هنا القصة الثالثة

أفراح ناصر

مقالات الكاتب

في ذكراها السابعة: هذا ما تعلمتُه من “رؤوفة حسن”

يأتي شهر أبريل/ نيسان لنواجه مرة أخرى الحزن لفقدان أبرز الرائدات النسويات في اليمن في قضايا الجندر والإعلام والسياسة، الدكتورة رؤوفة حسن، أو “الدكتورة” كما نحب في اليمن أن نطلق عليها. في الذكرى السنوية السابعة لرحيلها تذكير آخر بشخصها الفريد وما كانت تعنيه لليمن والعالم العربي. وكأنها كانت تدري أن وقتها قصير في عالمنا، وهي توفيت عن عمر صغير، 53 عاماً، في أحد مستشفيات القاهرة، يوم 27 نيسان 2011.

في كل عام في الذكرى السنوية لرحيلها، كنت أتحاشى فكرة كتابة مقال في رثاء الدكتورة، وأنا التي قلتُ الكثير عنها في مدونتي منذ أن تعرفت إليها شخصياً مع بداية عملي الصحافي في نهاية 2008 في صنعاء. كنت أراها قدوة نسوية وأكاديمية فذة. كنت مدمنة على قراءة مقالها الأسبوعي على صفحات جريدة 26 سبتمبر الرسمية سابقاً- كانت تطالعنا فيه بآخر مشاريعها الثقافية والسياسية.

كصحافية مبتدئة واظبت على زيارة مكتبها (مؤسسة تنمية البرامج الثقافية) في صنعاء، وغطيت الكثير من الفاعليات. لكنني أعاتب نفسي اليوم لأنني لم أكتب عنها كفايةً بعد مماتها. ربما لأن وتيرة الأحداث بعد غيابها كانت في سرعة خيالية أو ربما لأنني كنت أرفض الاقتناع بأنها رحلت، أو ربما للسببين معاً. لكنني هذا العام في أشدّ الاحتياج للكتابة عنها، فقد وصلت مستويات الإحباط واليأس إلى أعلى مراتبها، ليس في وسط اليمنيين واليمنيات فحسب وإنما في المنطقة ككل. أينما تولي وجهك في العالم العربي ترى العنف والموت والدمار، ولم يعد بأيدينا غير الاستسلام، باستثناء من آثر المقاومة.

اخترت المقاومة لأنني ما زلت على قيد الحياة، وأجد أن ذكرى الدكتورة عتاد لا يستهان بها، بكل ما كانت هذه السيدة تمثله من قوة وجلد ومقاومة، وكفاح في سبيل تعزيز النشاط النسائي والنهوض بمنظمات المجتمع المدني في اليمن والمنطقة العربية. ولدت رؤوفة وسط تقلبات سياسية سريعة عصفت باليمن، ومع ذلك واجهتها بمثابرة وإصرار وإيمان على التغيير والتنمية. أجد فيها اليوم مثالاً لبذرة التغيير (على رغم كل إخفاقاته) الذي نادى به شباب وشابات ثورة 2011 في اليمن. وليس بغريب لو اعتقدنا أنها كانت من أهم من أثروا في هؤلاء الشباب والشابات.

لم يكتَب الكثير بالشكل الكافي أو الحرفي عن السيرة الذاتية للدكتورة. ما هو موجود هنا أو هناك لا ينصف حقها، ولكنني أجتهد هنا وأعطي صورة عامة عنها من دون ذكر كل التفاصيل والمناصب التي شغلتها. فقد كانت الدكتورة كالنحلة، لا تمل ولا تكل، وهذه الروح بالتحديد هي ما أود أن أنقله لقراء “درج”.

ولدت الدكتورة في صنعاء لعائلة محافظة، وكانت الحفيدة المفضلة لجدها القاضي الذي دعمها كثيراً. في عمر الثانية عشرة سنة، أتتها فرصة المشاركة في عمل إذاعي للأطفال في إذاعة صنعاء، ولكن تحفظ عائلتها والمناخ المحافظ آنذك اضطرها إلى خوض التجربة من دون علم أهلها، وإلى تغيير اسمها حتى لا يتعرف إليها أي شخص من العائلة أو من يحمل لقب العائلة. فحين ذاك كان العمل في الإذاعة في شمال اليمن عيباً على النساء. فغيرت اسمها من أمة الرؤوف حسن الشرقي، إلى رؤوفة حسن. كبرت رؤوفة وكبرت البرامج الإذاعية التي ألفتها وقدمتها بنفسها، واكتشفت العائلة حقيقة عملها بعد زلة لسان من مذيع زميل أفشى اسمها الحقيقي من طريق الخطأ وهما على الهواء، فقاومت رؤوفة معارضة الأهل، وتدريجياً اقتنعوا بأهمية عملها. وما أن بدأ افتتاح التلفزيون عام 1975 كانت رؤوفة من الأوائل الذين انضموا إليه. سواء في الإذاعة أو التلفزيون ركزت على برامج تخص قضايا المرأة والفساد السياسي.

وبذلك كانت وجهاً إعلامياً بارزاً في الوقت الذي كانت النساء الإعلاميات معدودات. لم تقتنع بالشرشف (قماش يغطي المرأة من من رأسها حتى أخمص قدميها)، الزيّ الذي كانت النساء في شمال اليمن ترتدينها بحكم التمدد الوهابي من دول الجوار. فرفضت أن تلبس الشرشف وكانت في مرات كثيرة بلا حجاب أو بحجاب من أقمشة ملونة غطت بها شعرها، كانت تضعها بالطريقة القروية اليمنية البسيطة.

عطش رؤوفة للتحصيل العلمي تجلى في حصولها على درجة بكالوريوس في الصحافة من مصر (1980)، ثم درجة الماجستير في الآداب في تنمية الاتصالات من “كلية فيرمونت- جامعة نورويتش” في الولايات المتحدة (1984) وأخيراً حصلت على الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة باريس في فرنسا (1991). خلال هذه الأعوام كانت في سفر وتنقل دائمين، وفقت بين دراستها وعملها، وتقلدت مناصب عديدة ولكن أهمها في نظري هو أنها ساعدت على تأسيس كلية الإعلام في جامعة صنعاء في 1990 أو 1991، ورأستها لفترة بسيطة، تتلمذ على يدها معظم الصحافيين والصحافيات اليمنيات الذين دخلوا المهنة عن دراسة (كان لغالبيتهم دور في ثورة 2011).

ركزت بعدها على إطلاق حملات ومشاريع خاصة كثيرة، لزيادة مشاركة المرأة السياسية في اليمن. وقادت بنفسها حملة ترشح لمقعد في البرلمان اليمني لم تُكلل بالنجاح. إحدى صديقات الدكتورة رؤوفة تخبرني في ردها على رسالتي إليها عبر البريد الإلكتروني، حول ذكرياتهما، فتقول لي الأكاديمية الدكتورة شيلا كاربيكو: “أتذكر أن شعار حملة رؤوفة حسن الانتخابية كان يطغى عليه اللون البرقوقي. كانت المنافسة حادة في الحملات الانتخابية في 1993 وفي النهاية لم يفز أي مرشح أكاديمي بمن فيهم رؤوفة”.

تستطرد شيلا كاربيكو وتخبرني بأنها عملت مع الدكتورة في “وحدة البحوث الاجتماعية ودراسات المرأة في جامعة صنعاء” (1993-1995)، الوحدة التي أسستها رؤوفة بنفسها، وتقول شيلا كاربيكو: “تلقى المركز مضايقات وهجوم من قبل الجماعات الدينية المتطرفة في صنعاء، منهم عبد المجيد الزنداني، بحجة أن المركز يروج لأفكار نسوية ويتلقى معونات من الاتحاد الأوروبي”. بعدها اضطرت رؤوفة إلى اللجوء إلى هولندا، مع اندلاع حرب اليمن الأهلية في 1994 وكبر نفوذ الجماعات المتطرفة في جامعة صنعاء، تخبرني بذلك شيلا كاربيكو.

اضطرت رؤوفة البعد قليلاً بعد أن اشتد الوضع وواجهت حملة ضارية وتم تكفيرها من قبل المتشددين الدينيين. في لقاء رؤوفة حسن مع الأكاديمية الباحثة اليمنية السويسرية الدكتورة إلهام مانع، تعلق رؤوفة على تلك الفترة الصعبة وتقول: “أدركت أن ما قام به حزب الإصلاح (النسخة اليمنية للأخوان المسلمين) ضدي كان أكبر مني. أنا مستقلة، ليس لدي دعم من حزب سياسي أو حراك نسوي كبير أتكل عليه. أنا ظهري أنا فقط. قلت لنفسي هذه موجة لو وقفت ضدها يمكن أن توقع بي، وليس باستطاعتي سوى أن أفعل كما يفعله النخيل تجاه موجة الرياح، تخفض رأسها قليلاً حتى تنتهي الموجة ثم تقف مرة أخرى”.

خلال إقامة رؤوفة في هولندا كانت أستاذة محاضرة في عدد من الجامعات هناك، وأيضاً في الدنمارك وتونس. بعد أربع سنوات قررت العودة إلى القاهرة ومن ثم إلى اليمن. ركزت بعدها نشاطها في تأسيس “مؤسسة تنمية البرامج الثقافية” التي عملت تحت رايتها عشرات المشاريع والبرامج في كل أنحاء اليمن، ركزت مرة أخرى على حملات زيادة مشاركة المرأة السياسية. أهم نتائج تلك الحملات هي أنها نجحت في تمرير مسودة قانون إلى البرلمان اليمني، تمت بعدها دراسة مسودة القانون الذي يخصص كوتة نسائية بنسبة 15 في المئة لمقاعد نسائية في البرلمان. ولكن التيار الديني المتطرف في البرلمان عمل على عدم تمرير مسودة القانون. وعلى رغم ذلك، واصلت الدكتورة عملها مع المؤسسة من دون أي إحباط.

أتذكر جيداً كأنه البارحة، أني سألت الدكتورة مرة في نهاية 2008 خلال زيارتي للمؤسسة في يومها الأسبوعي المفتوح للعامة: “لماذا تقومين بكل ما قمت وما تقومين به؟” أجابت، “فرغة!”، ثم ضحكت. بمعنى أنها “فاضية” باللهجة اليمنية البسيطة. كانت معروفة بروح الدعابة وابتسامتها، على رغم كل اهتماماتها السياسية الجدية المعقدة.

لم يقتصر نشاط الدكتورة على اليمن فقط. في 2008 كانت رؤوفة في اجتماع في القاهرة مع أعضاء الجمعية العمومية التي كانت تعمل حينها على إطلاق المجلس العربي للعلوم الاجتماعية، وعليه كانت رؤوفة عضواً فى أول مجلس أمناء للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية، الذي نعى خبر وفاتها ببيان شديد الحزن.

يذكر البيان: “لقد تركتنا رؤوفة في وقت نجح الشباب العربي- رجاله ونساؤه- في السيطرة على مقدرات حياتهم فى تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن من أجل الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية التي طالما كافحت رؤوفة من أجلها. لقد كانت رؤوفة تؤمن بالشباب العربي- تؤمن بطاقاته وقدراته. ومن نواح كثيرة، فإن هؤلاء الشباب وثوراتهم، الميراث الذي تركته لنا رؤوفة”.

عانت رؤوفة مع المرض لشهور عدة قبل اندلاع ثورات الربيع العربي. ذهبت إلى القاهرة لتلقّي العلاج، لكنها واصلت نشر مقالها الأسبوعي، وأتصور أنها كانت تكتبه من على فراش المستشفى.

كان ولا يزال يراودني سؤال لا يهدأ في داخلي: “ماذا لو كانت رؤوفة شاركت في الثورة اليمنية في 2011 وكانت لا تزال معنا اليوم؟” لا أجد الجواب، ولكنني أجد ملامحه في آخر مقال كتبته، نُشر قبل وفاتها بأيام، تقول فيه: “هناك حالياً بعض الجُمَعْ في البلدان العربية هي موقع لبشر لديهم موقف، بعضهم للدفاع وبعضهم للهجوم، من مؤيدين أو موالين، مستقلين أو حزبيين، أحزاب حاكمة وأحزاب معارضة، ومستقلين فاض بهم الكيل فخرج شبابهم الذين لم يعد لديهم ما يفقدونه سوى أرواحهم فخرجوا للحل أو للشهادة. أما أنا، فكان لدي قلمي ورأسي اللذان توقفا معاً عن العمل حتى يأتي الفرج أو يزورني ملائكة الجنة. أودعكم وأفرغ قلمي من حبره وستسكت شهرزاد عن الكلام المباح”.

سكتت شهرزاد ولكن إرثها ما زال حيّاً. لا أتصور أن أي فرد من محيط العمل المدني التنظيمي في اليمن، لا يعرف أو لم يستقِ أي معرفة من المعلمة والكاتبة والناشطة الدكتورة. تركت أثراً محلياً وإقليمياً وبل عالمياً. تخبرني الأكاديمية الأميركية صديقة رؤوفة، ستيسي فيلبريك ياداف كيف أن رؤوفة كانت معلمة ممتازة بالدرجة الأولى، ففي أوائل لقاءاتهما كانت الدكتورة تشرح لستيسي فيلبريك ياداف عن الحراك النسوي في أميركا وأعطتها مثالاً عن “قائمة أيميلي” وهي لجنة سياسية نسوية عملت على تعزيز حق النساء في أميركا في العمل السياسي. تقول لي ستيسي فيلبريك ياداف: “لم أكن أعرف شيئاً عن ذلك، ومنذ حينها وأنا أدرِّس ذلك المثال لطلابي. الدكتورة رؤوفة نموذج مميز لنسوية آمنت بقضية النساء أينما كانوا، سواء في اليمن أو أميركا.”

اليوم وحرب اليمن تدمر أشياء كثيرة جميلة، أريد أن أقف لحظة وأحيّي ذكرى الدكتورة. لا أجد نموذجاً أهم وأكبر من رؤوفة حسن لشخصية يمنية صمدت على رغم الصعاب كلها، في سبيل النهوض بمجتمعها. أرى الإحباط يغمر كل من حولي من أفراد ومنظمات في المجتمع المدني اليمني، وأريد أن أسجل نقطة اعتراض وأقول إن هذه ليست المرة الأولى التي يعمل فيها نشطاء مثلنا في ظرف استثنائي كالذي في اليمن! على الأقل هذا ما تعلمته من التفكّر في ذكرى رؤوفة حسن. كنت ولا أزال أجد الدكتورة ملهمتي، حتى بعد سبع سنوات على غيابها.

إقرأ أيضاً