fbpx

هنا القصة الثالثة

حنان زبيس - صحافية تونسية

حنان زبيس - صحافية تونسية

مقالات الكاتب

امرأة إخوانية على رأس بلدية تونس: انتصار للنساء أم لعبة سياسية

“فوزي بمنصب رئيسة بلدية العاصمة هو دليل على أن المرأة التونسية قادرة على احتلال المواقع الأمامية. وأنا أشكر الشعب التونسي على هذه الثقة”. كان هذا أول تصريح تدلي به سعاد عبد الرحيم، مرشحة حركة النهضة الإخوانية، التي أصبحت أول امرأة في تاريخ تونس تتقلد منصب رئيسة بلدية الحاضرة (تونس العاصمة). حدث أنتج جدلاً كبيراً في الأوساط السياسية والتقدمية، بين مستبشر بحصول امرأة على هذا المنصب المهم وبين خائف من أن يخدم هذا السبق التاريخي المشروع الإخواني.

يوم تاريخي

يوم 3  تموز/يوليو 2018، كانت قاعة بلدية تونس تعج بالذين يراقبون بحماسة كبيرة عملية انتخاب رئيس لبلدية “الحاضرة”. التوتر كان على أشده بين المرشحين لهذا المنصب ذات البعد السياسي والديني في الوقت ذاته، حيث يطلق على من يشغله اسم “شيخ مدينة تونس”. الأنظار كلها كانت منصبة على مرشح حزب نداء تونس (الحاكم)، كمال إيدير، رجل أعمال ورياضي سابق، وعلى مرشحة حركة النهضة، سعاد عبد الرحيم، امرأة “سافرة” شغلت قبل ذلك منصب نائب في المجلس التأسيسي. رشّح التصويت في الدور الأول صعود هذه الأخيرة وسرعان ما تأكد فوزها في الدور الثاني بـ26 صوتاً مقابل 22 صوتاً لمنافسها من نداء تونس، وذلك بعد امتناع حزبين آخرين، كانا مرشحين، عن التصويت وهما الجبهة الشعبية والتيار الديموقراطي، المعروفان بتوجههما اليساري.

عند إعلان النتائج النهائية، انفجرت القاعة بالزغاريد والهتافات من قبل مناصري حركة النهضة وترددت في أرجاء القاعة “الشعب يريد النهضة من جديد”، في حين كانت سعاد عبد الرحيم تحاول مبتسمة أن تحبس دموع الفرحة، لترفع بعد ذلك علامة النصر على أنغام النشيد الوطني.

اقرأ أيضاً: “فتنة” أم ثورة تحرر :تقرير لجنة الحريات في تونس يثير الجدل

كان حدثاً تاريخياً بجميع المقاييس، لن يُمحى من ذاكرة التونسيين، فلأول مرة تتقلد امرأة منصب “شيخ المدينة”، هذا المنصب الذي تم استحداثه في عام 1858 من طرف محمد باي بن حسين وتداول عليه إلى اليوم 31 رجلاً، كان يتم انتقاؤهم دائماً من أعيان المدينة أو كبار تجارها وأصحاب رؤوس الأموال فيها. وعدا مهماته الإدارية، يضطلع “شيخ المدينة” بمهمات دينية، فهو يشرف مثلاً على الاحتفالات الدينية في “ليلة 27 من رمضان”، في أحد مساجد العاصمة الكبرى. وهي الحجة التي ارتكز عليها مناهضو حركة النهضة لمنع مرشحتها من تقلد منصب رئيسة بلدية مدينة تونس، على أساس أنها “امرأة” و”لا يجوز لها أن تؤم الصلاة في الجامع”.

وكان من المنتظر، في إطار سياسة التوافق بين الحزبين الرئيسيين، حزب نداء تونس وحركة النهضة، أن تتخلى هذه الأخيرة، على رغم فوزها في الانتخابات البلدية، عن منصب رئيس البلدية لغريمها. ولكن الأمور حصلت عكس ذلك، إذ عملت الحركة الإخوانية على حشد الأصوات لمرشحتها وإقناع مرشحي الأحزاب الأخرى بالتصويت لها. وهو ما حصل، فقد تمكنت المرشحة من الحصول على 5 أصوات من خارج حركتها، سمحت لها بتجاوز الفارق البسيط بينها وبين منافسها، كمال إيدير. في هذا الصدد، يقول العجمي الوريمي، القيادي في حركة النهضة وعضو المكتب التنفيذي، “انتخاب سعاد عبد الرحيم بدّد صورة أن النهضة تقوم سياستها على التنازلات فقط، حتى أنها اتهمت بالتذيّل للنداء” ويضيف “النهضة لا ترى تعارضاً بين التنافس الذي تقتضيه الديموقراطية والتوافق الذي تفرضه الحاجة إلى التعايش والتعاون”.

من هي سعاد عبد الرحيم؟

 

من الواضح أن حركة النهضة راهنت على الحصان الصحيح باختيارها سعاد عبد الرحيم لرئاسة قائمتها الانتخابية في بلدية تونس، فالمرأة البالغة من العمر 53 سنة، سيدة عصرية، “سافرة”، تعمل صيدلانية وسيدة أعمال في مجال الأدوية وكان سبق للحركة أن رشحتها رئيسة لقائمتها الانتخابية في دائرة تونس 2 في انتخابات المجلس الـتأسيسي عام 2011، وفازت خلالها بمنصب نائب في المجلس. كما أن عبد الرحيم التي تقدم نفسها على أساس أنها مستقلة، انتمت في شبابها إلى الإتحاد العام التونسي للطلبة وهو الهيكل النقابي الطلابي للطلبة الإسلاميين وكانت عضواً في مكتبه التنفيذي الأول بعد مؤتمره التأسيسي عام 1985. وكانت وقتها طالبة “محجبة” تدرس في كلية الصيدلة بالمنستير (162 كلم جنوب العاصمة). يصفها رفيق دربها في اتحاد الطلبة، العجمي الوريمي، بأنها كانت “طالبة لها صدقية عند الطلبة وعند الإدارة وكانت عرضة لكل الضغوط، بخاصة الأمنية لإبعادها من المنظمة، لكنها بقيت ثابتة على المبدأ ولم تخذل رفاقها من قيادات الاتحاد”. تعرضت عبد الرحيم للملاحقة والسجن لمدة 15 يوماً، وتم طردها من جامعة الوسط بسبب نشاطها. ولكنها واصلت دراستها في جامعة تونس، حيث حصلت على شهادة في الصيدلة عام 1992. ابتعدت من النشاط السياسي ولم تسجل عودتها إليه إلا بعد الثورة، رئيسةً لإحدى قوائم حركة النهضة في المجلس التأسيسي. “كان ترشيحها في 2011 قراراً من المكتب التنفيذي وكان لي الفضل في إقناعها بالترشح”، يؤكد الوريمي.

اقرأ أيضاً: “الحرقة” أو الهجرة غير الشرعية في تونس: نزيف من الأرواح لا ينتهي….

ولكن على رغم مظهر عبد الرحيم “السافر” و”العصري”، فإنها فاجأت التونسيين بموقفها المحافظ في 2011 في قضية الأمهات العازبات، حيث تصدت لسنّ قانون يحميهن، حين صرحت بأنهن “عار على المجتمع التونسي” و”لا يجب منحن إطاراً قانونياً يحمي حقوقهن”.  

ولئن اعتذرت بعد ذلك عن هذا التصريح، فإن قسماً كبيراً من النخبة التونسية التقدمية اعتبرت أن ما قالته عبد الرحيم كان يعبر عن توجهاتها الحقيقية.

اليوم وقد عادت إلى الساحة السياسية من بابها الكبير، فإن السؤال يبقى مطروحاً حول المشروع المجتمعي الذي ستدافع عنه وعن قدرتها وهي في هذا المنصب الحساس، رئيسة لأهم بلدية في البلاد، على تجميع التونسيين وعدم التمييز بينهم على أساس أيديولوجي.

التقدميّون في مأزق

ولا يخفى أن تقلدها هذا النصب وضع النخبة التقدمية في مأزق، فمن جهة، استبشر التقدميّون خيراً بصعود امرأة لمنصب مهم كان حكراً على الرجال، ومن جهة أخرى، فإن تقلده من قبل مرشحة حزب إسلامي جعل كثيرين محترزين.

تقول حفيظة شقير وهي باحثة ومناضلة نسوية، “أشجع وجود النساء في مواقع القرار لكن شرط أن تتضمن برامجهن الانتخابية والسياسية تبنياً لقضايا النساء”، مضيفة “أعتقد أن سعاد عبد الرحيم سوف تكون مدافعة عن برنامج النهضة أولاً واخيراً”.

وتشاطرها الرأي الباحثة في الفكر الإسلامي، نائلة السليني، بقولها “لا يهم إن كان من يحتل المنصب امراة أو رجلاً، فلن يغير ذلك من سياسة النهضة، لأن الجميع يحتكم في النهاية إلى أوامر الشيخ راشد الغنوشي”.

يبدو أن حزب النهضة استوعب درس 2013، حينما حاول تغيير النمط المجتمعي التونسي، فعوقب بانكفاء شعبي عن التصويت ما أخرج النهضة من السلطة. لكن حزب النهضة عاد بعد سنوات قليلة باستراتيجية جديدة، تراهن على استعمال المرأة رأس حربة في معركة استعادة الحكم، وإقناع التونسيين بأن هذا الحزب بات حزباً مدنياً وتخلى عن الفكر الإسلاموي. ولم يخفِ العجمي الوريمي هذا التوجه بتأكيده بأن “السياسة بحثت عن المرأة، ونحن قدمنا لها مرشحة مقدّر لها الفوز”.

فهل ستنجح سعاد عبد الرحيم في هذه المهمة؟  

 

إقرأ أيضاً