fbpx

هنا القصة الثالثة

ياسين طه - صحافي عراقي

ياسين طه - صحافي عراقي

مقالات الكاتب

قطعت ايران الكهرباء عن العراقيين فانتعشت العلاقات مع الكويت والسعودية

عاد الوفد العراقي من طهران برئاسة وزير الكهرباء قاسم الفهداوي، خائباً بعد أن فشل في إقناع الجانب الإيراني، باستئناف تزويد العراق بالطاقة الكهربائية. وبعد ساعات من نشر خبر فشل الزيارة أُعلن في بغداد توجه وفد إلى السعودية للغرض نفسه. خطوة حملت في ثناياها رداً مبطناً على الجفاء الإيراني في نجدة حلفاء طهران من العراقيين وتحديداً المحافظات الجنوبية المحاذية للحدود الإيرانية في لهيب صيف حارق وفي وقت حرج للغاية.

وساهم قطع الخط الإيراني الذي يشكل نحو 6% من إمدادات الطاقة العراقية، في زيادة ساعات قطع الخدمة عن محافظات جنوب العراق ذات الأغلبية الشيعية، في وقت تصدر عدد منها قائمة المناطق ”الأعلى حرارة في العالم“، وفق نشرات الطقس الأميركية التي صنفت البصرة وميسان في مقدمة المناطق الحارة بعد أن تجاوزت معدلات الحرارة فيهما نصف درجة الغليان (50 درجة) لأيام عديدة.

تشير الرواية العراقية الرسمية إلى أن إيران تبرر امتناعها بعدم التمكن من معاودة تزويد العراق بالطاقة لحاجات طهران الداخلية المتزايدة. لكن وزير الطاقة الإيراني رضا أردكانيان، أشار إلى “شروط في العقد المبرم بين الطرفين، الى بجانب حاجة إيران الداخلية إلى الكهرباء”، دون تقديم توضيحات أكثر في تصريحات نقلتها وكالات فارسية. تلك التصريحات فتحت الباب أمام تكهنات بعدم التزام العراق بسداد المستحقات المتراكمة والتي تجاوزت مليار دولار بحسب تسريبات، بسبب الضائقة المالية، والحرب ضد داعش، وصعوبات إيصال العملة الصعبة إلى الجانب الإيراني في ظل القيود المفروضة على إيران. هذه العوامل كلها  أدت إلى عجز الشركة الإيرانية الناقلة “تافانير” عن سداد الديون المستحقة لشركات الكهرباء الإقليمية. كما تواجه الشركات المتعاقدة معها “بهبهان” و”منشهر” و”دلاهو”، التي تزوّد العراق بالطاقة، صعوبات في دفع رواتب عمّالها ومشاكل في الصيانة بسبب تقصير “تافانير” في تسديد المستحقات. لكن الجانب العراقي المتمثل بوزارة الكهرباء العراقية، اتهم وعبر المتحدث باسم الوزارة مصعب المدرس، إيران بعدم الالتزام بالعقد. واعتبر المدرس قرار التوجه نحو السعودية، والتواصل مع الكويت لتأمين 30 ألف متر مكعب من الكازاويل لمحطات البصرة، بمثابة “غصة” من التصرف الإيراني الذي ترك المواطن العراقي في لهیب تموز الحارق، وتسبب بتسريع وتيرة الاحتجاجات المطلبية المتراكمة التي شكلت تهديداً جدياً على النظام السياسي، بسبب محاصرة مرافق ومنشآت إنتاج النفط والمطار والطرق الرئيسية التي تربط المحافظات ببعضها.

توحي المؤشرات وقراءة مجريات الاحتجاجات بأن إيران كانت سبباً في اندلاع التظاهرات، عبر قطع الطاقة، لكنها ليست محركها، نظرا لتعرض أحزاب متحالفة معها للاستهداف وتنامي المشاعر المعادية ضدها وسط السكان الشيعة، وتوجه العراق نحو السعودية كوجهة بديلة، واتاحة الفرصة للكويت للتباهي عبر مانشيتات صحفها شبه الرسمية بأنها تضيء ظلام العراق

ومابين التبرير الإيراني والعتب العراقي الرسميين، ذكرت مصادر مقربة من الحكومة العراقية أن المعضلة تتعلق بمشاكل تحويل مستحقات الطاقة من العراق الى الجانب الإيراني بسبب القيود الأميركية المفروضة على طهران، وعدم تمكن بغداد عن سداد المستحقات بالدولار. في المقابل رفضت إيران استلام العملة الوطنية العراقية ”الدينار” بسبب وجود مشاكل في تحويلها إلى الدولار وعدم صلاحيتها للتعامل الدولي، وسط تسريبات تتحدث عن عدم قبول أي مصرف دولي لتحويل اليورو من بغداد إلى طهران في اتصالات أجريت لهذا الغرض، بسبب الخوف من الوقوع في فخ خرق تشديد القيود الأميركية المفروضة على إيران منذ فترة.

وخارج هذه التعقيدات المالية، يُحمّل آخرون الحكومة العراقية مسؤولية الاتكال على إيران والإخفاق في معالجة مشاكل الطاقة، حيث ذكر خبراء أن ما تم تحويله لإيران خلال الفترات الماضية من مبالغ مالية تكفي  لبناء 10 محطات غازية توفر للعراق 3000 ميغاواط. ويصل إنتاج وزارة الكهرباء العراقية الى نحو 15 ألفًا و700 ميغاواط/ ساعة، من الكهرباء، من أصل حاجة تبلغ نحو 25 ألف ميغاواط/ ساعة من الطاقة. ويبلغ عدد الموظفين 120 ألفاً، يقودهم وزير، يسانده 50 مدير عام و 3 وكلاء، موزعين على 12 مديرية، يتقاضون رواتب هي الأعلى مقارنة بباقي الوزارات بالرغم من وجود الكثير منهم دون عمل فعلي أو في وظائف مكتبية زائدة عن الحاجة. وتسبب الفساد في هذا القطاع بعدم حل معضلة الطاقة رغم المبالغ الفلكية التي رصدت للكهرباء منذ 2003 في الموازنات العراقية، والتي تتراوح ما بين 30 الى 40 مليار دولار بحسب الأرقام الرسمية المعلنة.

وبين جدل حول تعقيدات تحويل المستحقات ونقد الذات بسبب الإخفاق في حل المشكلة، يغلي الشارع المنتفض. هناك شعور عارم بأن “الجمهورية الإسلامية” خذلت العراقيين في لهيب تموز/يوليو، فصب متظاهرون جام غضبهم على صور الزعيم الإيراني الخميني المنتشرة في البصرة، وعبر متظاهرون في ديالى وسط العراق عن استياءهم من قطع الكهرباء عنهم، وسط تذكير آخرين بأن إيران استعملت العراق كمنفذ وفتحة واسعة لمنتوجاتها الرديئة طيلة السنوات السابقة بصادرات تبلغ قيمتها 6.5 مليار دولار، مقابل صادرات عراقية لم تتجاوز 60 مليون دولار، لكنها تمتنع عن تزويده بالطاقة حينما يحل لهيب تموز/يوليو المعروف شعبياً في العراق بـ “طباخات التمر”.

وتتهم أوساط عراقية طهران بمحاولة صرف الانظار عن قضيتها عبر افتعال ازمة الطاقة في العراق، فيما يعتقد آخرون أن الخطوة الايرانية التي أججت الغضب في البصرة المنتجة للنفط، جاءت رداً على محاولة تضييق الخناق على نفط طهران، وترجمة لتهديدات روحاني الأخيرة. هناك تفسيرات ثالثة تلخصها بمحاولة خلق مشاكل للحكومة المنتهية ولايتها، وقطع الطريق على رئيسها ابراهيم العبادي لاستلام ولاية ثانية عبر تحميله مسؤولية ضعف الخدمات المقدمة.

توحي المؤشرات وقراءة مجريات الاحتجاجات بأن إيران كانت سبباً في اندلاع التظاهرات، عبر قطع الطاقة، لكنها ليست محركها، نظرا لتعرض أحزاب متحالفة معها للاستهداف وتنامي المشاعر المعادية ضدها وسط السكان الشيعة، وتوجه العراق نحو السعودية كوجهة بديلة، واتاحة الفرصة للكويت للتباهي عبر مانشيتات صحفها شبه الرسمية بأنها تضيء ظلام العراق، رغم الدعاية الإيرانية المستمرة التي تشدد على أن العراق وإيران جسدان يتحكم بهما روح واحد.  

وفي حال إتمام  أي صفقة مع الرياض فانها ستشكل مكسباً مهماً للسعودية التي تسعى للانفتاح على العراق منذ فترة بكل الوسائل، وتسعى لكسر الطوق الإيراني المفروض على المجتمعات الشيعية، كما تضع الصفقة المرتقبة حلفاء طهران في العراق المنتشرين في طول البلاد وعرضها في حرج، لأنهم أثنوا كثيراً على وقوف ”الجمهورية الإسلامية“ مع مآسي ومحن الشعب العراقي في كل مرحلة، ويمكن أن تفتح صفقة الكهرباء المرتقبة مع الرياض، واستمرار التواصل مع الكويت بهذا الصدد، الباب أمام مراجعة خطط استيراد الغاز الباهض الثمن من إيران التي تكلف الدولة العراقية 11.23 دولاراً لكل ألف قدم مكعب، مقارنة بـ 6.50 دولارات تدفعها أوروبا لواردات الغاز الأكثر بعداً من روسيا، وذلك عبر مساعدة الولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين، بغداد على الاستخدام الأفضل لما يقدر بـ 565 مليون قدم مكعب من الغاز المحلي الذي تهدره حالياً كل عام من خلال إحراقه، بدل استيراد الغاز من جارته الشرقية بتكاليف مرتفعة.

 

إقرأ أيضاً