هنا القصة الثالثة

بادية فحص

مقالات الكاتب

كانت محجبة وبعد انتقالها إلى بيروت ظلت محجبة

 

هذا النص هو تدوينة سيدة انتقلت من مدينتها الداخلية (الأرجح أنها في جنوب لبنان) إلى بيروت معتقدة أنها بانتقالها هذا ستتخفّف من أثقال مكان الولادة وما يمليه من أحجية وشعائر

قبل انتقالها إلى بيروت كانت تعاني من قلة التعرق، الهواء جاف في المدينة الداخلية البعيدة عن البحر، حيث كانت تعيش. الآن صارت تغرق في عرقها كمن يعيش في طشت ماء. يخرج العرق من منابت شعرها، يتمدد على طول عمودها الفقري ثم يتساقط إلى الأرض مثل قطرات المطر، يصبح جسدها من أعلاه إلى أدناه أشبه بكأس نفثت برودتها إلى الخارج، حتى مسامات وجهها صارت تقطر عرقاً.

منذ انتقالها إلى بيروت لم تتصالح مع فكرة التماس البرودة من المكيف، لاعتقادها أن الآلات لا يمكن أن تبث هذه الأنواع من اللطافة. الآلة كما انتقلت إليها المعلومة، جامدة لا تملك إحساساً جميلاً، فكيف يمكنها نقله؟ موقفها من الآلة موقف إنساني! لا يمكن للإنسان أن يستجدي حاجة ممن يتناقض مع طبيعته وإلا يصبح مع الأيام مثله، يتماهى معه. في المدينة الداخلية البعيدة عن البحر، كان الهواء لطيفا ومازال، ولا يحتاج إلى آلة ليبث إحساسا جميلا، لكن الأجواء لم تعد لطيفة، صارت مصطنعة، وكلما زارتها يمسها تيار من البرودة.

قبل أن تنتقل إلى بيروت، لم تقتن مروحة أيضاً، يذكرها هدير المروحة بهدير الطائرات المروحية المعادية. هناك تشابه لفظي بين المفردتين وتشابه صوتي أيضاً. المروحيات التي أكلت نصف عمرها، التي أشعلت رأسها شيبا، في ليالي القصف الطويلة، هديرها مازال يرن في أذنيها، يعشش في ذاكرتها. كل هدير بات يذكرها بإحساسها بالعجز عن حماية أطفالها من صاروخ قد يهبط في أية لحظة فوق رؤوسهم، بجزعها وهي تتلو كل آيات القرآن، التي تحفظها بسرعة جنونية وصوت أشبه باللهاث، علها تبعد الخطر عن سقف منزلها. “أووف”، اللعنة على هذه الذاكرة، التي تشكل الحرب كل محطاتها.

محطتان كبيرتان في التسعينيات وثالثة أكبر في منتصف الألفية الثالثة، وما بينها من حروب صغيرة متفرقة، ما زالت تتحكم بانفعالاتها وتصرفاتها، بأفعالها وبردات أفعالها، مرور عابر على أحداثها، كفيل بأن يعيد الرجفة إلى يديها، والدموع إلى عينيها، والضيق إلى أنفاسها. في تلك الأيام كانت جبانة كأي أم، لكنها كانت مجبرة على أن تكون بطلة. يوم احتفلوا بالتحرير، لم تحتفل معهم، كان التحرر يعني لها شيئا واحدا فقط، هو أن تختلف.

قبل أن تنتقل إلى بيروت، كانت محجبة، بعد انتقالها إلى بيروت ظلت محجبة. في المدينة الداخلية البعيدة عن البحر، كانت واحدة من كثيرات، في بيروت، صارت فريدة. لم يكن السفور في المدينة الداخلية البعيدة عن البحر، يعني الفرادة أو التميز. كان هناك سافرات كثيرات، لكنهن كن أكثر تحجبا منها. في بيروت تتمسك بحجابها، هو جزء من هويتها، هو كلها، تعرف نفسها به. حين تعود إلى المدينة الداخلية البعيدة عن البحر، تود لو تنزعه. يزعجها أنه يجعلها جزءا من هوية لا تحملها، لا تنتمي إليها. في بيروت، تحس أن حجابها رسالة، رغم أنها تمقت هذا المصطلح، رسالة تحرص أن تتلوها بحب وانفتاح وتفتح على الحياة ومحو لكل المنفرات.

قبل أن تنتقل إلى بيروت، وقت كانت تعيش في المدينة الداخلية البعيدة عن البحر، كانت حرة، رغم أن كل ما حولها كان يفرض عليها الرضوخ والانصياع. كانت مفرداتها مختلفة، وكانت حريتها تحرج كل من حولها. فتشوا لها كثيرا عن توصيف يطلقونه عليها، لكن قاموسهم كان بعد ضئيلا. الأحداث كانت صغيرة وواضحة وقتذاك ولا تتحمل فكرة الفرز ولا حتى تشغيل العقل. كان الموقف إما أسود وإما أبيض. لاحقا بعد وقوع الأحداث الداخلية الكبيرة وحدوث الاصطفافات، صار التوصيف سهلاً، ومفرداته كثيرة. فصارت كل يوم تحظى بصفة جديدة.

هنا في بيروت، وهناك في المدينة الداخلية البعيدة عن البحر، ستكمل حياتها، ستظل تتنقل بينهما، حريصة على الابتعاد عن كل التوصيفات والأفكار المسبقة والالتباسات. لن تبالي بالمكيفات، ولا بالمراوح، ولا بالبطولات، ولا بالانتصارات، ولا بالاصطفافات، أو بالأحرى لن تعترف بوجودها أو بالحاجة إلى وجودها، لن تتصالح مع برودة هذه الآلات والمصطلحات، رغم أن كل من حولها بارد يصطنع الدفء. ستظل تكره هديرها، وشعاراتها، وفلسفتها، والضغط التي تولده في الغرف المغلقة والعقول المغلقة. لن تغلق بابا طمعا بشعور بالراحة، لا شيء يستحق أن تغلق من أجله بابا. ستظل تشرع نوافذها وأسئلتها على كل المطلات والمطبات، وستقف ولو وحيدة على شرفات الحياة. حتى قبرها ستتطلب أن يتركوا فيه فتحة، ثقبا ضئيلا كي تنام فيه بنفس مطمئنة وقلب مفتوح.

 

 

إقرأ أيضاً