هنا القصة الثالثة

حلا نصرالله

مقالات الكاتب

في لبنان أول منصة لحقوق المثليين عربياً .. لكنها ملاحقة   

بدأت قصة هادي دامين مع القضاء اللبناني، حين كان مقرراً أن ينظم حفل صغير نهار السبت الواقع في 19 مايو/ أيار، عبارة عن قراءة نص في مسرح زقاق من دون عرض مسرحي. قراءة النص كانت ستتم من دون جمهور وفي قاعة مقفلة وفي هذه الحال لم يكن هادي في حاجة إلى إجازة عرض من السلطات اللبنانية.

قبيل العرض، أبلغ الأمن العام اللبناني مسرح زقاق قرار إيقاف نشاطات الاحتفال بالمثلية. وافق هادي على الطلب، وقرر أن يقرأ النص في منزل خاص بحضور رفاقه، إلا أن شرطة الآداب حضرت عصر إلى مسرح زقاق مجدداً، واستدعت هادي إلى مخفر حبيش للتحقيق معه.

سألت محاميته ليال صقر عن نوع المذكرة الصادرة بحق هادي، ليتبين أنها ليست مذكرة توقيف بل مذكرة اصطحاب، إذ كان من المفترض أن يفرج عنه في اليوم ذاته، ولكنه مكث في المخفر ليوم، وأجبر على توقيع سند إقامة وتعهد بعدم تنفيذ النشاطات.

إضافة إلى النشاطات التي كان يعدها هادي، فقد أرفق ملفه بمجموعة منشورات كتبها على صفحته على “فيسبوك”، فتمت ترجمتها عبر خدمة الترجمة الفورية، ليُحرّف معناها بشكل كامل، حتى بدت المنشورات لا أخلاقية وإباحية، كما تقول المحامية صقر لموقع “درج”.

لم يتم توقيف هادي وفق المادة 534 التي تجرم المثلية، ما يجعل توقيفه انتهاكاً لحرية الرأي والتعبير التي يحفظها الدستور، لذلك شددت صقر على ضرورة حماية “حرية الرأي والتعبير التي يتغنى بها الدستور اللبناني، وأن يكون صون الحريات من أولويات الأجهزة القضائية، لا محاصرتها”.

إنها السنة الثانية على التوالي، التي يفرض فيها القضاء اللبناني، إلغاء مسيرة الفخر للمثليين في بيروت وما يرافق الحدث من نشاطات على مدار الأسبوع، فعام 2017، هددت هيئة العلماء المسلمين منظمي مؤتمر كان مخصصاً للحديث عن الرهاب المثلي والتمييز ضد الأقليات الجنسانية، والحد من العنف ضدهم، وتوعدت الهيئة بتنظيم مظاهرة خارج الفندق الذي سيستقبل المؤتمر، ما دفع منظمي المناسبة إلى إلغائها.

وعلى رغم الأجواء التساهلية التي يعيشها مجتمع المثليين في لبنان، غير أن محاصرته عبر القضاء مستمرة، وهو ما دفع “المفكرة القانونية” بالتعاون مع “جمعية حلم” التي تعنى بالمثلية، إلى إصدار فيديو يطالب بإسقاط المادة 534 التي تجرم المثليين بتهمة ممارسة الجنس خلافاً للطبيعة.

وطالبت الجهتان بإسقاط المادة 534، وشددتا على دور المحاكم في تفسير مصطلح “الطبيعة” لأن القانون لا يعطي أي تفسير، ولم يتفق أي من القضاة والفلاسفة والعلماء على تعريف واحد لما هو طبيعي.

وأكدت الجمعية في عملها المشترك مع المفكرة القانونية أن العلم يثبت أن المثلية لا تخالف الطبيعة، استناداً إلى نتائج علمية وجينية، ويأتي تجريم المثلية الجنسية ليعارض حقوق أساسية محمية في اتفاقيات دولية وقعها لبنان، من بينها احترام الكرامة الإنسانية والصحة النفسية والحق بالخصوصية.

ويشتهر لبنان بفحص الشرجية، إذ أخضعت أعداد من مثليي الجنس عبر عقود لهذا الفحص للتأكد من ميولهم، وعام 2012 أوقفت القوى الأمنية 36 شخصاً في سينما بلازا بمنطقة برج حمود، وأُجبِروا على إجراء الفحص.

ويأتي الفحص على شكل التدقيق في الأعضاء التناسلية للأفراد، للتأكد من إقدامهم على فعل “اللواط”، وهو توصيف معتمد لدى الطب الشرعي الذي تستند إليه المحاكم، الأمر الذي دفع الناشطين إلى نعته بفحص العار لما يحمله من مهانة للكرامة الإنسانية.

وبهذا الشأن يؤكد المحامي كريم نمور أنه حتى وقتنا الراهن تتم ملاحقة أشخاص على أساس المادة 534 والتي تتضمن فحص الشرجية، لمعرفة ما إذا كان الشخص مثلياً أم لا.

حقوقياً، تعد الأعوام الممتدة من 2009 إلى 2016، الأسوأ قضائياً، إذ رأت معظم الاجتهادات القضائية في مرافعات المدانين بالمثلية “أن العلاقة الطبيعية تقوم بين ذكر وأنثى وفقاً لقوانين الطبيعة وليس بين أفراد من الجنس ذاته”، إلى أن تحققت أول سابقة قضائية عام 2017 مع حكم القاضي ربيع معلوف إبان مرافعته، بأن المجامعة بين شخصين من الجنس ذاته حق طبيعي. ونص الحكم على عدم تجريم العلاقة الحميمية بين المثليين، وهو حق طبيعي أسوة بغيرهم من البشر ولا يجوز تدخل أي جهة بهدف إلزامهم بعلاقة مخالفة لطبيعتهم.

وفي حديث إلى موقع “درج” مع الحقوقي خالد منصور الذي عمل لسنوات ضمن اللجان الحقوقية المختصة بالحقوق الفردية في الأمم المتحدة، يشير إلى وجود عشرات الاتفاقات الحقوقية، الموقعة بين الأمم المتحدة ودول تمارس انتهاكات بحق المثليين جنسياً.

وبحسب رأيه، فإن الدول العربية تستغل قضية الحرية الجنسية لدوافع سياسية، لدعم نظامها القائم، فهي من خلال محاربة الأقليات الجنسية تحاول إظهار نفسها أمام مواطنيها المتدينين كمسؤولة عن حماية الشرائع الدينية.

وفي الوقت الذي تسعى فيه مجتمعات المثلية في أوروبا وأميركا إلى تطوير القوانين لمصلحتها، فإن مثليي المجتمعات العربية يكافحون للتهرب من قبضة القانون وأبرز مطالبهم، تتبلور حول الكف عن ملاحقتهم قانونياً.

ويضيف منصور: “تظهر نتائج الدراسات التي تجريها المنظمات الحقوقية الدولية البارزة، نوعاً من التهجم المرضي على الحرية الجنسية في أشكالها كافة.”

جمعية “حلم” هي أول مؤسسة حقوقية مختصة في الدفاع عن المثليين في لبنان، ومنذ لحظة تأسيسها رفضت وزارة الداخلية منحها “علم وخبر” لتشريع عملها، ولكن قرار الوزارة لم يثنِ الجمعية عن ممارسة نشاطها الحقوقي. وبعد حلم، أنشئت جمعيات أخرى حملت على عاتقها إثارة قضية المثليين، وحمايتهم وتنظيم نشاطات تثقيفية وممارسة ضغوطات قضائية لتعديل المادة 534 وتكريس صورة مختلفة عن المثليين في المجتمع.

وعام 2009 صدر أول كتاب لبناني بعنوان “بريد سريع” وهو عبارة عن 41 قصة قامت بتأليفها نساء خضن غمار الجنس والحب المثلي، وفي سياق متصل تعد المرشحة السابقة للانتخابات البرلمانية جمانة حداد من أبرز الوجوه التي طرحت حقوق المثلية الجنسية ووعدت ناخبيها بإثارة ملف المثلية في البرلمان اللبناني، إلا أن محاولتها البرلمانية باءت بالفشل، فدخل المجلس النيابي مجموعة كبيرة من النواب الذين يعتبرون المثلية فصلاً من “الشذوذ الجنسي”.

وشجبت منظمة “هيومن رايتس ووتش” الدولية منع القوى الأمنية اللبنانية مسيرة الفخر، ونددت باعتقال دامين، وكانت قد أصدرت منتصف شهر أبريل/ نيسان الماضي فيديو، بعنوان “لست لوحدك بعد الآن”، قدمه مثليون من لبنان، تحدثوا فيه عن تجاربهم الشخصية، وطالبوا فيه بأن لا يلتزم المثليون الصمت بل أن يتجرأوا على كشف ميولهم الجنسية. ونهاية عام 2017 أصدرت المنظمة قراراً تناولت فيه إمكان أن يذهب لبنان إلى إلغاء المادة 534 التي تجرم المثلية الجنسية، ولكن نتائج الانتخابات التي أجريت بداية شهر أيار الحالي لا تبشر بالكثير في ما يتعلق بإصدار قوانين جديدة تتعلق بالحريات الفردية.

 

    

 

إقرأ أيضاً