدم الساحر القبّعة: لتضليل الجماهير عن الخدعة. ثم بحيلة ماهرة، تختفي العنصريّة!

ملاكمة بين محمد علي وبرايان لندن عام 1966

بالنسبة إلى الأميركيّين البِيض، فإنّ تاريخ الرياضة الأميركيّة خطّ بيانيّ متصاعد من الإنجازات الملحوظة على صعيد القوّة البدنيّة والعقليّة. أمّا بالنسبة إلى الأميركيّن السود، فإنّه كذلك أيضاً، إضافة إلى الخطّ الزمنيّ المتّصل من محاولات تكميم أفواه الأميركيّين-الأفارقة. عام 1964، كان رفض محمد علي كلاي الخضوع للخدمة العسكريّة في حرب فيتنام على أساس أنّ “ضميري لن يسمح لي بأن أذهب لأقتل أخي، أو أناس من ذوي البشرة الداكنة”، قد كلّفه 5 سنواتٍ في السجن وغرامةً بقيمة 10 آلاف دولار وحرماناً من ممارسة الملاكمة لسنوات. تخلّى عن ملايين الدولارت وواجه السجن من أجل قول الحقيقة. عام 1971 أسقطت المحكمة العليا الأميركيّة الإدانةَ عنه بالإجماع، بتصويت أعضائها الثمانية؛ لكن الضررَ كان قد لحقه في كلّ حال.

أثناء الألعاب الأولمبيّة في المكسيك عام 1968، وقف تومي سميث وجون كارلوس على المنصة ورفعوا أيديهم بالقفّازات في الهواء أثناء النشيد الوطنيّ. وكانت النتيجة طردهما من الفريق وإعادتهما إلى الولايات المتّحدة، حيث نبذهما الإعلام وتلقّيا تهديدات بالقتل. لكن الكثير من الأميركيّين السود شعروا بالفخر أنّ غضبهم وإحباطهم الخاص قد تم التعبير عنه بصوتٍ عالٍ وعلى ساحة دوليّة. لاحقاً قال كارلوس إنّها لم تكن تحيّة للقوة السوداء، ولكن “تحيّة حقوق الإنسان”. أمّا سميث فقال، “نحن معنيّون بنقص المدرّبين المساعدين السود. كذلك بسرقة اللقب من محمد علي كلاي. نحن معنيّون بالنقص في إمكان الوصول إلى مساكن جيّدة وعدم قدرة أبنائنا على التسجيل في أفضل الكلّيّات”.

في العام ذاته، غنّت آريثا فرانكلين النشيدَ الوطنيّ في المؤتمر الوطنيّ الديموقراطيّ، وكان أداؤها محطّ انتقاد واسع في الإعلام، الذي وصفه بأنه “شائن” و”اعتراضيّ” و”مُرهِق للأعصاب”. كانت افتتاحيّات الصحف بشكل روتينيّ تنتقد بقسوة “موسيقى الروح”، وأشارت إليها بطريقة مهينة بوصفها “أخت الروح”. وقد كتب أحد القرّاء الغاضبين “إنّ للروح مكانها -ولست متأكّداً أين هو- ولكن قطعاً ليس أثناء أداء النشيد الوطنيّ لبلادنا”. وحتّى صوتها المهيب كان أيضاً أسود أكثر مما ينبغي لأداء النشيد الوطنيّ، ولذا كان يجب إسكاته.

عام 2016، أشعلَ احتجاج كولين كابرنيك السلبيّ ضد المظالم العِرقيّة -حركة الجُثُوّ البسيطة أثناء عزف النشيد الوطنيّ- عاصفةً ناريّة من التأييد والشجب. فقد انضمّ لاعبون آخرون من رياضات أخرى إلى الاحتجاج غير اللفظيّ. عُوقِب كابرنيك نفسه، ويبدو أنّ مساره المهنيّ في “الرابطة القوميّة لكرة القدم” NFL قد انتهى، بعد أن خذلته الفِرَق.

وتستمر القصّة. جثا الكثير من لاعبي “الرابطة القوميّة لكرة القدم” هذا الشهر أو رفعوا قبضاتهم أثناء عزف النشيد الوطنيّ، ما حدا بالرئيس دونالد ترامب إلى التغريد على “تويتر” قائلاً: “الكثير من اللاعبين، مِن فِرَق مختلفة، أرادوا التعبير عن غضبهم من شيء معظمهم لا يستطيع تحديده”. لقد حاول ترامب -ذلك “الأمل الأبيض الكبير المدلّل، من فئة الـ1 في المئة” الذي لم يعرف أبداً يوماً من دون ثروة- إسكاتَ رجالٍ سود من خلال إخبار العالم أنّهم أنفسهم لا يعرفون ماهيّة غضبهم. إنّ العارَ الوطنيّ في هذه الآونة ليس إهانة النشيد الوطنيّ، ولكن إهانة مُثُل الأمة، إذْ لم يتغيّر الكثير بعد 50 عاماً من رفع تومي سميث وجون كارلوس قبضاتهم في مكسيكو سيتي. على رغم مئات الدراسات والإحصاءات وتقارير الخبراء التي تؤكّد تفشّي العنصريّة الممنهجة في أميركا -بشكل يعيق التعليم والتوظيف والرعاية الصحيّة وتحسّن متوسّط العمر- ما زِلنا نحاول إقناع بعض الناس بأنّ الأرض كرويّة!

طومي سميث وجون كارلوس في حركة اعتراضيّة على العنصريّة الأميركية عام 1968

على مرّ الأعوام، شاركتُ في بعض هذه الاحتجاجات. فعام 1967، حين كان عمري 20 عاماً فحسب، كنتُ أصغر عضو في قمّة كليفلاند، وهي تجمّع للرياضيّين السود مهمّتها تحديد صِدْق محمد علي كلاي في زعمه أنّه معارض يقِظ الضمير. عام 1968، وبعد أشهر قليلة من اغتيال مارتن لوثر كينغ، دُعِيتُ إلى اللعب في فريق كرة السلّة للرجال في الألعاب الأولمبيّة. كنتُ أتمزّق من داخلي، لعِلمي بأنّ الانضمام إلى الفريق سيعدّ إشارة إلى أنّني أدعم الطريقة التي تتم بها معاملة الملوّنين في أميركا؛ وهو ما لا أؤيّده. ولكن عدم انضمامي إلى الفريق ربّما بدا كأنني لا أحبّ أميركا؛ ولكنّني أحبّها. عِوضاً عن هذا، اخترت تعليم الأطفال في مدينة نيويورك كيفيّة لعب كرة السلّة ولِم تنبغي عليهم مواصلة الدراسة والبقاء في المدرسة. كانت نتيجة قراري عدمَ اللعب هي رسالة كراهية تدعوني، من بين صفات أخرى، “زنجيّ جاحد”. تلك الكلمة “جاحد” هي مفتاح فهم غضب أولئك شديدي السخط ضد احتجاجات اللاعبين. إنّهم يريدون من اللاعبين السود أن يكونوا ممتنّين لحصولهم على مقعد على الطاولة، ومِن ثمَّ أن يتجاهلوا إخوانهم وأخواتهم الذين ليس لديهم إلّا القليل من الأمل في تحقيق هذا النوع من النجاح.

هذا النجاح الذي حقّقه بعض الرياضيّين السود له جانب مظلم في حياة الأميركيّين-الأفارقة. البعض يرى الرياضة مساراً لأبنائهم للهروب من دائرة الفقر المُغلَقة. يصبّ الآباء كاملَ طاقتهم في تدريب أبنائهم ورعايتهم ليصبحوا رياضيّين محترفين، وأحياناً ما يكون هذا على حساب تعليمهم الأكاديميّ. لكنّ احتمالات النجاح ضئيلة جدّاً لدرجة التسبّب في أضرار أكبر على مستقبل أبنائهم. وحتّى أولئك الذي يمكنهم أن يصبحوا لاعبين محترفين عادةً ما يكون مسارهم المهني قصيراً؛ بمتوسّط 3.3 سنوات في “الرابطة القوميّة لكرة القدم” NFL و4.8 في “الرابطة القوميّة لكرة السلّة” NBA – ومعظمهم لا يكسبون من ذلك المسار القصير ما يكفي للتقاعد. لا يمكننا أن نروّج للاحتراف الرياضيّ كأمل حقيقيّ بأكثر من تأييدنا “اليانصيب” كاستراتيجيّةً مهنيّة. لأجل هذا فإنّ الرياضيّين متحفّزون جدّاً للحديث من دون وجل عن الفرص غير المتساوية التي تدع الناس يائسين لدرجة التشبّث بأي أمل ولو في رهانٍ بعيد.

إنّني أحبّ الرياضة. أحبّ مشاهدة الرياضيّين يؤدّون إنجازات بدنيّة مدهشة لدرجة تجعلني أتعجّب ممّا نحن قادرون على القيام به. أحبّ مشاهدة الفِرَق تعمل معاً، وأن تتصرّف بإنكارٍ للذات، سعياً وراءَ هدف أعظم من المجد الشخصيّ. تنشّطني الرياضة وتجعلني مُفعَماً بالأمل في الإنسانيّة.

لكنّني أُفعم بالنشاط أكثر ويحدوني الأمل حين أشاهد أولئك الرياضيّين يتكلّمون بلا وجَل ضدّ المظالم، لأنّني أعرف أنهم بهذا الفعل يخاطِرون بوظائفهم التي قضوا كاملَ حياتهم يعملون لأجلها. إنّ استعدادهم للمخاطرة بكلّ شيء في سبيل إيصال صوت المستضعفين –على رغم كلّ الجهود المبذولة لإسكاتهم- يجعلني فخوراً كرياضيّ وكأميركيّ. وكما قال مارك توين ذات مرّة، فإنّ “الوطنيّة الحقّة، تلك الوطنيّة العقلانيّة، هي في الإخلاص للأمّة طوال الوقت، والولاء للحكومة حين تستحقّ ذلك”. وهؤلاء الرياضيّون الذي يتحدّثون ضد المظالم يدلّلون على إخلاصهم للدستور الذي يقتضي المساواة والإدماج، لا للمسؤولين الحكوميّين الذين يحاولون تقويض تلك المُثُل عبر إسكات منتقدي الحكومة.

كتبه كريم عبد الجبّار

هذا المقال مترجم عن صحيفة The Guardian  ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي

إقرأ أيضاً:
“لستُ خروفاً ولا مكنسة”: الشعر المتجعد وصراع تاريخي حول الجمال
المونديال يهزم ترامب وبوتين وينتصر للوثر كينغ ومانديلا

إقرأ أيضاً