هنا القصة الثالثة

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

قصة أم علي… من حي اللجا إلى صف الرقص الشرقي

لطالما أورث الاولاد أهلهم أنماط التدين الجديد بحيث تخلى الأهل عن ما درجوا على ممارسته من طقوس واعتنقوا مذاهب أولادهم.
أم علي قاومت هذا التوريث وبادية فحص تنقل قصتها.

عمرها يطرق باب الستين وتتصرف كمراهقة عشرينية. ليس في الأمر غضاضة، المراهقة مرحلة وليست سناً محددة. اعتنقت هذه المقولة أخيراً وافتتنت بها، تخرس بها الألسن التي تنتقد تصرفاتها وتنصحها بالاتزان احتراماً لسني عمرها.
الشيب تعالجه كل خمسة عشر يوماً بالصبغة، وتجاعيد وجهها بالكريمات، أما الترهل الذي أصاب بطنها وثدييها فدواؤه بضع حركات “سويدية” تعلمتها من صديقتها، وحين أحست بالثقل بدأ يقيد حركة جسدها، شهرت في وجهه بطاقة استعادة الرشاقة. التحقت لأجل ذلك بصف للرقص الشرقي، متحدية أجواء التدين التي أصابت أسرتها، مهملة واجباتها الاجتماعية وأعمالها المنزلية، التي كانت يوماً مقدسة، مديرة ظهرها لكلام الناس.
حين تخلو إلى نفسها، بعد يوم مقارعة طويل، تجلس على المرجوحة الوثيرة على شرفتها العريضة التي زينتها بكل أنواع الشتول والورود، تقسم حياتها إلى حقب، وتضع لكل حقبة عنواناً.
طفولتها كانت عبارة عن أوقات لهو ومقالب ومغامرات في براري الضيعة صيفا. أما من بدايات الخريف حتى نهايات الربيع، فكانت تتحول إلى أيام تعذيب وأشغال شاقة في سجن المدرسة الرسمية.
في الحادية عشرة من عمرها، حصلت على أول فستان جاهز. كانت أمها تخيط لها ولأخوتها ثيابهم. في الصيف تنتظر “البرجاوي” فتشتري ثوباً من القطن السوري، تفصل منه سراويل وقمصاناً متشابهة، لكل وفق قياسه، تخصص قمصان البنات ببعض الدرزات الإضافية عند الخصر، وتميز سروايل الصبيان بـ “فقشة” عريضة من الأمام. في الشتاء كانت تحيك للكبير كنزة صوفية جديدة وتدير كنزته للأصغر، تنتقل قطعة الثياب من الأكبر إلى الأصغر حتى تهترئ وتتمزق، فتبتدع لها استعمالات أخرى. في تلك السنة، كانت الناجحة الوحيدة في الضيعة في شهادة “السرتفيكا” فكافأها والدها بفستان من الساتان الأحمر، طوله يتعدى الركبتين بقليل، وينتهي بـ “كشكش” عريض يحيطه “بريم” أسود لماع. ظلت تلبسه حتى تفتق نسيجه، حتى عاد خيوطاً.
في السابعة عشرة وطأت قدماها صالة السينما للمرة الأولى. وفرت ثمن البطاقة من الحصة التي خصتها بها أمها من بيع الملوخية. لم تكن حصتها مكافأة مجانية، كانت تمضي عصر كل يوم من عطلتها الصيفية، مصلوبةً أمام “مساكب” الملوخية، تجرد النباتات الخضراء من أوراقها العريضة وتضعها في السلال. كانت أصابعها تصطبغ باللون الأخضر طوال الموسم، وتظل رائحتها عالقة تحت أظافرها إلى ما بعد انتهائه.
في الثامنة عشرة تزوجت، العريس من ضيعة مجاورة، “ابن دولة” ويسكن في بيروت. غربة على غربة كما قالت أمها، وبكت… طرزت لها جهازها بالإبرة والدموع. ويوم جاء وأهله لينقلها إلى بيروت، طبخت أمها طنجرة فاصوليا، ودقّت لحمة على البلاطة وأطعمتها من يدها لقمتها الأخيرة في منزل ذويها.

في الثامنة عشرة تزوجت، العريس من ضيعة مجاورة، “ابن دولة” ويسكن في بيروت. غربة على غربة كما قالت أمها، وبكت… طرزت لها جهازها بالإبرة والدموع. ويوم جاء وأهله لينقلها إلى بيروت، طبخت أمها طنجرة فاصوليا، ودقّت لحمة على البلاطة وأطعمتها من يدها لقمتها الأخيرة في منزل ذويها

وضعت طفلها الأول، قبل أن تمر سنة على زواجها، صارت “أم علي” مثل عدد كبير من جاراتها في حي اللجا البيروتي. ثم أتت زمزم وتبعتها جميلة ولحقت بهما صباح ومريم وسميرة، فخاصمها “أبو علي” معترضاً: “خمس بنات يا ظالمة؟! معش بدي نام معك”. ليلتان وتراجع “أبو علي” عن قراراه، انهار عصر يوم كان عائداً فيه من الوظيفة، بعدما تسللت إلى أنفه رائحة الملوخية وهو يصعد الدرج الطويل نحو سطح البناية، الذي بنى فوقه غرفتين ومنافعهما، مستفيداً من هيبة وظيفته في الدولة. بعد تسعة أشهر وضعت يوسف، ثم أتبعته بخليل ثم عدنان ثم إبراهيم ثم أنهت دورة إنجاب الذكور بغازي.
أنجبت أحد عشر كوكباً، كما تقول الآية القرآنية، ترددها وتضحك، واضعة يدها على فمها لتخفي فراغات تخللت أسنانها. كل حفلة إنجاب كان ثمنها سناً أو اثنين، عدا أوجاع الظهر ووهن المفاصل ورجفة تضرب اليدين بين الحين والآخر.
كبروا وتزوجوا تباعاً، البنات قبل الصبيان، خمد البيت فترة قصيرة بخروجهم الواحد تلو الآخر، ثم عاد فامتلأ بأولادهم. خلال أقل من عشرين سنة صارت جدّة لقبيلة من الأحفاد، أما الأحد عشر كوكباً فصاروا اثنين وعشرين. وعادت إلى مهمة التربية من جديد، صارت تتقاسم مع بناتها وكنائنها العاملات مهمة العناية بالأطفال حتى سن الدخول إلى المدرسة. تأتي الواحدة منهن بعد انتهاء دوامها تأخذ طفلها أو طفلتها إضافة إلى “تبروير” الطعام. في أعياد ميلادهم، يجتمعون كلهم عندها، بيتها كبير ويتسع للجميع.
كان “أبو علي” بعد انتهاء الحرب الأهلية في أوائل التسعينيات قد قبض خلو شقة في وادي بو جميل، ضبطها له مسؤول في الحركة، واشترى به شقة في الضاحية الجنوبية، طابق أول، ولها شرفة واسعة تمتد فوق سطوح محلات أسفلها، حولتها إلى حديقة معلقة، ووضعت عليها مرجوحة عريضة لها شمسية.
التحولات الكثيرة التي قلبت الحياة من حولها، أثرت في أفراد عائلتها كلهم، غيرتهم. زوجها حج إلى بيت الله وزار أضرحة الأئمة، بناتها تحجبن وكذلك كنائنها وحفيداتها المكلفات، أبناؤها وأصهرتها أرخوا لحاهم وصاروا متشابهين في كلامهم ولباسهم وتفكيرهم، باتوا نسخاً متطابقة عمن حولهم، وانتمى عدد من أحفادها إلى حزب المقاومة.
أما هي فلم تندمج بالحياة الجديدة، بل تمردت عليها. لا تدري من أين أتاها هذا الشغف الفجائي بالحياة؟ كيف دهمها وهي على أبواب الستين؟ لا تعرف لماذا قررت أن تختلف؟ من أين واتتها الشجاعة للتحدي؟ تسأل نفسها ولا تشغل بالها بإيجاد الأجوبة الشافية. تقول ربما لكثرة الموت من حولها، ربما لأنها استشعرت نفاقاً كثيراً، ربما لأنها لم تجد صدقاً في أي شيء، ربما أرادت أن تعاقب بناتها وأبناءها لأنهم قدموا معتقداتهم الجديدة على ما قدمته لهم، ربما لأنها بكرت في الزواج والإنجاب والمسؤوليات، ربما لأنها أعطت فوق طاقتها، أو ربما لأنها نسيت نفسها أكثر من نصف قرن وقد استعادت الآن ذاكرتها، ربما… ربما… ربما…
تشلح كل ما سبق من أفكار مزعجة على باب صف الرقص الشرقي، وتدخل باسمة، مدفوعة بشحنة من الطاقة الإيجابية. هناك تستسلم لسلطان الموسيقى، تتخفف من أقمشة كثيرة وأفكار أكثر تثقل جسدها وعقلها، وتتهادى على أرضية قاعة الرقص خفيفة رشيقة مثل سمكة بين الأمواج، أو مثل نسر يحلق في الأعالي.

إقرأ أيضاً