fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

مقالات الكاتب

قصّة التحوّل الجنسيّ في تركيا

كايا جِنش

في ليلة 27 أيلول (سبتمبر) 2017، التقى دِرين أويلوم، طالب التصميم الغرافيكيّ التركيّ وابن العشرين الذي يعيش بدايات تحوّله من أنثى إلى ذكَر، صاحبته أيمِن، في مدينة صغيرة من إيجه، بتركيّا، حيث يعيشان. الاثنان تسلّقا جبلاً واستمتعا بمنظر الحقول الخضراء وتحدّثا عن علاقتهما. لكنْ بعد 15 دقيقة ظهر شقيق أيمِن على درّاجته الناريّة، وهنا، كما يقول دِرين، طرحه أرضاً ورفسه عدّة مرّات في وجهه ونطحه مرّتين وصدّع خدّه الأيمن.
“هل أنتما حبيبان؟”، سأل المهاجم فيما كان يضغط على دِرين الذي بات يصعب عليه التنفّس. لقد سمّاه سحاقيّاً، وتلفن لوالد أيمِن طالباً مساعدته. بعد نصف ساعة وصل الأب الذي بدأ يلكم دِرين على وجهه، ويهدّده بالاغتصاب كما يدفعه باتّجاه حافّة الصخرة. ولحسن الحظّ حالت الشجيرات التي على الصخرة دون سقوطه.
لقد كان الهجوم وحشيّاً، لكنّه لم يكن بأيّ حال من الأحوال عملاً منعزلاً. ففي بلد غالباً ما يُحكم رجاله ونساؤه بأدوار جندريّة صارمة، فإنّ أصحاب الهويّات الجندريّة التي تعاكس جنسهم المعيّن لهم، أو الذين يتحوّلون من جندر إلى آخر، يمكن أن يكتشفوا أنّ خطراً عظيماً يحيق بحياتهم.
وفي تركيا، وفقاً لمنظّمة أوروبا العابرة للجندر، توجد النسبة الأعلى في القارّة من قاتلي المتحوّلين جندريّاً. لقد أفيد بحصول 44 حالة منذ 2008. كذلك هناك تمييز واسع الانتشار: في السنوات الثلاث الماضية، مُنع متحوّلون جندريّاً من دخول أحد الفنادق بسبب الشكّ بالبغاء، كما مُنعوا من دخول غرف المنامة الجامعيّة، ورُفض تشغيلهم لدى كاتب عدل في أنقرة، كما في مقهى يقدّم الشاي، ولم يُسمح لهم بركوب حافلة نقل عامّ في اسطنبول. أمّا مؤجّرو البيوت فغالباً ما يطلبون منهم ضعف الإيجار العاديّ، ونسبة 71 بالمئة من الذين تُجرى معهم مقابلات قبل التأجير يُسجنون مرّة على الأقلّ، بحسب دراسة تناولت فترة 2015-2016.
وثمّة اتّجاه مقلق آخر يتمثّل في الانتحارات التي تضرب الأتراك الذين يتحوّلون من جندر إلى آخر. والميتتان اللتان حصلتا مؤخّراً وأصابتا متحوّلاً في السابعة عشرة يعمل في الكيك بوكسنغ [رياضة تجمع بين الملاكمة والكاراتيه-المترجمة] ومتحوّلاً آخر في الثالثة والعشرين هو عامل حبّ، خضّتا تركيّا، والاثنان قتلا نفسيهما بعد توجيههما رسائل إلى المجتمع تُخبر عن موتهما الوشيك. وقد أصبح كثيرون من الأتراك على بيّنة من المصاعب التي يعانيها المتحوّلون بعدما رأوا عبارات بهذا المعنى على تويتر وفيسبوك، كما احتجّ بعضهم تضامناً معهم.
والحال أنّ غموضاً ما يعرّف المواقف التركيّة من المثليّين ولابسي الثياب التي يُفترض أنّها لجنس آخر وذوي الهويّة الجندريّة المتأرجحة، وهذا ما يعود إلى زمن أسبق كثيراً من تأسيس الجمهوريّة التركيّة في 1923. فالعثمانيّون تسامحوا مع المثليّة في الأمكنة العامّة على رغم توصية القرآن: “أتأتون الذُّكَران من العلمين وتَذّرون ما خلق لكم ربّكم من أزواجكم بل أنتم قومٌ عادون” (26: 165-6).
وفي حلب، في ظلّ الحكم العثمانيّ، لم يؤتَ إلى المحكمة الشرعيّة إلاّ برجل واحد بتهمة اللواط. وقد أًجبر هذا الرجل على ترك حيّه لكنّه لم يُعاقَب أيّ عقاب آخر. وفي القرن التاسع عشر، حلّت نسخة معلمنة من الشريعة باتت تُعرف بالقانون المدنيّ، وفي 1858 لم يعد اللواط محرّماً. وفي اللغة التركيّة ليست الضمائر مُجندرة، وحينما كتب منارات الشعر العثمانيّ قصائدهم عن صبيان جميلين، لم يفهم القرّاء عن أيّ جندر يتحدّث الشعر. هكذا غدا نزع التشفير المرجعيّ الذي يدلّ إلى المحبوبين الذكور واحداً من ملامح الشعر العثمانيّ.

والحال أنّ غموضاً ما يعرّف المواقف التركيّة من المثليّين ولابسي الثياب التي يُفترض أنّها لجنس آخر وذوي الهويّة الجندريّة المتأرجحة، وهذا ما يعود إلى زمن أسبق كثيراً من تأسيس الجمهوريّة التركيّة في 1923. فالعثمانيّون تسامحوا مع المثليّة في الأمكنة العامّة على رغم توصية القرآن: “أتأتون الذُّكَران من العلمين وتَذّرون ما خلق لكم ربّكم من أزواجكم بل أنتم قومٌ عادون” (26: 165-6).
وفي حلب، في ظلّ الحكم العثمانيّ، لم يؤتَ إلى المحكمة الشرعيّة إلاّ برجل واحد بتهمة اللواط. وقد أًجبر هذا الرجل على ترك حيّه لكنّه لم يُعاقَب أيّ عقاب آخر.

في القرن السادس عشر كانت القصائد التي تُسمّى شيهرينغِز (أعمال أدبيّة مدينيّة) تسجّل حيوات الفتيان الجميلين في مختلف المدن، ولم يكن التمايز الطبقيّ مهمّاً: فأبناء اللحّامين وصانعي الحلاوة والمؤذّنين، وآخرون سواهم، ذُكروا كلّهم في نثر إيروسيّ حيال الذكور. أمّا الحمّامات وأمكنة الإقامة العابرة للمسلمين فكانت مواضع مقصودة شعبيّاً من المثليّين.
في غضون ذلك فإنّ البَلاط العثمانيّ، الذي منع النساء من الرقص على خشبة المسرح، وجد ما يُحييه في ذكور عُرفوا بـ ” كوتشِك” ممّن كانوا يلبسون ثياباً يُفترض أنّها لجنس آخر. هؤلاء كانوا يُنشَّأون على نحو يؤهّلهم، في انتظار أن يفقدوا جمال صباهم، أن يؤدّوا [أدوارهم] وهم يلبسون زيّاً نسائيّاً. وإذ دعمهم السلاطين، فقد تولّت الفِرق [الفنّيّة] نشر هذا التقليد في المدن الأخرى وبين الفئات الأفقر. وفي بواكير القرن التاسع عشر حظي الراقصون الذين يلبسون ثياباً يُفترض أنّها ليست لجنسهم بموقع جذّاب في حانات اسطنبول. ووفقاً لرشاد أكرم كوتشو، المؤرّخ الشعبيّ لإسطنبول، كانت لكلّ حانة في المدينة كوتشِكُّـ ـها: “بعض الكوتشك جاؤوا من الجزر اليونانيّة، لا سيّما كيوس، وبعضهم كانوا صبياناً غجريّين تربّوا في بيوت الإقامة العابرة في اسطنبول. أسماء أولئك الصبيان باتت اليوم منسيّة، لكنّ أسماء الكنية التي أعطيت لهم لم تُنسَ”. وكان بين الأشهَر من هؤلاء الصبيُّ الغجريّ اسماعيل، الذي عُرف في اسطنبول بـ “ذي النمش”. وشمل الكوتشك الآخرون الذين اشتهروا “الجمال المصريّ” و”الكناري” و”ضوء القمر”. والكوتشك، بحسب المؤرّخ مِتين أند، “لبسوا تنانير وقلّدوا البنات في المظهر وفي السلوك معاً، لكنّهم كانوا أحياناً يؤدّون كرجال، فيلبسون القمصان والقبّعات المخروطيّة”.
وكان الإنكشاريّون، وهم نخبة المشاة بين القوّات التابعة مباشرة للسلطان، يستمتعون بمشاهدة الكوتشك في المقاهي، وكانوا يتقاتلون في ما بينهم أحياناً متنافسين على أعطياتهم الجنسيّة.
وبدوره أقام القانون العثمانيّ تمييزاً صريحاً بين الجنسين، لكنّنا حين نراجع تواريخ اسطنبول تطالعنا أحياناً إشارات إلى رجال صلبين، حسني البُنية وذكريّي المظهر، إلاّ أنّ رجالاً أقلّ فحوليّة يدخلونهم. ذاك أنّ التوجّهات الجنسيّة يمكن أن تتعدّل لساعات قليلة من المتعة، فيما السيولة الجندريّة ليست قليلة الشيوع.
في أواخر القرن التاسع عشر، ومع تسارع تغريب الثقافة العثمانيّة، أصبحت المثليّة الجنسيّة والسيولة الجندريّة بين الرجال الأتراك مشكلة في نظر التحديثيّين. فالتغريب، في شكله القوميّ والعضليّ والألمانيّ، تسلّل من خلال الجيش العثمانيّ إلى تركيّا، وذلك في ما يشبه التحديث العسكريّ الذي عرفته اليابان. فـ “الأمّة المسلّحة”، وهي الأطروحة التي تدافع عن زيادة التورّط العسكريّ في الحياة العامّة، أصبحت شعبيّة في الأكاديميا العسكريّة المَلكيّة، وذلك بعد أن تولّى صاحبها كولمار فرايهرّ فون دِر غولتز تدريب الضبّاط العثمانيّين هناك ما بين 1883 و1895. وهي أثّرت في تفكير الجنود المحترفين الشبّان، بمن فيهم أنور باشا، قائد ثورة تركيّا الفتاة في 1908، التي أرست أسس الجمهوريّة التركيّة(1). ففي ظلّ التأثير الأوروبيّ، حُمل الأتراك على الظنّ أنّهم إنّما يتسامحون مع أعمال متفسّخة، بل جرميّة، في بلادهم، وشرع يتشكّل رُهاب المثليّة الجنسيّة.
لقد كره مؤسّسو تركيّا الحديثة وقائدهم التحديثيّ، مصطفى كمال أتاتورك، التساهل العثمانيّ في ما خصّ الجنس، وهو ما اعتبروه نكوصيّاً وغير أوروبيّ.
وفي كتابها “رغبات جديدة، نفوس جديدة”، تستكشف غُل أوزيغِن، وهي بروفيسور مشارك لعلم الاجتماع والجندر في كليّة وليم وماري، التغييرات التي عرفتها المواقف التركيّة حيال الجنس في مطالع القرن العشرين، وهي تستشهد بالمؤرّخ الكماليّ الذي وصف الإمبراطوريّة العثمانيّة بأنّها “محكومة بالمتعة وفساد الأمزجة، [و] عالِم لا يعترف بأيّ حدود أخلاقيّة… [وأنّها] حيّز من فساد المزاج حيث يرتكب السلاطين الشرِهون والفاسقون كلّ أنواع الأعمال القبيحة بما فيها المثليّة الجنسيّة”(2).
لقد صمّم التحديثيّون الأتراك الجمهوريّة كمكان تكون فيه الهويّات الجندريّة صارمة وعديمة الغموض: فالمرأة القويّة [هي التي] تكرّس حياتها للعائلة وللرجل الرياضيّ الذي يعمل لمصلحة الأمّة. ويزعم مُعدّو “هويّات مُجندرة”، وهو مجموعة مقالات عن الجندر والجنسانيّات في تركيّا، أنّ الأبويّة وصرامة التعريف الجندريّ وَسَمَتا تركيّا الحديثة وعرّفتا مبادئها التأسيسيّة. فهم كتبوا أنّ “نظام المواطنة المجندر” في تركيّا هو المسؤول عن وضع “المتحوّلين جنسيّاً في أسفل البناء المجتمعيّ، وذلك في سياق من العقليّة الداروينيّة الاجتماعيّة”(3). ووفقاً للكتّاب، اعتبر إيديولوجيّو تركيّا الجمهوريّة أنّ مَن يلبسون ثياب الجنس الآخر هم بقايا ثقافة ميّتة، وأنّ الكوتشك اضطروا إلى الاختباء في مطالع القرن العشرين. لقد هدّدتهم العائلة التركيّة المؤمثلة، التي كانت نواتيّة وقوميّة وثنائيّة الجنس، بأقلّ ممّا هدّدهم قرار الجمهوريّة بإدارة الظهر للثقافة العثمانيّة التقليديّة. وعلى امتداد القرن العشرين، مضى الراقصون الكوتشك يؤدّون في أجواء خاصّة، وأمام حضور قليل، في بعض شقق المدن الشرقيّة من تركيّا. فثنائيّة العامّ – الخاصّ في الشأن الجنسيّ في تركيّا، إنّما أدخلتها، بحسب أوزيغِن في “رغبات جديدة، نفوس جديدة”، الإيديولوجيّات الجمهوريّة المبكرة التي طالبت النساء بأن يكنّ أمّهات مستنيرات في البيوت، لكنْ في الحياة العامّة، مدافعاتٍ متشبّهات بالذكور عن الدولة التركيّة ومؤسّساتها الأبويّة. وفي غضون ذلك، بات على الرجال أن يكونوا المواطنين النموذج في ملابسهم المتغرّبة وسلوكهم الأوروبيّ. ففقط عبر اجتثاثهم التخنّث والتحلّل، يصبح الأتراك ذكوراً ومستقلّين وغربيّين.

وفي كتابها “رغبات جديدة، نفوس جديدة”، تستكشف غُل أوزيغِن، وهي بروفيسور مشارك لعلم الاجتماع والجندر في كليّة وليم وماري، التغييرات التي عرفتها المواقف التركيّة حيال الجنس في مطالع القرن العشرين، وهي تستشهد بالمؤرّخ الكماليّ الذي وصف الإمبراطوريّة العثمانيّة بأنّها “محكومة بالمتعة وفساد الأمزجة، [و] عالِم لا يعترف بأيّ حدود أخلاقيّة… [وأنّها] حيّز من فساد المزاج حيث يرتكب السلاطين الشرِهون والفاسقون كلّ أنواع الأعمال القبيحة بما فيها المثليّة الجنسيّة”(2).

وفي ظروف كهذه، كان لا بدّ من سحق علامات السيولة الجندريّة لما فيه مصلحة الأمّة. وطوال القرن العشرين، اندمجت الأبويّة التركيّة مع الوصائيّة الأبويّة لتـتصلّبا في “إجماع جندريّ”.
لقد مرّت الهويّات المثليّة والعابرة للجندر في التاريخ التركيّ في مراحل ثلاث. في ظلّ العثمانيّين، كانت التمييزات الجندريّة سيّالة، وفي ظلّ القوميّين العسكريّين، بات الجندر يُحدَّد بصرامة تبعاً للنموذج الغربيّ الحديث، وفي ظلّ رجب طيّب إردوغان، رئيس الحكومة من 2003 حتّى 2014 ورئيس الجمهوريّة الحاليّ، صار ذاك الخليط من المحافظة والتسامح العثمانيّ الجديد حيال السيولة الجندريّة أمراً شائعاً. ففي “تركيّا الجديدة”، كما يسمّيها غالباً إردوغان، أصبحت جمهرة المتحوّلين والمثليّين مرئيّةً أكثر: LGBTI News Turkey
هو موقع ألكترونيّ يوفّر ترجمات إنكليزيّة ومصادر عن الـ *LGBTI الأتراك، ويذكر أسماء 58 منظّمة معنيّة بالموقع، وفي Time Out Istanbul قسم حيويّ يورد الأحداث الأسبوعيّة المتعلّقة بالـ LGBTI وهذا يجعلهم بالتالي أقلّ مناعةً. وبين وقت وآخر، يتولّى سياسيّون أبلسة المتحوّلين والمثليّين الأتراك، كما يحصل في روسيا بوتين: فالوزيرة السابقة لشؤون المرأة والعائلة عليّة كفاف سمّت المثليّة الجنسيّة “وباء” في 2010، وفي 2015، قال رئيس الحكومة السابق أحمد داوود أوغلو أنّ مثليّي الجنس “سبّبوا دمار قوم لوط”.
في غضون ذلك بقي موقف إردوغان من المتحوّلين والمثليّين الأتراك غامضاً على نحو مثير للفضول. فقبل وصوله إلى السلطة، وعد بالليبراليّة والمساواة الجندريّة، كما تعهّد بوقف التمييز ضدّ الأتراك الـ
LGBTI.
وبالفعل بدأت حقبة إردوغان بداية واعدة في 2003، وإبّان سنواته الأولى في السلطة، كان ناقداً مرتفع الصوت للتحديث التركيّ الأبكر، فتعهّد قلب المرتكزات القوميّة للبلد، وصدّقه ودعمه كثيرون من الأتراك الليبراليّين. ففي رأيهم أنّ إردوغان يمثّل تغييراً عن ذوي النزعة العسكريّة الحديثة: فهو يملك القدرة على تحويل الهويّة الجمهوريّة الأبويّة التي لم تسمح بالسيولة الجندريّة وبالهويّة الجنسيّة غير الثنائيّة، إلى جانب باقي القيم التي نظر إليها الإيديولوجيّون الجمهوريّون المُبكرون كتهديد للطابع القوميّ لتركيّا.
في 2003، سمح إردوغان بمسيرة الفخر المثليّة في اسطنبول، والتي جرت للمرّة الأولى محاولةُ إقامتها عام 1993 لكنّها قُمعت. في 2003، حضر المسيرة ثلاثون شخصاً، لكنّ الأرقام كبرت: خمسة آلاف في 2010، وعشرة آلاف في 2011، وعشرون ألفاً في 2012، وخمسون ألفاً في 2013، وتسعون ألفاً في 2014. وباستخدامه لغة الصراع ضدّ هويّة تركيّة متجانسة، خفّف إردوغان أيضاً بعض الطابع الأبويّ للجمهوريّة التركيّة. فقد ألغى احتفالات القسَم حيث يُجبر تلامذة المرحلتين الابتدائيّة والمتوسّطة على إعلان أنّهم “أتراك مستقيمون وعاملون بجدّ”، كما تخلّص من المنع المفروض على اللغة الكرديّة وبدأ عمليّة سلميّة مع المتمرّدين المسلّحين الكرد. لكنّ ثلاثة ملايين ونصف المليون من الأتراك، ومنهم عدد مُعتَبر كان يتّهم إردوغان بخيانة المثالات الجمهوريّة، شاركوا في احتجاجات مناهِضة للحكومة صيف 2013، بحيث أدرك أنّ موقفه النقديّ من الهويّة القوميّة لتركيّا الحديثة إنّما يكلّفه أصواتاً انتخابيّة. وبالفعل ففي شتاء تلك السنة، وجّهت الحكومة التركيّة ضربتها للمسيرات العامّة، وبدأ إردوغان يغيّر ببطء سياساته. وهو في خطاباته، طرح صياغة جديدة للقوميّة التركيّة، بما ساعده على استعادة أصوات القوميّين الذين أزعجتهم محاولاته لتغيير الهويّة التركيّة.

ولا تزال اغتيالات المتحوّلين تتسبّب بغضب واسع، وهو ما كانته حالة هندِ قادر، الناشطة المتحوّلة وابنة الثالثة والعشرين التي عُثر عليها مغتصَبَةً ومشوّهةً ومحروقةً على طرف إحدى الطرق في آب (أغسطس) 2016(5). أمّا القيود على التجمّعات العامّة ومسيرات الاحتجاج فهي اليومَ القاعدةُ، لا الاستثناء.

فالأتراك على ضفّتي الانقسام الجمهوريّ – الإسلاميّ هم غالباً محافظون اجتماعيّاً، وهكذا كان لنبرة إردوغان الأبويّة الجديدة أن أعانته على زيادة الدعم الشعبيّ لسياساته إلى درجة بعيدة.
وترتّبت على هذه السياسة الجديدة نتائج مخيفة لعابري الجندر المقيمين في تركيّا. ففي 19 حزيران (يونيو) 2015، مُنعت مسيرة فخر لمتحوّلي الجندر، وهاجمت شرطة مكافحة الشغب ناشطي LGBTI
ورشّت عليهم رذاذ الفلفل الحارّ. وفي 28 حزيران من ذاك العام، استخدم رئيس بلديّة اسطنبول شهر رمضان الإسلاميّ كذريعة لإلغاء مناسبة فخر المثليّين. وفي أنقرة وإزمير (إحدى أكثر مدن تركيّا ليبراليّة) فُرض حظر شامل على مسيرات الفخر.
إنّني أعيش في وسط اسطنبول حيث تُجرى احتفالات الفخر، وقد لاحظت أنّ قمعها يندرج في نمط محدّد. فحين حُرّمت احتفالات الأوّل من أيّار (مايو) للعامين الماضيين، سدّت الشرطة المداخل إلى ساحة تقسيم، وباتت الشاحنات المسلّحة تحرسها، كما بات نحو من عشرة شرطيّين لمكافحة الشغب يحرسون كلّ واحد من الشوارع. وفي 26 حزيران 2016، منعت الحكومة ثانيةً احتفالات الفخر، وبعد 19 يوماً، نفّذ عناصر من الجيش التركيّ محاولة انقلاب فاشلة ضدّ إردوغان، ومع إعلان حال الطوارىء في 21 تمّوز (يوليو) 2016، استحوذت الحكومة التركيّة على سلطات إضافيّة لا تتيح لها قمع احتفالات الفخر فحسب، بل سائر المسيرات العامّة.
وحتّى 2014، كانت عمليّات تغيير الجنس امتيازاً لا يقدر عليه إلاّ الأتراك الأغنياء. فالمتحوّلة جنسيّاً الأشهر في تركيّا، بولنت إرسوي، أجريت لها العمليّة وهي في الثامنة والعشرين، وذلك بعدما أصبح [إذ كان لا يزال ذكراً-المترجمة] سوبرستار الموسيقى الكلاسيكيّة التركيّة، فضلاً عن كونه ممثّلاً سينمائيّاً. لقد ولدت في 1952، وفي السبعينات بدأت عمليّاتها للعلاج بتغيير الهرمونات. في 1980، اعتُقلت واستمرّ احتجازها 45 يوماً بعد إجرائها عمليّة لتكبير نهديها وإظهار صدرها خلال حفل فنّيّ، فما أن أطلق سراحها حتّى كانت عمليّة تغيير جنسها، من ذكر إلى أنثى، في لندن.
لقد منعت الطغمة العسكريّة بعد تسعة أشهر على انقلابها العسكريّ في 1980 كلّ ظهور للمتحوّلين جندريّاً في مجالات الترفيه وعلى التلفزيون، لكنّ إرسوي جادلت بأنّ المنع لا ينطبق عليها كامرأة. فحين رفضت إحدى المحاكم قبول عريضتها، رفعتها إلى المحكمة العليا التي رفضت بدورها استئنافها. هكذا نفت نفسها إلى ألمانيا حيث اختلطت بالأكراد والشيوعيّين من ضحايا الطغمة العسكريّة، ومثّلت في أفلام تركيّة – ألمانيّة وأصبحت متمرّدة معروفة.
في أعقاب قصّة إرسوي، فقد معظم الأتراك المتحوّلين جندريّاً، وخصوصاً أولئك العاملين في فنّ الترفيه، وظائفهم. كثيرون منهم دُفعوا إلى البغاء كي يكسبوا عيشهم، وأصبح اضطهاد المتحوّلين واغتصابهم في مراكز الشرطة خبراً يوميّاً.
في 1988، أقدم حزب الوطن الأمّ النيوليبراليّ، لتورغوت أوزال، على إصلاح القانون المدنيّ لتركيّا بما يسمح للأتراك الذين أجروا عمليّات تغيير للجنس أن يغيّروا جندرهم شرعيّاً في وثائق ولاداتهم(4)، واحتفل المتحوّلون بالخبر كما عادت إرسوي إلى الوطن، وعلى مدى التسعينات تعاظمت شهرتها كما أصبحت عمليّتها الجراحيّة من المعارف الشائعة. وفي شباط (فبراير) 2014، وجّه معهد الأمن الاجتماعيّ رسالة إلى كافّة المستشفيات الحكوميّة يأمرهم فيها إجراء عمليّات التغيير الجنسيّ مجّاناً. كذلك بات العلاج النفسيّ والعلاج بتغيير الهورمونات مجّانيّين، إلاّ أنّ ثمّة مشكلات ظلّت قائمة. فإحدى النساء المتحوّلات التي أجريت معها مقابلة في “المتحوّلون جنسيّاً في تركيّا”، وهي إحدى المقالات التي ضمّها كتاب “هويّات مُجندرة”، تذمّرت من أنّ “أبواب المؤسّسات العامّة والقطاع الخاصّ مغلقة في وجوهنا”، وفي 25 كانون الثاني (يناير) 2018، اعتُقلت دِرِن كوشكون، وهي امرأة تركيّة متحوّلة، بتهمة “الدعاية لمنظّمة إرهابيّة”، وقد باشرت إضرابها بالامتناع عن الطعام دفاعاً عن حقّها في الحصول على إزالة الشَعر باللايزر في سجنها. وبدوره أعلن البرلمان الأوروبيّ في قرار مرّره يوم 5 شباط 2018 أنّ هذه المسألة تُسبّب له “قلقاً عميقاً”، داعياً “المؤسّسات المختصّة أن تضمن صحّتها وحُسن وضعها”. وفي الشهر نفسه انضمّ ناشطان متحوّلان إلى إضرابها عن الطعام دعماً لها، وصار هاشتاغ “دعوا دِرِن تعش” موضوعاً رائجاً على تويتر في تركيّا.
وتُعدّ كاوس ج ل، التي تقدّم الاستشارة القانونيّة مجّاناً لكثيرين من المتحوّلين الأتراك، أقدم منظّمات
LGBTI
في تركيّا. ويقول أوموت غونر، أحد مؤسّسيها، أنّه فخور بمدى منظوريّة الحركة، خصوصاً بالقياس إلى 1994، حين ولدت كاوس ج ل، وحين كان المثليّون والمتحوّلون الأتراك يفتقرون إلى أيّة وسيلة للحصول على معونة قانونيّة. وغونر شخص مرِح وملتحٍ وقصير وبدين، وغالباً ما يتبسّم. مع هذا، فهو قلِق من المستقبل بالنظر إلى ما يسمّيه “السياسة الجديدة للقمع” التي بدأت في 2015، سنة تجريم احتفالات الفخر: “إنّني قلِق لا على حقوق الـ
LGBTI
في تركيّا فحسب، بل على الحقوق الإنسانيّة التركيّة عموماً”.
وقد تناول تقرير أصدرته منظّمة العفو الدوليّة عدم اكتراث الحكومة تجاه منع التمييز الحكوميّ، ونقص الحماية القانونيّة من التمييز ضدّ المتحوّلين في مجالات الإسكان والعمالة باعتبارها العقبات الأساسيّة لـ
LGBTI
الأتراك.
ولا تزال اغتيالات المتحوّلين تتسبّب بغضب واسع، وهو ما كانته حالة هندِ قادر، الناشطة المتحوّلة وابنة الثالثة والعشرين التي عُثر عليها مغتصَبَةً ومشوّهةً ومحروقةً على طرف إحدى الطرق في آب (أغسطس) 2016(5). أمّا القيود على التجمّعات العامّة ومسيرات الاحتجاج فهي اليومَ القاعدةُ، لا الاستثناء. ففي تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، منع أحد المحافظين مهرجاناً سينمائيّاً للمختلفين جنسيّاً، ثمّ امتدّ المنع ليشمل كافّة الأحداث المتعلّقة بالـ
LGBTI
في تركيّا – عرض الأفلام، المعارض، المنتديات، الندوات، اللقاءات – لفترة زمنيّة غير محدّدة. وتقول الحكومة التركيّة إنّها مهتمّة بأمن وسلامة الناشطين الـ
LGBTI
وأنّ هذا المنع ليس تعبيراً عن كراهية المثليّة.
مع هذا، هناك أسباب للتفاؤل. ففي اسطنبول هناك حضور متزايد للموظّفين المتحوّلين جنسيّاً في محلاّت تجارة المفرّق للسلع الأوليّة، كصالونات التجميل والبوتيكات. وكان لقمع الحكومة مهرجانات الفخر أن زاد التضامن والوحدة بين المتحوّلين والمثليّين الأتراك، وكان لتصميمهم أن ألهم البيئويّين والنسويّات والمنشقّين السياسيّين وسواهم ممّن يرون أنّهم على هوامش المجتمع التركيّ. وفي السنوات الثلاث الماضية، تقدّمت أحزاب معارضة بترشيح مثليّين معلَنين، كما أنّ حزب المعارضة الرئيسيّ اعتمد حصّة مخصّصة في انتخابات لجان الأحياء طالباً أن يكون واحدٌ من كلّ خمسة مرشّحين مثليّاً. واليوم باتت بولنت إرسوي ضيفاً متكرّر الزيارات على القصر الرئاسيّ في أنقرة، لا بل هناك تنظيم لـ
LGBTI
ممّن يؤيّدون إردوغان، اسمه
AKLGBTI
(والحرفان الأوّلان هما اختصار اسم حزبه العدالة والتنمية). وفي 29 تشرين الثاني 2017، ألغت حكومة إردوغان إجراء التعقيم الذي كان إجباريّاً في عمليّات التحويل الجنسيّ. هكذا بات ممكناً أن نتخيّل تركيّا في مستقبل قريب وقد صارت مقصداً للسيّاح الطبّيّين الذين ينوون إجراء عمليّات تحوّل جنسيّ.
على أيّة حال، تبقى الحياة صعبة بالنسبة إلى الأتراك الذين لم يغيّروا جنسهم بعد فيما يرغبون في ذلك. فأصحاب السيولة الجنسيّة أو الذين هم في المراحل الأولى من تحوّلهم يبدون عنصر تهديد، خصوصاً للتصوّرات القائمة حول الجندر. فالحكومة التركيّة، كما أخبرني ناشط تركيّ، “ترغب في مساعدة الناس الذين يريدون تغيير جندرهم. ما لا تحبّه هو البقاء في الوسط”(6).
لقد طُرد دِرين أويلوم في الأسابيع التي تلت الهجوم عليه من قاعة المنامة في كلّيّته. أمّه خسرت عملها في حضانة الأطفال، وبات عليه أن يُنهي دراسته في الكلّيّة ويواجه، مرّة أخرى، مُهاجِمه، شقيق صاحبته، الذي لحق به على درّاجته الناريّة بهدف إخافته وإرعابه.
ودِرين لا يزال يأمل أن يُجري عمليّة لتغيير جنسه ويستقرّ مع صاحبته أيمِن التي تعيش اليوم في مدينة بعيدة. لكنْ إلى أن يكتمل تحوّله ستبقى حالته بوصفه بينَ بينٍ سبباً لعيشه في وضع محفوف بالمخاطر. لقد كان من المفهوم أن يبدو متوتّراً فيما كنّا نسير على الطريق الرئيسيّة لتلك المدينة في إيجه. كان شبّان يدخّنون السجائر ويراقبون المارّة حول تمثال ضخم لأتاتورك. أنا، أيضاً، انتبهت إلى الثقل الذي تنطوي عليه نظرتهم: فهم ربّما لا يقصدون الإيذاء، لكنّهم ربّما يقصدونه.
دِرين قادني إلى محطّة الباصّ، وكنت متردّداً في أن أتركه ورائي. لكنْ ما إن غادر الباصّ المحطّةَ حتّى رأيتُه يختفي في ذاك الحشد.

هوامش
1-تضاعف هذا التأثير بين الرسميّين الأتراك بعد وصول الجنرال الألمانيّ كارل ليمان فون ساندرز إلى الأكاديميا الملَكيّة العسكريّة لإصلاح الجيش العثمانيّ في 1913.
2-غُل أوزيغِن، رغبات جديدة، نفوس جديدة (منشورات جامعة نيويوركن 2015) ص 246.
3-هويّات مُجندرة: نقد الأبويّة في تركيّا، إعداد راسم أوزغور دونميز وفضيلة أهو أوزمان (لكسنغتون، 2013) ص 74.
4-كان أوزال من هواة الموسيقى الكلاسيكيّة العثمانيّة وقد أحبّ أداء إرسوي. هذا السبب، وليس الدعم لتوجّهات
LGBTI
كان السبب وراء تشريع حزب الوطن الأمّ لعمليّات التغيير الجنسيّ.
5-لقد أوحت جرائم كاغتيال قادر برواية من ستّة أجزاء هي “حلقوم تركيّ” (نشرتها دار بنغوين في الولايات المتّحدة)، وبطلها مصرفيّ متحوّل ومهجوس بكشف أمر الجرائم التي تستهدف المتحوّلين في اسطنبول.
6-على العكس من الهند، حيث اعترفت المحكمة العليا بـ “هِجرا” (متحوّلي ومتداخلي الجندر) وبمتحوّلين آخرين بوصفهم جندراً ثالثاً، وكان ذلك في 2014 (مع أنّ المثليّة الجنسيّة لا تزال تُعتبر جريمة)، فالقانون التركيّ لا يعترف إلاّ بوجود جندرين بين المواطنين.

*LGBTI
تعبير مختصر يعني المثليّة والمثليّ وثنائيّ الجنس والمتحوّل جنسيّاً والمتداخل جنسيّاً.

هذا المقال منشور في العدد الحاليّ من “نيويورك ريفيو أوف بوكس”، ترجمته ياسمين ابراهيم.

إقرأ أيضاً