هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

في عهد ترامب: انتصار الأفلام البورنوغرافية على المحافظين الاجتماعيين

قبل انتخابات عام 2016، بذل الفريق القانوني للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وحلفاؤه في الصحافة جهوداً غير عادية لطمس القصص التي تربط المرشح ترامب بنجمات أفلام إباحية، إلا أنه تبين أن مثابرة هذا القريق القانوني كانت بلا داع، إذ بدا أن التأثير السياسي لصلة ترامب بعالم البذاءة لا يُذكر.
كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال”، أنه في أكتوبر/تشرين الأول 2016، رتب مايكل كوهين، محامي ترامب، دفع مبلغ 130 ألف دولار أميركي للممثلة الإباحية ستيفاني كليفورد (تُعرف باسم ستورمي دانيلز) مقابل عدم الكشف عن علاقتها الغرامية مع ترامب في 2006، أي بعد عام من زواجه من ميلانيا. وذكرت شبكة “سي أن أن” الإخبارية، أن ديانا فالزون، صحافية “فوكس نيوز”، كانت قد قدمت قصة فى نفس الشهر بها معظم التفاصيل الموجودة فى تقرير “وول ستريت جورنال”، بما في ذلك تأكيد على العلاقة الجنسية بين كليفورد وترامب، وكذلك رسائل البريد الإلكتروني المتعلقة بتسوية عدم الكشف عن المعلومات التي توصلت إليها مع محامي ترامب. أوقف رؤساء فالزون هذه القصة، ويشبه ذلك حالة مماثلة في عام 2016، عندما دفعت مجلة “ناشيونال إنكويرر” – المملوكة لـ دافيد بيكر وهو من مؤيدي ترامب- 150 ألف دولار لعارضة في “بلاي بوي” من أجل الحصول على حقوق الملكية لقصة عن علاقة لها مع ترامب، ولم ينشرها.
تصرف كل من كوهين و”فوكس نيوز” و”ناشيونال إنكويرر”، بهذه الطريقة، محاولين إخفاء القصتين، على افتراض أن ترامب سيتلقى ضربة سياسية جرّاء تلك الفضائح الجنسية، وخاصة إذا كانت تشمل ممثلات أفلام إباحية أو عارضات في “بلاي بوي”. إلا أنه لا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأن هذا الافتراض صحيح، إذ أنه مع انتشار تفاصيل هاتين القصتين في النهاية، لم يُثر ذلك إلا عدم اكتراث شديد. وكما أشارت ميشيل غولدبرغ، في صحيفة “النيويورك تايمز”، “في أي إدارة أخرى، فإن ظهور أدلة على أن الرئيس دفع مالاً لنجمة فيلم Good Will Humping خلال الانتخابات لإسكاتها، سيكون فضيحة”، وأضافت “في حالتنا هذه، لم يُحدث الأمر سوى لا مبالاة جماعية”.
الصمت من جانب اليسار يمكن تفسيره بسهولة بكثرة الفضائح، هناك أسباب عديدة تثير الغضب على ترامب، مما يجعل علاقته الغرامية مع ممثلة أفلام إباحية تبدو تافهة، وحتى في نطاق سلوكه الجنسي؛ الادعاء بأن ترامب اعتدى على ممثلة الأفلام الإباحية جنيفر دريك في عام 2006، على سبيل المثال، أكثر خطورة بمراحل. ولكن الصمت من جانب اليمين هو المحير. ترامب، على حد كيفن ويليامسون الصحافي في مجلة “ناشيونال ريفيو”، هو “الرئيس الإباحي”. أو كما دعاه روس دوثات الصحافي في “نيويورك تايمز” عام 2016، “الرئيس اللعوب”، a Playboy for president”. كلا اللقبين بهما شيء من الحقيقة. فترامب، الصديق القديم لمؤسس “بلاي بوي” هاف هيفنر، عاش نمط حياة فاجرة يُحتفى بها في عالم المواد الإباحية. ولكن لا يبدو أن المدافعين الآخرين عن القيم التقليدية يشاركون ويليامسون أو دوثات غضبهما.
هيمنة ترامب على الحزب الجمهوري تشي بتحول غير ملحوظ ولكنه حقيقي في السياسة الأمريكية، فالمحافظون الاجتماعيون، الذين قادوا من قبل حملة ضد البذاءة، تصالحوا الآن مع الثقافة المشبعة بالإباحية.
كانت المواد الإباحية موضوعاً سياسياً ساخناً في فترة الستينيات وحتى التسعينات، عندما أدت التغييرات في قانون الرقابة، والتكنولوجيا الجديدة مثل تسجيل الفيديو، إلى جعل تصوير المواد الجنسية أكثر انتشاراً. وإلى جانب معارضة الإجهاض وحقوق المثليين، كانت معارضة المواد الإباحية أحد أهم المبادئ التنظيمية للمتدينين اليمين. في عام 1997، تحدث مؤسس منظمة الأغلبية الأخلاقية جيري فالويل نيابة عن العديد من المحافظين الاجتماعيين عندما قال لشبكة “سي أن أن”، “المواد الإباحية تضر بأي شخص يقرأها، هو مجرد كلام فارغ. أعتقد أنه عندما تملأ عقلك بتلك الأشياء، فهي تؤثر بالتأكيد على علاقتك بزوجتك، وموقفك من الحياة، وأخلاقك”. ولكن اليوم، ابنه، جيري فالويل الابن، هو واحد من أشد مؤيدي دونالد ترامب. (في عام 2016، تم تصويره في مكتب ترامب أمام نسخة مؤطرة من غلاف بلاي بوي يظهر فيها ترامب).
التحول من موقف فالويل المناهض الشديد للإباحية إلى تساهل فالويل الابن مع ترامب، صار ممكناً بسبب الابتعاد الأوسع نطاقاً عن الحملات القديمة المناهضة للإباحية، والتي ربما بلغت ذروتها مع إطلاق إدارة ريغان تقرير ميس في عام 1986، الذي بذل جهداً مريباً لربط المواد الإباحية بجرائم العنف. وكان الضغط الذي شكله المتدينون اليمينيون لمناهضة الإباحية في العقود الأخيرة من القرن العشرين وقت توزع فيه تلك المواد من خلال أشرطة الفيديو والمجلات. وكان من الممكن تخيل أن المقاطعة الاستهلاكية ستقمع الإباحية، الأمر الذي صار أقل واقعية بعد انتشار الإنترنت. وحتى خلال ذروة الحماس المناهض للإباحية، كانت هناك أقلية صغيرة ولكن هامة من المحافظين الذين كانوا أكثر تقبلاً لها، لأسس تحررية إلى حد كبير. وكما اعترف ويليام بكلي مؤسس “ناشيونال ريفيو” في عام 1966، كان هاف هيفنر يملك نظرية نفعية للأخلاق “يوافقها على ما يبدو المحافظين الحديثين مثل آين راند”. كما راق انغماس هيفنر في المتعة للعديد من المحافظين خارج صفوف حركة راند أيضاً. في مجلة بكلي كانت هناك أصوات بارزة، كررت أصوات التحررية الارستقراطية في القرن الثامن عشر، محتجة بأن الترخيص الجنسي للذكور كان متوافقاً تماماً مع الفكر التقليدي. وكان الروائي كيث مانو، الذي وصف نفسه بأنه “مصور إباحي مسيحي”، مساهم دائم في السبعينيات في مجلتي “بلاي بوي” و”ناشيونال ريفيو”. وكان مانو في كل من قصصه الخيالية وتقاريره الصحفية (أحياناً يتطرق إلى نساء نوادي التعري والعروض الإباحية على قنوات الكابل) يعتنق بحماس فكر “الجنس مجاناً للجميع” الذي ساد في السبعينات. كما انخرط كتاب آخرون في “ناشيونال ريفيو” مثل غاي دافنبورت وثيودو ستورجون، في الكتابات الإباحية.
كتب جيفري هارت -المحرر الرئيسي في مجلة “ناشيونال ريفيو”- في مجلة “بارتيزان ريفيو” في عام 1985 “لا يوجد سبب يمنع الفن من تناول التجربة الإباحية”، مضيفاً “أمامي مجلة بلاي بوي بتاريخ مارس / آذار 1979، تعرض في صفحتي المنتصف صورة “دينيس ماكدونيل”، هي بلا شك شخص جميل. وبالتأكيد لا آسف على وجود هذه الصورة”. في عام 1986 بدا أن موقف هارت يُشكل أقلية، عندما كان جيري فالويل الأب في ذروة نفوذه. ولكن مع مرور الوقت، تحول المزيد من الحافظين إلى طريقة هارت في التفكير، وقد كان ذلك من تأثير ظهور الحركة النسوية وحقوق المثليين والمتحولين جنسياً، التي جعلت الثقافة المثالية الموجودة في “بلاي بوي”، تبدو غريبة في قبولها غير المشروط للجنسية والمعايير الجنسية التقليدية. لهذا السبب نعت بعض المواقع المحافظة وفاة هاف هيفنر في العام الماضي: كتب الناشر الفدرالي، بن دومينيش، أن عمل هيفنر احتفى “بالتكامل الجنسي الذي ربط الرجال والنساء معاً منذ فجر الزمان”.
وكما أشار دوثات في عام 2016، كان هناك تحالف طبيعي بين “الترامبية” وحب الإباحية المناهض للنسوية في عصر الإنترنت. وفقاً لكلامه “تحولت ثورة الرجال الجنسية، على أيدي هؤلاء الذي وُعدوا بالصور المثالية لفتيات المجلات وانتهى بهم الحال وحدهم مع إنترنت فائق السرعة يمكنهم من مشاهدة ما يريدون بأريحية، إلى ثقافة سامة، تمتعض من أي تمكين للإناث”. هذه الثقافة وجدت بطلها في ترامب، “هنا تجد أشد (وأغرب) معجبيه. لقد صار بمثابة قدوة الذكور الطموحة، الذي يحافظ على مزيج من التحرر الأخلاقي وكراهية النساء ويُبقي حلم المغامرة حياً”. يتواءم ذلك مع ملاحظة غولدبرغ، من منظور ليبرالي، “لقد سوى ترامب بين السياسات الرجعية مع الرخصة الجنسية للذكور”.
من السهل على الليبراليين أن يكرهوا نفاق الجمهوريين، حزب القيم العائلية المزعوم، وأن يضعوا ترامب رمزاً له. ولكن لا يوجد نفاق حقيقي هنا، فالقيمة الأساسية هي السلطة الذكورية، والتي يمكن أن تتخذ أشكالاً مختلفة. هناك السلطة الذكورية القديمة التي ترتدي قناع الفروسية، وتقدم الحماية للمرأة مقابل الخضوع. ولكن عصر الفروسية انتهى. ما لدينا الآن هي السلطة الذكورية الخام التي تطالب بحقوقها من خلال عرض عارٍ للقوة. والرئيس، مع عشيقته ممثلة الأفلام الإباحية، وتباهيه بالاعتداءات الجنسية، وحتى تغريداته ذات الإيحاءات الجنسية عن حجم زرّه النووي، هو الزعيم المثالي لعالم محافظ ما بعد الفروسية.
هذا الموضوع تم اعداده وترجمته عن موقع New Republic لمراجعة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأ أيضاً