fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم صاغية - كاتب لبناني

حازم صاغية - كاتب لبناني

مقالات الكاتب

قبل خمسين عاماً بالتمام…

1968 كانت سنة عظيمة. سنةً أمميّةً إذا صحّ التعبير. سنةً عضويّة: ما يحصل هنا، ينعكس هناك. الطلب على الحرّيّة والتقدّم في صعود.
قبل خمسين عاماً بالتمام، بدا أنّ التاريخ يقفز قفزاً. أنّه متّجه لا محالة إلى حيث يأمل الأمل. بدا للرائي أنّ الرؤية تزيح الغيم وتستولي على الأفق. أنّ التاريخ خطّ صاعد.
اليوم نعرف أنّ ذلك كان وهماً مأهولاً بالنوايا الحسنة. إلاّ أنّ 1968 كان يُغري بالتوهّم.
أربعة أحداث كبرى تلاحقت عامذاك وكان لها إسهامها الكبير في صنع العالم.
في 30 كانون الثاني خاض جيش فيتنام الشماليّة وقوّات الفيتكونغ أكبر معارك الحرب الفيتناميّة. كان ذلك في ليلة “التِت”، أو رأس السنة القمريّة. القصد هو أن يشكّل هجومهم مقدّمة لانتفاضة شاملة في جنوب فيتنام.
الانتفاضة لم تحدث. في ذاك العام كان التورّط الأميركيّ قد تعاظم: أكثر من نصف مليون جنديّ مصحوبين بوحدات جوّيّة وبحريّة. هكذا فشل هجوم “التت” عسكريّاً، إلاّ أنّه أثار صدى أكبر من المتوقّع في الرأي العامّ الأميركيّ. قطاعات أعرض باتت تكذّب الرواية الرسميّة عن قرب النصر وضآلة الخسائر. تزايدَ الضغط مع مذبحة ماي لاي وانتشار صورها. ففي 16 آذار أقدم جنود أميركيّون على قتل مدنيّين فيتناميّين عُزّل قُدّر عددهم بما بين 347 و504. اعتمد الأميركيّون استراتيجيّة “فتنمة الحرب” كتعبير عن مباشرة الانسحاب التدريجيّ وترك القتال لحكومة فيتنام الجنوبيّة.
الرئيس الأميركيّ ليندون جونسون أعلن انسحابه من المعركة الرئاسيّة. لم يعد يطيق تحمّل نتائج الحرب وأعباءها. المحتجّون تحوّلوا شاغلاً يوميّاً للرئيس بيافطاتهم التي تسأله: “كم من الشبّان تريد أن تقتل اليوم؟”. لكنّ جونسون أعلن أيضاً، قبل مغادرته البيت الأبيض، عن الحدّ من عمليّات القصف، وافتتح محادثات سلام مع الفيتناميّين الشماليّين، كما أوقف في 1 تشرين الثاني قصف فيتنام الشماليّة.
الرأي العام الأميركيّ أحرز نصراً كبيراً آخر. صحيح أنّ يوم 4 نيسان شهد فاجعة اغتيال القائد اللاعنفيّ مارتن لوثر كينغ، مُطلق “حركة الحقوق المدنيّة” وصاحب خطاب “لديّ حلم” في مسيرة واشنطن عام 1963، والذي نال، في 1964، جائزة نوبل للسلام تكريماً لقتاله اللاعنفيّ ضدّ التمييز العنصريّ. لكنّ الاغتيال كان إعلاناً عن انتصاره أكثر منه إعلاناً عن موته. فعلى مدى الستينات، مرّر الكونغرس، تحت ضغط “حركة الحقوق المدنيّة”، مجموعة تشريعات فيدراليّة تمحو سياسات تمييزيّة. “مرسوم الحقوق المدنيّة” في 1964 منع التمييز في العمالة استناداً إلى العِرق واللون والدين والجنس أو الأصل القوميّ. كذلك ألغى الفوارق في شروط التسجيل التي يتطلّبها الاقتراع، ومعها الفصل العِرقيّ في المدارس وأمكنة العمل والمواصلات العامّة. في 1965 كان “مرسوم حقوق التصويت” الذي حمى حقوق الأقلّيّات في الاقتراع بمنحه السلطات الفيدراليّة حقّ الإشراف على عمل السلطات المحلّيّة في الولايات التي تُستضعَف فيها الأقلّيّات. ثمّ، وفي 1968، تُوّجت الانتصارات بـ “مرسوم الإسكان العادل” الذي أزاح التمييز في بيع المساكن أو تأجيرها. الرئيس ليندون جونسون وقّع المرسوم بعد يوم واحد على تقديمه. سكّان الجنوب الأفرو أميركيّون (السود) باتوا يشاركون على نحو جماهيريّ واسع، ومن دون عوائق، في السياسة. مهد العنصريّة في أميركا راح يتصدّع. في العام ذاك بدا روبرت كينيدي الذي تبنّى برنامج “الحقوق المدنيّة” وباقي مسائل العدالة الاجتماعيّة بقوّة وحماسة، المرشّح المرجّح للفوز برئاسة أميركا. روبرت كينيدي اغتيل في 5 حزيران على يد سرحان سرحان.
باريس كانت تتململ. في أيّار وجدت نفسها في حالة من الاعتراض والهيجان. في آخر ذاك الشهر، وحيال توسّع الانتفاضة ضدّه، اضطرّ الرئيس شارل ديغول أن يسافر سرّاً إلى ألمانيا (الغربيّة) ليلتقي الجنرال جاك ماسّو، قائد القوّات الفرنسيّة في برلين، كي يضمن تأييده إذا ما قُرّر انتزاع باريس من أيدي المنتفضين.
الأمر بدا صراعاً بين فرنسا القديمة وفرنسا الجديدة. طلاّب العاصمة زاد عددهم في العقد السابق من 175 ألفاً إلى أكثر من نصف مليون. “ثقافة الشبيبة” التي كانت تنطلق من الولايات المتّحدة كانت تصدّها أوتوقراطيّة المجتمع الفرنسيّ ومراتبيّته. في المقابل، فحزبا المعارضة التقليديّان، الراديكاليّ والاشتراكيّ، كانا يترنّحان. الأحزاب، إذاً، ليست قاطرة التغيير. الحزب الشيوعيّ كان يتعرّض لقضم التيّارات اليساريّة والعالمثالثيّة غير المعجبة بالسلطويّة والأبويّة السوفياتيّتين. مقتلة فيتنام التي كان التلفزيون يجعلها مشهداً بيتيّاً، غذّت الاعتراض على مظالم هذا العالم.
لم يكن بلا دلالة أنّ الحدث العاديّ جدّاً الذي كان شرارة أيّار 68 حصل قبل عام في مبنى نانتير الجامعيّ التابع لجامعة باريس. هناك ظهرت احتجاجات ضدّ القيود المفروضة على حقّ الطلاّب في استقبال الزائرين في مساكنهم الجامعيّة. المطلب الذي وصفه البعض بـ “الجنسيّ” استجرّ مساجلة حادّة بين القائد الطلاّبي دانيال كوهين بانديت ووزير الشباب والرياضة فرانسوا ميسوف. الأهمّ أنّه وقع على أرض قابلة للاشتعال.
تفاقمت الأمور أسبوعاً بأسبوع وشهراً بعد شهر، بحيث تظاهر 40 ألف طالب في 10-11 أيّار. عنف البوليس ضدّهم أدّى إلى اعتقال 500 طالب ونقل مئات إلى المستشفيات بينهم 250 شرطيّاً. قطاعات عمّاليّة عريضة ما لبثت أن انضمّت في أكبر إضراب عامّ عرفه تاريخ فرنسا حتّى ذاك الحين: ملايين العمّال نزلوا إلى الشارع دعماً للطلبة وتوكيداً على مطالبهم. العمّال احتلّوا عشرات المصانع والمعامل بما فيها شركة “رينو” للسيّارات.
أهمّ ما في أيّار كان تجاوز المؤسّسات السائدة والأُطر القديمة، أحزاباً ونقابات وكنائس وتعليماً. اليسار التقليديّ وقف موقف المشكّك وأحياناً المعادي: هذه ليست ثورة إذ الطلاّب غير منتجين ولم يدخلوا بعد سوق العمل. هذه هيصة بورجوازيّة صغيرة لا أكثر.
أيّار 68 طرح مسائل التحرّر بما يتعدّى أسئلة الماركسيّة الأرثوذكسيّة و”الآباء” الشيوعيّين الذين حصروا التغيير بالأجور، فبدوا لـ “الأبناء” مجرّد جزء من النظام بمعناه الأعرض. الموضوع، إذاً، جوانب حياتيّة أعرض وأعمق. أبعاد مجتمعيّة وقيميّة ومثالات عن الفرد والفرديّة تتعدّى القيم التي بدأت تسود منذ تحرير 1944. فتح مساحات واسعة وجديدة للنضالات النسويّة والبيئيّة والمثليّة.
أيّار 68 أشّرت إلى أقصى الماركسيّة. إلى يسار اليسار. إلى شيوعيّة من دون تكلّس الشيوعيّين. لكنّها انعطفت ليبراليّاً.
في الشطر الآخر من القارّة، اهتزّ استبداد أشرس وأشرّ. في 1967، وبالاستفادة من أجواء الوفاق الدوليّ في أوروبا، بدأت تظهر في تشيكوسلوفاكيا السابقة مطالبات بحرّيّة التعبير وبتفكيك بعض القيود الرسميّة على الاقتصاد الذي راح أداؤه يزداد تردّياً. الكتّاب والطلبة كانوا في مقدّمة النقّاد. في 5 كانون الثاني سقط الستالينيّ أنطونين نوفوتني وحلّ محلّه ألكسندردوبتشيك في قيادة الحزب والدولة. أفكار المنظّر الاقتصاديّ أوتا سيك تصدّرت المشهد. في نيسان أعلنت حكومة دوبتشيك عن خطّتها لنموذج آخر في الاشتراكيّة: أزاحت قيود الدولة عن الصناعة وسمحت بحرّيّة التعبير. هكذا افتُتحت أربعة أشهر من العيش الحرّ خارج قبضة الحزب وموسكو. دوبتشيك ظلّ يؤكّد على استمرار شيوعيّته وبقائه في حلف وارسو، لكنّ موسكو بدأت تتشكّك: أصوات الهراطقة راحت تعلو وتتزايد. الرئيس اليوغسلافي جوزيف بروز تيتو زار براغ في آب. في الشهر نفسه، وبحجّة الاستجابة لشيوعيّين تشيكوسلوفاكيّين يطالبون بالتدخّل والإنقاذ، أعلن ليونيد بريجنيف ما صار يُعرف بـ “مبدأ بريجنيف”: مؤدّاه الفعليّ أنّه من غير المسموح لأيّ بلد من بلدان الكتلة بتغيير نظامه. في 20 من الشهر نفسه، غزا أكثر من 500 ألف جنديّ من جيوش كتلة وارسو تشيكوسلوفاكيا. دوبتشيك وثلاثة من قادة “الاشتراكيّة ذات الوجه الإنسانيّ” اعتُقلوا ونُقلوا إلى موسكو.
لم تنشأ مقاومة لجحافل الغزاة. انتشرت صور لتشيكوسلوفاكيّين يقفون في وجه الدبّابات ويوزّعون الورد على الجنود. جان بالاخ أحرق نفسه احتجاجاً. بريجنيف قرّر أن يكون غوستاف هوساك قائد تشيكوسلوفاكيا الجديد.
وضع ما بعد الغزو انتقم من عموم المجتمع، لكنْ خصوصاً من النخبة الثقافيّة. بنتيجة حملة التطهير التي استمرّت ثلاث سنوات، فُصل من الحزب 30 ألفاً، و17 في المئة من ضبّاط الجيش. حتّى المباحث امتدّت إليها اليد، ففُصل نحو من ثلث العاملين فيها. الكتّاب والصحافيّون والمعلّمون عانى الطرد من العمل والتجويع والهجرة فضلاً عن السجن طبعاً. لكنّ التخشّب البريجنيفيّ كان قد ظهر سافراً تماماً. يساريّو الغرب الذين راهنوا على إحياء الإشتراكيّة من خلال تجربة دوبتشيك، اكتشفوا أنّ الأمر وهم. الحزب الشيوعيّ الإيطالي، أكبر الأحزاب الشيوعيّة خارج الكتلة، دان الغزو. الطلاق عصف بزواج الشيوعيّة والثقافة في أوروبا ما بعد الحرب العالميّة الثانية. القناعة الصاعدة أنّ الحرّيّة والكتلة السوفياتيّة وحزبها القائد أضداد يستحيل أن تلتقي.
لقد تقاطعت هذه المكاسب الأربعة الكبرى في مكان عريض اسمه الحرّيّة. لكنّ التاريخ ذو الحركات الكثيرة، لا الحركة الواحدة، كرّس بعض هذه المكاسب، وأضعف بعضها الآخر، فيما جعل بعضها الثالث ينتكس وينكص.
ما يبقى أنّ الجيل الذي فتح عينيه على تلك الإنجازات يصعب عليه أن يغلقهما على صور دونالد ترامب وعبد الفتّاح السيسي وبشّار الأسد وأضرابهم الكثيرين.

إقرأ أيضاً