fbpx

هنا القصة الثالثة

حنان زبيس - صحافية تونسية

حنان زبيس - صحافية تونسية

مقالات الكاتب

قلق أمني في تونس والسلطة تتجاذبها الخلافات

“لا تعشقونا، فنحن لن نعيش كثيراً” هكذا كتب أحد أعوان الحرس الوطني على لافتة، بعد فاجعة فقدان 6 من زملائه، في عملية استهدفت دورية من الحرس التونسي على الحدود التونسية– الجزائرية، تبنتها كتيبة عقبة بن نافع .

بعد سنتين تقريباً من الاستقرار النسبي، يعود العنف ليضرب من جديد في تونس، مذكراً التونسيين بأن الجماعات المسلحة مازالت نشطة ومازال عناصرها مرابطين في الجبال في انتظار فرصة سانحة لزعزعة استقرار البلاد.

حصلت العملية الأخيرة في عين سلطان بمحافظة جندوبة على الحدود مع الجزائر، حينما ألقت مجموعة عبوة ناسفة على دورية الحرس، ثم فتحت عليها النار، فقتلت 6 أعوان وجرحت ثلاثة آخرين، قبل أن تلوذ بالفرار بعدما استولت على أسلحتهم.

الخطر الأمني في تونس حقيقي، وحصر الجماعات المسلحة حالياً في الجبال لا يعني أن تلك الجماعات غير قادر على الضرب بقوة

 

أحدثت العملية صدمة كبيرة لدى التونسيين: أولاً لأن الضحايا كانوا من الأعوان الشبان، الذين تتراوح أعمارهم ما بين 25 و28 سنة، وثانياً لأنها أيقظت في ذهنية الشعب التونسي ذكريات الأحداث الإرهابية الأليمة في 2015 و2016، من أحداث متحف باردو وفندق سوسة ومحاولة إقامة إمارة إسلامية في بن قردان في الجنوب التونسي.

ولا يخفى أن هذه العملية تأتي مع بداية الموسم السياحي في تونس، والذي يشهد هذا العام عودة قوية بعد ركود ساد السنوات السابقة نتيجة غياب الأمن والاستقرار، إذ من المتوقع أن يزور تونس هذا العام 8 ملايين سائح، أي بارتفاع في إيرادات قطاع السياحة بنسبة 25٪، في حين كان عدد السياح 5 ملايين و700 ألف سائح في 2016، لذلك يسود قلق من أن تلقي العملية الأخيرة بظلالها على هذا القطاع الحيوي.

“كتيبة عقبة بن نافع” المتحصنة بالجبال هي من تبنت العملية، لتعلن عن عودتها بقوة. في حين كان يعتقد أن الكتيبة تفككت، بخاصة بعد القضاء على أميرها “لقمان أبو صخر” في آذار/ مارس 2015 على يد القوات الخاصة التونسية.

من هي كتيبة عقبة بن نافع؟

نشأت هذه الكتيبة في 2012 واتخذت موطناً لها جبل الشعانبي في القصرين في المنطقة الغربية على الحدود التونسية– الجزائرية، ضمّت عناصر من “أنصار الشريعة”، التنظيم الذي تم تصنيفه إرهابياً في 2013. وانضم لها في ما بعد متشددون من الجزائر وليبيا ومالي لتكون ممثلة تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي قبل أن تبايع تنظيم الدولة الإسلامية في أيلول/ سبتمبر 2014.

كتيبة عقبة بن نافع كانت ولا تزال وراء أكبر العمليات الإرهابية في تونس، فهي المسؤولة عن حادثة ذبح 7 جنود في كمين نُصب لدورية عسكرية بجبل الشعانبي في رمضان 2013 وكذلك عن الهجوم الذي استهدف في أيار/ مايو 2014 منزل وزير الداخلية السابق لطفي بن جدو، الذي أسفر عن مقتل 4 عناصر من الحرس الوطني. الكتيبة أيضاً كانت وراء أحداث متحف باردو في آذار 2015 التي قتل فيها 22 شخصاً من بينهم 21 سائحاً أجنبياً.

اقرأ أيضاً: “الحرقة” أو الهجرة غير الشرعية في تونس: نزيف من الأرواح لا ينتهي….

ومنذ القضاء على أميرها، لقمان أبو صخر، عرفت الكتيبة تراجعاً في نشاطها وتضييقاً كبيراً عليها في الجبال من طرف القوات التونسية، إلا انها لم تختفِ تماماً. وقدّرت وزارة الدفاع التونسية عدد المنتمين إليها بـ100 مسلح.

يبقى السؤال لماذا قررت كتيبة عقبة بن نافع التحرك في هذا الوقت؟

مناخ سياسي مشحون

في بيان أصدرته بعد العملية، زعمت الكتيبة أن ما قامت به جاء رداً على دعوات إلى إفطار في رمضان و”الدفاع عن حقوق الشواذ وتقرير لجنة الحريات الذي يساوي الذكر بالأنثى”، حيث توعدت لجنة الحريات والمساواة بأن “يد المجاهدين ستطاولهم” وأنهم سيقيمون فيهم “حكم الله طال الزمان أو قصر”. جاء أيضاً في البيان أن العملية هي رسالة إلى الحكومة الحالية “لتثبيت هشاشة حكومة الشاهد العميلة التي ورثت فشل من سبقها وزادت عليه”.

بيان الكتيبة يثبت أن الجماعات المسلحة تراقب عن كثب ما يحصل على الساحة السياسية من مشكلات، بانتظار الفرصة للضرب بقوة. وقد قدمت الطبقة السياسية المتنازعة في ما بينها منذ مدة حول إقالة رئيس الحكومة من عدمه لهذه الجماعات الفرصة الذهبية التي كانوا ينتظرونها. فمنذ نهاية شهر أيار 2018، تعيش تونس على وقع أزمة سياسية خانقة نتيجة عدم اتفاق الأحزاب السياسية الأساسية في الحكم (نداء تونس والنهضة) والمنظمات الكبرى مثل الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الأعراف على تغيير الحكومة برمتها بما فيها رئيسها أو على الإبقاء عليه وإحداث تغيير جزئي. تجاذبات سياسية عطلت الحركة الاقتصادية وتسببت في مشكلات مثل نقص الأدوية وانقطاع الحليب والماء الصالح للشرب في بعض المناطق. لكن الحدث الأهم الذي أحدث بلبلة كبيرة في البلاد، كان إقالة وزير الداخلية، لطفي براهم وتعويضه بوزير العدل، غازي الجريبي الذي أصبح وزير داخلية بالنيابة، مع المحافظة على منصبه على رأس وزارة العدل. تلت هذا التعيين، حملة من الإقالات والتعيينات الجديدة في سلك الحرس الوطني، في إطار صراع سياسي بين الأحزاب الكبرى.

الحاضنة الشعبية للإرهاب موجودة، خصوصاً في المناطق الغربية والجنوبية من البلاد

 

كان إذاً من المنتظر في هذا الجو المشحون أن يحصل شيء ما خطير.

يعتبر النائب عن الجبهة الشعبية (حزب يساري في المعارضة)، عمار عمروسية، أنه من غير المعقول في بلد يواجه خطراً إرهابياً، أن يتم وضع شخص واحد على رأس وزارتين من وزارات السيادة، كما من “غير المعقول أيضاً أن تتم كل تلك التحويرات الأمنية الأخيرة دفعة واحدة! ويضيف: “إذا كان المشاركون في منظومة الحكم في تونس يعتقدون أنهم تخلصوا من الإرهاب تماماً لأنه لم يضرب منذ سنتين، فهذا خطأ سياسي فادح!”.

من جهة ثانية، يرى الباحث في الجماعات الإرهابية هادي يحمد، أن “الجماعات الإرهابية تدرك أن الهشاشة السياسية في ظل الأزمة تساعد على المزيد من النقمة الشعبية، بالتالي، فإن اختيارها هذا التوقيت بالذات ناتج عن تقديرها أن العملية الإرهابية يمكن أن تساهم أكثر في تأزيم الأوضاع وبث الشكوك في مقولة الاستقرار”.

خطر عودة الإرهابيين من بؤر التوتر

العملية الأخيرة يجب ألا تكون الشجرة التي تحجب الغابة، فتونس تواجه خطراً إرهابياً حقيقياً ومتواصلاً، بسبب عوامل كثيرة، أهمها قربها الجغرافي من ليبيا حيث لم تستقر الأوضاع حتى الآن، وما زالت الجماعات المسلحة تتناحر في ما بينها، مع وجود مناصرين لها في التراب التونسي، كما أن تونس تواجه معضلة عودة المقاتلين التونسيين العائدين من بؤر التوتر في العراق وسوريا وليبيا والذين قدّر عددهم، وفق الناطق الرسمي باسم القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، سفيان السليطي بـ160 عنصراً من جملة 2929 تونسياً انتقلوا إلى مناطق النزاع. ولكن متابعين للشأن الأمني يؤكدون أن عدد العائدين أكثر من ذلك بكثير، وأن عدداً منهم التحق بالتنظيمات المسلحة في الجبال وتحديداً بكتيبة عقبة بن نافع.

كما أن الحاضنة الشعبية للإرهاب موجودة، خصوصاً في المناطق الغربية والجنوبية من البلاد، والدليل على ذلك هو التوقيفات اليومية لا سيما للمنتمين إلى التيار السلفي وإلى المجموعات المتشددة وقد بلغ عدد التونسيين المحكومين في قضايا إرهابية 1500 سجين، وفق المصدر القضائي.

بذلك فإن الخطر الأمني في تونس حقيقي، وحصر الجماعات المسلحة حالياً في الجبال لا يعني أن تلك الجماعات غير قادر على الضرب بقوة. وعلى رغم التقدم الملحوظ عند قوات الجيش والحرس في تطوير منظومة الأمن خلال السنتين الأخيرتين، إل أن مناخ التجاذب السياسي والصراع على الحكم لا يساعدان على القضاء تماماً على الظاهرة.

اقرأ أيضاً: “فتنة” أم ثورة تحرر :تقرير لجنة الحريات في تونس يثير الجدل

إقرأ أيضاً