fbpx

هنا القصة الثالثة

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

قسوة الديانين وذكوريتهم

جاء في القرآن الكريم عدد كبير من الآيات التي تبرهن أن الله منح الإنسان ذكرا وأنثى فضاء مطلقا من الحرية الفردية، وحمل كل واحد منهما مسؤولية شخصية عن أفعاله وممارساته وقناعاته، مع وعد بالتعامل مع كل منهما على أساس العدالة وليس الظلم.
لكن هذه الآيات لم يعتن بها كثيرا في كتب التفسير، ربما لأنها تنطوي على اعتراف إلهي بالمساواة بين الرجل والمرأة، وحرية الاختيار والمسؤولية الذاتية أمام الله عن هذا الاختيار، الأمر الذي اعتقده رجال الدين، الذين يقدمون أنفسهم وسطاء ما بين العباد وربهم، تهديدا لسلطتهم وتسلطهم على المجتمع، إضافة إلى أنه يغري المرأة بالتالي، كمخلوق من الدرجة الثانية، بالتمرد على سلطة الرجل المقدس.
في المقابل، تعتني التفاسير بما جاء في سورة “النساء”، التي تضمنت آيات تمييز الميراث بين الرجل والمرأة والقوامة وتعدد الزوجات وملك اليمين والنشوز والضرب والهجر في المضاجع. وبما تبعها في السنة النبوية عن أن المرأة ناقصة عقل ودين وناقصة حظ بسبب آية الميراث.
وقد فسر العدد الأكبر من الفقهاء آية “وقرن في بيوتكن” بحبس المرأة في بيتها، وحرّموا خروجها إلا إلى القبر، وإذا خرجت، فبإذن زوجها ورفقته أو بصحبة أحد محارمها الذكور. أما آية “قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدينين عليهن من جلابيبهن” وآية “وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، وليضربن بخمورهن على جيوبهن”، فقد استنبط الفقهاء منهما حكم الحجاب، وجعلوه فريضة، وألزموا النساء به بالإكراه حينا وبالترهيب أحيانا، ومن هاتين الآيتين وآيات أخرى، استنتجوا أيضا حرمة الاختلاط بين الجنسين، ففصلوا مجتمع النساء عن مجتمع الرجال، وحرم بعضهم على المرأة العمل، والانفراد بالذكر، وقيادة السيارة، والسفر وحدها، والزواج من غير دينها، والزواج ممن يرضى وليها عقله ودينه ولو كانت قاصرا، وفرضوا عليها نظام الوصاية والولاية الأبوية، وحرموها من حق حضانة أطفالها، وتطليق نفسها، وأباحوا قتلها باسم جريمة الشرف، وتزويجها من مغتصبها وغيرها من الجرائم الإنسانية المخزية، التي ترتكب جميعها باسم الدين والنص المقدس.
للوهلة الأولى يبدو أن الدين هو المتهم، لكن الواقع هو العكس، فلا علاقة للسماء بمحاصرة المرأة بهذه الأحكام المجحفة. إنما ذلك مسألة دنيوية، ابتدعتها عقلية ذكورية مسكونة بهاجس الفحولة وعقدة الأقوى. فما اتفق على اعتباره تفسيرا للنص المقدس أو تطبيقا للسنة الشريفة، في ما يتعلق بحقوق المرأة في الإسلام، ما هو إلا اجتهاد شخصي ذكوري، أنتجته عقول مريضة ونفوس مشوهة، دمجت الديني بالسياسي، والأعراف الاجتماعية بالأحكام الدينية، واعتبرت الدين شأنا ذكوريا، المرأة فيه مجرد تابع أو عبد مملوك أو جمهور غفور، فأطلقت الرجل واستعبدت المرأة، وحللت له ما حرمته عليها أو حرمتها منه.
ذلك أن تفسير الآيات المتعلقة بالمرأة، مرتبط بالمستوى المعرفي والثقافي للمفسر الأول الذي أثر بالمفسر الحالي، ومتواصل مع خلفيته الاجتماعية وتحصيله العلمي ونسبة الذكورة في دمه، ولذلك هو لا يعكس بالضرورة الترجمة العادلة أو المعنى الحقيقي والوحيد للنص المقدس.
من هنا، رأى عدد من الباحثين وعلماء الدين المتنورين، أنه لا بد من إعادة قراءة النص القرآني ونقده وأنسنته وتفسيره وفق مقتضيات العصر وبما يتلاءم مع لغة العقل والمنطق الحديث.
فالتفسير يختلف باختلاف العقول المنتجة، وطبيعة المجتمعات، وتطور وعيها وحاجاتها، من دون أن يتعارض ذلك مع قدسية النص. كما دعوا إلى أن تشارك المرأة الرجل، في تفسير النص، وألا يبقى هذا الشأن حكرا على رجال الدين فقط. واعتبروا أنه بات من الواجب الشروع بورشة تصحيحة لما وردنا من تفاسير قاصرة ومحدودة للنص الديني، احتراما لكلمة الله وكذلك من من أجل إنقاذ الدين، قبل إنقاذ المرأة. فالدين، عمليا وإنسانيا، هو المهدد بالانكسار والاندثار وليس المرأة، إذا ظلت القسوة مرآته في التعامل مع حقوق المرأة، فالمأثور الديني، يقول: لا تكن قاسيا فتكسر.
فليس أشد قسوة من التشريعات المتشددة التي ابتدعها الديانون وجاروا بها على المرأة باسم الدين. وبالتالي فإن الدين، الذي فسر وترجم بهذه القسوة، يحمل بذور انكساره من داخله، وإذا بقي كما يقدم الآن، فلن يتمكن من الصمود بعد طويلا، أمام وعي المرأة المتنامي، وإدراكها المستنير، لحقيقة كيانها وشخصيتها وإنسانيتها. كذلك لن تظل المرأة حبيسة نظرة الشرع الذكوري أو المشرع الذكر، والأطر التي رسمتها هذه النظرة، والمساحات التي حددتها لها، فكل الدلائل والعلامات تنذر بأن المرأة سوف تحطم كل هذه التماثيل.
وإذا كانت الشيوعية في أوروبا، في أحد جوانبها ردة فعل على ظلم الكنيسة، فإن المجتمعات الإسلامية والعربية على موعد مع ردة فعل نسوية عنيفة بوجه الذكورية، التي استمدت شرعيتها من الدين، وربما على الدين أيضا، الذي سكت عن حصر شرعيته بالذكر.

إقرأ أيضاً