fbpx

هنا القصة الثالثة

حسين الوادعي - كاتب وحقوقي يمني

حسين الوادعي - كاتب وحقوقي يمني

مقالات الكاتب

في حرية التعبير والإساءة والازدراء

هل أستطيع نقد المعجزات المنسوبة إلى الأنبياء؟ وهل أستطيع السخرية منها إذا اقتنعت أنها غير حقيقية ومنافية للعقل؟

ما أهمّية هذا السؤال الآن؟

القصة أن شاباً لبنانياً مسيحياً سخر من المعجزات المنسوبة إلى أحد القدّيسين المسيحيّين وقامت عليه قيامة الغاضبين وتعرّض للتهديد والضرب والفصل من وظيفته.

تلقي هذه الحادثة ضوءاً على التشابهات التي لا تزال قائمة بين المسيحية العربية والإسلام العربي. وقد تكون مناسبة لأنصار تقييد حرية الكلام من المسلمين، للعب على وتر “يا عزيزي كلنا لصوص”، فما دام الآخرون يقيّدون حرية التعبير، فمن حقّنا أن نقيّدها نحن بالمثل!

لكن هل هناك حرية تعبير لا تؤدّي إلى إساءة أو جرح، أو إلى استفزاز المشاعر الدينية أو القومية أو الوطنية؟

أثارث النقاشات العالمية الأخيرة حول أزمة الرسوم الدنماركية ومجلّة “شارلي إبيدو” الجدل حول قضية “الإساءة” إلى المعتقدات. فهل ما فعلته الصحيفة الدنماركية يندرج تحت نطاق حرية التعبير؟ أم هو ازدراء للأديان وللمسلمين؟

بعد معارك سال فيها الحبر والدم، انتصر الضمير الأوروبي لحرية التعبير، ورفض تماماً اعتبار “ازدراء الأديان” جريمة. فحرية نقد الأديان لا يمكن أن تكون إذا لم يكن لدى الناقدين الحق في التحدّث بحرية، حتى في حال رأى أتباع هذه الديانات في ذلك ازدراءً لمعتقداتهم.

لا أعتقد أن هناك رأياً على هذه الأرض لا يحمل في طيّاته مضموناً جارحاً أو مستفزّاً أو مهيناً لأفراد وجماعات صغيرة وكبيرة.

“لا يوجد من يمارس فكرة ازدراء الأديان أكثر من الأديان ذاتها. فكل دين يرى نفسه الدين الصحيح ويرى بقية الأديان محرّفة وباطلة ومثيرة للسخرية. ولو طبقنا قاعدة ازدراء الأديان، فإن الضحية الأولى ستكون العقائد الدينية ذاتها”

تعرّضت المسيحية مثلاً لنقد علمي عنيف في ما يتعلق بخمسة جوانب رئيسية: تشجيع المسيحية على العنف ضد الآخر (محاكم التفتيش، المذابح المذهبية)، وتحقيرها المرأة ورفض مساواتها بالرجل، ومخالفة العلم أحياناً (كرويّة الأرض وأسطورة الخلق)، ونقد عملية جمع الكتاب المقدّس وصدقيته وتناقضاته، وتشجيعها على العبودية والاستعمار ونهب الشعوب الأخرى.

وقد تعوّد الضمير الأوروبي على هذا النقد اللاذع للمسيحية وصار جزءاً من التراث العلمي للمسيحية الغربية ووعيها المجتمعي، مع أنه لا توجد إساءة لأي دين أشد من اتّهامك إياه بالعنف وبأنه معاد للمرأة ويتناقض مع العلم ومتورّط في حروب واستعمار شعوب أخرى. لكن حرية التعبير لا يمكن أن تتحقق من دون إعطاء حق النقد حتى إن كان في هذا النقد إهانة واستفزاز لمشاعر 2.2  مليار مسيحي.

إن تاريخ النقد العلمي للأديان هو تاريخ الإساءة والازدراء لهذه الأديان ورفض عقائدها ولاهوتها وانتقاد لاعقلانيّتها ومعاداتها الحريات. ولست أبالغ إذا قلت إنه بالنسبة إلى الأديان تحديداً، فإن كل نقد علمي هو إساءة بالغة القسوة.

تبقى المشكلة في المسلمين ودوائر المسيحية العربية التي ترى في أي نقد للدين إهانة للعقيدة وازدراء لأتباعها وهرطقة/ زندقة لا يجوز التسامح معها.

ففي حين لا يتردّد المسلمون في توجيه النقد اللاذع للأديان الأخرى، تجدهم يرفضون أي نقد يمكن أن يوجّه إلى عقائدهم الأساسية وحتى لاجتهاداتهم الفرعية. وفي حين يرون أن التوراة والإنجيل المتداولَين اليوم محرّفان، إلا أنهم لا يتقبّلون أي انتقاد للقرآن وأي تشكيك في عمليّة جمعه أو في صحّة آياته.

لا يمكن أن يتحقّق أي نقد علمي للدين الإسلامي من دون إحساس شرائح واسعة من المسلمين بأن في هذا النقد إهانة وازدراء للإسلام.

على سبيل المثال، شاعت في السنوات الأخيرة فكرة نقد مدوّنات الحديث الإسلامية (البخاري ومسلم)، ورفض مرجعيّتها وصدقيّتها، بحجة أنها مرويّات مدسوسة عن الرسول محشوّة بالخرافات والعنصرية واحتقار المرأة وقتل المخالفين.

لا شك في أن رفض قدسيّة كتابَين مرجعَين كالبخاري ومسلم (وهما يحتلّان في الوعي الإسلامي مكان الأناجيل عند المسيحية والمدراش عند اليهود) فيه جرح كبير للمشاعر الدينية لملايين المسلمين. لكن هل يمكن أن يكون هناك تفكير علمي في الدين الإسلامي، من دون أن يكون هناك تقبّل لمشاعر الإساءة والغضب والاستفزاز؟

من الناحية العلمية أيضاً يمكن توجيه النقد العلمي ذاته للمسيحية تجاه الإسلام. فيمكن نقد تشجيع الإسلام العنف ضد الآخر (الفتوحات الإسلامية، المذابح المذهبية، حد الردة)، وانتقاصه من قيمة المرأة ورفض مساواتها بالرجل (الميراث، تعدّد الزوجات، الشهادة)، وإقراره العبودية وتشجيعها، ونقد عملية جمع القرآن، وصولاً إلى أزمة الانغلاق اللاهوتي وتعثّر مرحلة الإصلاح الديني الإسلامي والهيمنة الأصولية، وتعثّر اندماج المسلمين في المجتمعات الاخرى.

غالباً ما يجيب المسلمون الغيورون على هذا النقد بأن هذه الممارسات لا تمثّل الإسلام، وأن النص الديني بريء من أي ممارسات غير إنسانية. لكن هذا الشيء ذاته، يمكن أن يقال عن المسيحية واليهودية أيضاً، ويمكن تقديم تبريرات لا تنتهي عن أن النص المسيحي لا يشجّع على العنف أو الحروب أو انتقاص المرأة وأنّ الخطأ في ممارسات المتديّنين لا في الدين نفسه.

لكن العقدة هنا لا تنتهي. فكيف يمكن تفسير أن الأديان كلّها تقريباً مارست العنف والإقصاء والتمييز، ما لم يكن هناك جذر لكل هذه الممارسات في النص وفي اللّاهوت الديني نفسه.

إقرأ أيضاً: شبحٌ يخيّم فوق حرية التعبير في لبنان

لا يوجد من يمارس فكرة ازدراء الأديان أكثر من الأديان ذاتها. فكل دين يرى نفسه الدين الصحيح ويرى بقية الأديان محرّفة وباطلة ومثيرة للسخرية. ولو طبّقنا قاعدة ازدراء الأديان، فإن الضحية الأولى ستكون العقائد الدينية ذاتها.

مرافعة للمحامية أمل كلوني: عن الحقّ في الإساءة

قدّمت المحامية أمل كلوني مرافعةً طويلةً جداً عنوانها “الحق في الإساءة في المعاهدات الدولية”. وكنت أتمنّى أن يركّز الجمهور العربي على ورقتها هذه بقدر تركيزه على فساتينها وزواجها من النجم الهوليودي جورج كلوني. وملخّص مرافعتها أن القوانين الدولية لحرية التعبير لم تقدّم الحماية اللازمة لحرية “الإساءة”، كجزء لا يتجزأ من حرية التعبير، وأن تلك القوانين والمعاهدات يجب أن ترفع كل العقوبات حول الإساءة للدين والزعماء والملوك The three Rs: Royals, Rulers and Religion، بما في ذلك رفع العقويات التقليدية حول نقد ومراجعة الهولوكوست.

لا يمكن أن تكون هناك حرية للتعبير من دون إعطاء الناس حق الإساءة للمعتقدات واستفزاز الأفكار السائدة. وكما يقال بالانكليزية The right to free speech means nothing without the right to insult/offend إن “حرية التعبير تصبح بلا معنى إذا لم تضمن حرية الإساءة”.

لهذا رفضت معظم الدول الاعتراف بمصطلح ازدراء الأديان وأقرّت حق الناس في نقد المعتقدات والأفكار، دينية كانت أو دنيوية والسخرية منها.

بعبارة أخرى، حقوق الإنسان تحمي حق الناس في التديّن وحرية الضمير وفي الحماية من العنف والتشهير والتمييز، لكنها لا تحمي الأديان أو المعتقدات والأفكار بكل أنواعها من النقد أو السخرية أو الإساءة.

لا يعني هذا أن الحرية “سداح مداح”… فالقانون الذي يسمح بحرية الاستفزاز ونقد المقدّسات، يجرم ويعاقب على التحريض على العنف والكراهية والعنصرية والتمييز. وهذه هي الحالات الوحيدة التي تُقيّد فيها حرية التعبير بأمر قضائي محدود.

إقرأ أيضاً: حين يتماهى “الشرطي الصغير” مع الأخ الأكبر… قضيّة شربل نموذجاً

إقرأ أيضاً