fbpx

هنا القصة الثالثة

مايا عمّار

مقالات الكاتب

“في تلك الليلة تمّ اغتصابي”…

عندما تتجرأ مُغتَصَبة على كتابة قصتها موقعةً باسمها، فهذا يعني أنها اجتازت نصف الطريق إلى الشفاء، أما النصف الثاني من الطريق فيُفترض أن يكون عبر تحقيق العدالة ومعاقبة المرتكب. الشابة اللبنانية كيلي عازار قررت أن تروي ما حصل لها موقعاً باسمها. والناشطة الحقوقية مايا العمار كتبت الرواية وقدمت لها. و”درج” ينشر هنا قصة كيلي مع مقدمة لمايا..
 

“حضرة القاضي، من بعد إذنك، سأخاطب المُدَّعى عليه مباشرةً في رسالتي:

(بروك) أنتَ لا تعرفني، لكنّك كنتَ في داخلي. ولذا، نحن هنا اليوم”.

هكذا بدأت ابنة الاثنين والعشرين عاماً كلمتها في المحكمة، أمام مغتصبها، بروك تيرنر، الطالب الرياضي في جامعة “ستانفورد” الأميركيّة. في يونيو/ حزيران 2016، حكم القاضي في مقاطعة سانتا كلارا على تيرنر بستّة أشهر حبساً فقط، بعدما أصرّت الناجية، التي أُطلق عليها اسم إيميلي دو، على المضيّ قدماً في القضيّة، على رغم التعقيدات القانونيّة والاجتماعيّة التي كانت على علم بأنّها ستواجهها وتعرقل مسار العدالة. بعد أشهر معدودة من صدور هذا الحكم اللّطيف والمتفهّم للجاني، تعرّضت كيلي عازار اللبنانيّة لاعتداء مشابه، هنا، في بيروت. أمّا أبرز أوجه الشبه بين الاعتداءين، فهي أن كلتا الشابّتين كانتا تحتفلان ولم تكونا بكامل وعيهما حين تعرّضتا للاغتصاب، وكلا المعتدِيَيْن يعجّ تاريخهما بسوابق في ملاحقة الفتيات الثملات ومضايقتهنّ، ولهما من الامتيازات الاجتماعيّة ما يكفي لحمايتهما من التبعات القانونيّة الصارمة. فالأوّل رياضي أميركي أبيض، والثاني محامٍ لبناني أبيض. وفي حين استطاعت إيميلي إيصال صوتها إلى المحكمة والرأي العام بشكل رسمي وعلني بعد أشهر قليلة من الاعتداء، عجزت كيلي عن حمل قضيّتها إلى قوس المحكمة ومخاطبة مغتصبها من هناك، لا في خلوة خاصّة جهدت لتحقيقها. استصعبت كيلي البوح، حتّى لنفسها، نتيجة حالة الإنكار الضروريّة للنجاة في المراحل الأولى بعد الاعتداء، ولوم الذات، والخوف من تراكم الخسائر، كما تشرح في رسالتها المؤثّرة والجريئة والثاقبة أدناه.

كيلي اليوم تحرّرت من عجزها. قرّرت البوح بما حصل لها، لا لأعضاء المحكمة بل للجميع، لتتغلّب بذلك على الصمت الذي نهش روحها لأشهر طويلة، وعلى ذكرى معتدٍ تابع حياته، كغيره من المعتدين، بشكل عادي، فيما بقيت الناجية عالقةً في لحظة مجمّدة في الزمن، وما زالت غير قادرة على لملمة تفاصيلها لوصفها في رسالتها.

للأسف، في لبنان، كما في العديد من الدول، ظلّ تعريف الاغتصاب في القانون تعريفاً كلاسيكيّاً بدائيّاً يشكّل حاجزاً أمام تقدّم الكثير من الضحايا بشكاوى ضدّ المعتدين عليهنّ. وحتّى الآن، لم يجد المشرّعون أيّ داعٍ لتطوير هذا التعريف كما ينبغي، إرساءً لمبادئ حقوقيّة ثابتة حان الوقت للكفّ عن الالتفاف حولها، فضلاً عن وجوب مواكبة تشكّل وعي اجتماعيّ وسياسيّ مختلف آخذ في التبلور.

المبدأ الجوهري والأساس في مثل حالة كيلي وغيرها هو الرضا. لا رضا، لا علاقة. لا رضا، فاغتصاب. اعتداء. انتهاك. إكراه. قد يبدو المبدأ بسيطاً في الشكل، إذ إن الثمل وفقدان الوعي يلغيان تلقائيّاً توفّر الرضا والموافقة الواعية. ولكنّه يبقى معقّداً في أذهان الكثيرين. فعدا عن لوم المرأة الشائع لإفراطها في تناول الكحول، ولما يُعدّ استسلاماً من قِبلها لإصرار المعتدي، يميل المتردّدون في تسمية حوادث مماثلة بالاغتصاب إلى الأخذ بعين الاعتبار ثمل المعتدي أيضاً، فيساوون بين الطرفين في تحمّل المسؤوليّة. ولكنّهم بتفكيرهم هذا يغفلون عن الحدّ الفاصل بين العلاقة الجنسيّة والاغتصاب، المتمثّل بتوفّر الرضا، مهما كانت الظروف المحيطة. فحتّى في حالة الثمل، المعتدي الثمل يبقى الشخص الثمل الذي استغلّ ثمالة شخص آخر ولم يكترث لإرادته. ويبقى هو الشخص الذي بادر في البداية، ورُفض، فبادر من جديد، فرُفض، وعاد وبادر… إلى أن استحصل عنوةً على ما أراد، كما حصل مع الناجية كيلي.

ليست مصادفة أن يكون شرط توفّر الرضا غائباً من تعريف الاغتصاب الحالي، والذي يقتصر على الإكراه على العلاقة “بالعنف والتهديد” في قانون العقوبات اللبناني. فمن وجهة نظر المدافعين عن المنطق الأبوي، يحتمل شرط غياب الرضا الكثير من التفسيرات والمعاني، ومن شأنه أن يسهّل رمي تهم الاغتصاب يميناً وشمالاً، عدا عن كونه شرطاً من الصعب إثباته لاشتماله على مروحة واسعة من الظروف والنتائج. أمّا من وجهة نظر الذين لا يتبوّأون العروش، فهو يشكّل في الواقع شرطاً ضروريّاً من شأنه أن يحفظ حقّ الطرف الأكثر عرضةً للاعتداء، بخاصّة الاعتداء الذي لا يترافق بالضرورة مع الكدمات والخدوش، وأن يحفظ حقّ الضحايا في التبليغ عن الإساءة والانتهاك، من دون أن تقلقهنّ مشقّات الإثبات والتحقيق.

لم تنتظر كيلي أن يتغيّر القانون وذهنيّة المشرّعين لتشارك قصّتها. ولم تنتظر أن تعود حملة #أنا_أيضاً، #METOO  بزخمها لتستفيد من المناسبة والأضواء. فـ”الأنا أيضاً” تحدث كلّ يوم، ويجب أن تُحكى كلّ يوم، وشهادة كيلي شهادة حيّة على ذلك.

بقلم كيلي عازار:

“لا أدري من أين أبدأ… تعرّضتُ لحادثة من أصعب الحوادث في حياتي، وسوف أرويها هنا للجميع. لا أستعمل عادة وسائل الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي للبوح بقصص خاصة، إلا أن قصّتي ليست قصّتي وحدي. هي قصّة كل امرأة، أو كل رجل، تعرّضا للاستغلال.

فكّرت مرّات عدة أن أبوح بما حصل لي قبل بدء حملة #أنا_أيضاً، ولكنّ الحملة حفّزتني على الكتابة بعد أن تحقّقت من التبعات القانونية للنشر، وتأكّدت من دعم عائلتي ومحيطي الكامل، كما أنني تمعّنت مليّاً في القصة كي أتأكد من موضوعية الأمور.

أريد أن أرفع صوتي في وجه المعتدين الذين يستمدّون قوتهم من صمتنا، تاركين بصمة اعتدائهم وأذيتهم علينا. أعتقد أن الوقت قد حان لنصرخ ونطالب بالعدالة. لقد اعتُدي عليّ اعتداء وصلت آثاره إلى صميم نفسي. في عيد الميلاد الفائت، شاركت في حفل خطوبة في لبنان. تعرّفت إلى أشخاص كثيرين وتكلّمت مع محامٍ التقيت به مرّات عدّة سابقاً، ولا أستطيع تسميته، خوفاً من الملاحقة القانونية. قدّم هذا الشخص نفسه بكلّ لطف ومحبّة، واتّضح بعدها أنه السبب المباشر لأكبر مأساة سأختبرها في حياتي. تلك الليلة، في محيط عائلي وودّي، حيث يفترض أن يكون المرء بأمان ولا يُتوقّع أن يتعرّض لإساءة، تمّ اغتصابي.

أثناء الحفل، راح المحامي يحوم حولي، يحدّثني ويتودّد إلي، طالباً منّي أن أقبّله، ومصرّاً على أن أرافقه إلى منزله، ولكنني رفضت بوضوح مرّات عدّة. أصرّ على تناولنا الكحول بكثرة. وبعد أن ثملت، وبات متشبّثاً بي، استطاع خطف قبلة مني.

حينها، فكّرت كثيراً أن ما قام به كان سبباً كافياً كي أغادر وأحمي نفسي ممّا قد يحدث. اليوم، وبمساعدة أطبّائي النفسيّين، وعائلتي وأصدقائي، توصّلت إلى يقين أن المسؤولية الكاملة تقع على المعتدي.

في تلك الليلة، أخذني إلى مكان كي يختلي بي، مستغلّا عدم وعيي، كي يقوم بما خطّط له، غير مكترث برفضي المتكرّر. حصلت الحادثة خلال بضع دقائق، وما زلت إلى اليوم أعجز عن رواية تفاصيلها.

شعرت بالحزن، والقذارة، والعار. كنت مقتنعة بأنّني إذا تصرّفت كما لو أنه لم يحصل معي أي شيء، قد يختفي الموضوع. خلال الأيام التالية للحادثة، لم أبح لأحد بما حصل. كنت في حالة من الإنكار التام، وكنت أكذب على نفسي وعلى من حولي. بعد جلسات متتالية مع طبيبي النفسي، علمت أن حالة الإنكار التي أصابتني هي نتيجة طبيعية لصدمة كهذه.

في البدء، اعتقدت أن ما حدث كان خطئي. حاولت أن أتحكّم بتبعات الأمور، وأن أقوم بتغيير الواقع عندما كنت في أشدّ ضعفي، رافضةً أن أنظر إلى نفسي كضحية. اليوم، وبعد جلسات كثيرة، أستطيع أن أجزم كمّ الأذى الذي سبّبه لي. أعي اليوم أن احتساء الكحول المفرط كان خطأً منّي، ولا أفتخر به، ولكنّني أعي أيضاً أن هذا الأمر لا يسمح لأي شخص بأن يستغل الوضع، بخاصة أنني عبّرت تكراراً عن رفضي القاطع عندما كنت بكامل وعي.

هل من الممكن غضّ النظر عمّا حصل؟ أعرف أنّكَ سوف تقرأ ما كتبت، أنت، النسخة الوضيعة من الرجل الذكوري. اكتشفت أنّك حاولت التحرّش جسدياً بأخريات، وأنك تحوم حول النساء الثملات كي تستغلّ حالتهنّ. حفّزني هذا الأمر أن أخطو إلى الأمام، وأن أبادر بالبوح عن الاعتداء، لمصلحتي، ولحماية أخريات.

أعتقد أنّك تجد سهولةً في الاعتداء على النساء الثملات، فنحن، في النهاية أسهل فرائسكم، وأمثالك المقزّزون الذين يعتقدون أنهم سينجون بأفعالهم وأننا لن نقوى على القيام بأي رد فعل، لأن أمثالنا غير محصّنات لتدارك ما يحصل لنا أثناء الاعتداء، وغير قادرات على استرجاع تفاصيل الحادثة جرّاء ذكرياتنا الضبابيّة عنها.

لا أعرف ما الحجج التي تختلقها كي تستطيع النوم في الليل، مقنعاً نفسك بأنك لم تخطئ. هل فكّرت للحظة كم أن تصرّفاتك مؤذية؟ ربما ستفكّر مرّتين قبل أن تحتسي الشراب مع امرأة شعرت بأمان حولك. سوف تبقى ذكراك تقزّز كل خليّة من خلايا جسدي، وآمل أن أكون آخر من يشعر بذلك بسببك. استيقِظ وواجه ما فعلت عوضاً من أن تلقي باللائمة على كل شيء وكل شخص من حولك. عليك أن تعي كمّ الأذى الذي تسبّبه للناس ولعائلاتهم. تقول إن سمعتك قد تأذّت؟ أنت الذي تلطّخ سمعتك التي لم تكن موجودة أصلاً. السمعة الطيّبة تُكتسب من الأعمال المشرّفة.

في الأسابيع التي تلت، واجهت صعوبة بالغة في النهوض من سريري، بسبب ألم جسديّ حاد في ظهري، إضافةً إلى الأذى النفسي الذي أدّى إلى حالة قلق ونوبات تشنّج عصبي. عالجني طبيب نفسي وأخصائي عظام، على أمل أن أتعامل مع مشاعري وحالات التوتّر. لجأت إلى جمعية “كفى، للمساعدة. عرضوا دعمهم وبعض الحلول، وأعربوا عن استحالة استرداد حقي بالقانون نظراً لغياب الأدلّة الكافية ليلة الحادثة. لجأت أيضاً إلى “مرسى”، للقيام بالفحوصات اللازمة للتأكد من أنني لا أحمل منه أي أمراض جنسية معدية. هناك الكثير من الجمعيات غير الحكومية التي تُعنى بحالات شبيهة لحالتي، تحترم سريّة الناجين، وتؤمّن لهم مكاناً آمناً للبوح. المعلومات عن هذه الجمعيات تتوفّر من بحثٍ بسيط على الإنترنت. سمعت الكثير عن بعض أطباء العائلة الذين يتمنّعون عن تقديم علاجات مناسبة كالّتي تقدّمها هذه الجمعيات المختصّة والمعنية بالعنف ضد المرأة، بل يقدّمون إرشاداتهم بذكورية تعزّز آثار الصدمة.

لم أكن أعرف كيف أتصرف. كنت أخشى أن أُهاجم، وأن ينقلب السحر على الساحر. كنت أخشى أن لا يصدّقني أو يدعمني أحد. كنت أردّد لنفسي أن هناك حالات أسوأ من حالتي، وأنه عليّ المضي قدماً. عندما يفكّر أحدهم بالاغتصاب، يظنّ أن الحادثة تقع وسط شوارع معتمة وعلى يد غرباء. أعرف اليوم أنه من بين كل 4 ضحايا، 3 منهم يكونون على معرفة مباشرة بالمعتدين. أعرف اليوم أن البلاد المتطوّرة تعتبر ممارسة الجنس مع شخص ثمل جرماً، بما أن موافقة أحد الطرفين في هذه الحالة لا يعتبر قانونيّاً. أعرف الآن أن الاغتصاب قد يحدث في أي مكان، وأنّه شائع جداً، وفي أحيانٍ كثيرة، يتخلّله تعاطي الكحول. أعرف الآن أن المعتدين أقرب إلينا ممّا نعتقد. الاعتداءات تحدث في كل الأوقات، وليس من الضروري أن يتخلّلها ضرب مبرح. تأخذ الاعتداءات أوجهاً عدّة. وقد احتجت الكثير من الوقت لكي أقتنع بكل ما كتبت. وعندما اقتنعت بالكامل، جاءتني الشجاعة لأكشف ما حصل.

عندما أخبرت والديّ، اتّخذ الموضوع منحاً إيجابيّاً. فدعمهم كان عاملاً أساساً في مشكلتي. وجّهوني إلى أهمّ المحامين الذين ساعدوني لأنني استحق المساعدة، لا لأنهم على علاقة ودّية مع عائلتي، ولأنهم يثقون أنني محقّة في مواجهتي لتصرّفه المشين، وأنّه من حقي أن لا أغضّ النظر عن الحادثة.

كنت أعرف من البدء المجريات القانونية المترتّبة عن الموضوع. كنت أعرف أن الذهاب إلى المحكمة وسط المجتمع الذكوري الذي يحيطني لن يساعدني، بل سوف ينقلب ضدي. من المهم أن أشير إلى أن القانون اللبناني رثّ، ولا يعترف بشكل واضح بالاعتداء الجنسي حين يتخلّله معاقرة الكحول، مع أنه أحد الأوجه الشائعة عالمياً للاعتداء. كما أن القانون يعاقب النساء اللواتي يتقدّمن بدعوى من دون وجود أدلّة واضحة، لأنه يفتح المجال للمعتدي برفع دعوى تشهير ضدهنّ، ما يكلّفهن خطر السجن أو الأضرار المادية.

بما أن المعتدي محامٍ، ارتأى المحامون الذين وكّلتهم أن أواجهه، ورتّبوا لي موعداً غير رسمي معه بعد بضعة أشهر. خلال الاجتماع، مارس المعتدي كذبه إلى أقصى الحدود، وشوّه الحقيقة، واتّهمني بالكذب ونكر أنني كنت ثملة وقال إنّه لم يعتدِ عليّ. كنت أتوقّع أن يتصرّف كأي معتدٍ، أي أن يلوم الضحية. وصلت وقاحته لأن يطلب مني اعتذاراً خطياً، وهدّدني بأن يرفع عليّ دعوى قدح وذم في حال عدم التنفيذ.

أي مخلوق أنت؟ ألا تخجل من كونك محامياً؟ ألست أنت من يناضل من أجل العدالة؟ ألم تتعلّم الأخلاق؟ انظر إلى نفسك في المرآة وحاول جدياً أن تجد الأجوبة.

لا أستطيع أن أصف شعوري عند رؤية وجهه بعد الحادثة، ومواجهة مدى جبن هذا الإنسان الذي لم يعترف بخطئه.

خلال اللقاء معه، وجدت نفسي أفسّر عن عدم نيّتي الانتقام، أنا التي وجدت سمعتي مهدّدة في بيئتنا المحافظة. أنا التي وجدت نفسي مستعدة لأن أقوم بكل ما أمكنني كي أحقق العدالة. لم أطلب أي نوع من التعويض، طلبت فقط اعترافه بجريمته. أروي قصّتي لأن المعتدي سوف يعيد الكرّة، وإن فعل، أرفص أن يكون ثقل فعلته على عاتقي. كما أن قصّتي هي قصّة العديد من النساء اللواتي لم تُتح لهنّ الفرص لروايتها. أروي قصّتي لأنه الشيء الوحيد الذي أستطيع فعله.

كان اللّقاء متعباً ومفجعاً

قدّم اعتذاره في آخر اللقاء، إلاّ أن الاعتذار الذي قدّمه كان منقوصاً. اعترف بما حدث، غير أنّه اعتذر فقط عن الشعور الذي سبّبه لي. وكأن ما قام به هو عرضة للنقاش، نافياً بذلك العناصر الموضوعيّة لإساءته. ما حدث تلك الليلة ليس شعوراً أو استنتاجاً، بل فعل اعتداء. اختياره المقصود للمصطلحات، وتحويره الوقائع عند اللقاء، يجعل من اعتداءات مماثلة طبيعيّة في مجتمعاتنا، ويشعر الضحايا بأنهم يبالغون، ما يُرغِمهم على التزام الصمت.

هذا ليس ردّ فعل مُبالغاً فيه.

على مجتمعنا أن يتطوّر ويواجه القضايا التي تظهر وتتزايد بشكل مثير للقلق. لا نستطيع تقبّل الواقع لأن “هذه الأمور تحدث عادة”. نعم، أعرف أنها قد تحدث وتحدث دائماً، حتى أن بإمكانها أن تصيب بناتكم وأخواتكم يوماً ما. إلى متى علينا أن نصمت إزاء هذه الأشياء؟ إلى متى نلوم من لم تكن واعية على نفسها خلال الاعتداء؟ إنها أمور نخاف أن نذكرها أو نسمّيها. أمور تحدث بشكل طبيعي، تُسمّى اغتصاباً.

علينا شرح مفهوم “الموافقة” لكل رجل وامرأة. علينا أن نناضل لغد أكثر أماناً وألا نقبل بمقاييس مضلّلة وإجرامية.

في حال تعرّضك لاعتداء جنسي، أرجو منك التوجّه إلى مستشفى لإجراء الفحوصات اللازمة. لقد أخطأت ولم أذهب إلى المستشفى بسبب خوفي آنذاك. لو امتلكت الشجاعة، لكانت بحوزتي الأدلّة المطلوبة لألجأ إلى المحكمة. أعرف أن أوّل ما يخطر في بال الضحية هو أن تذهب إلى بيتها وتستحمّ كي تزيل أثر الحادثة. الحاجة إلى إزالة أثر الاعتداء، والأذى، والعار، هو أمر مفهوم تماماً، ولكن عليك أن تقاومي هذا الميل، لأنّ جسدك هو الدليل الوحيد الذي لا أحد يستطيع تجاهله.

أكتب هذا اليوم لأننا في حاجة إلى معرفة أن هؤلاء المعتدين يأتون من خلفيّات اجتماعية وطبقية متعدّدة، وهم يراهنون على سكوتنا ليرهبونا. عليهم أن يدفعوا الثمن مقابل جرائمهم. عليهم أن يعلموا أنه ليس بمقدورهم إيذاء أي امرأة في المستقبل.

ما كنت لأكون ما أنا عليه لولا خوضي هذه المعركة. لقد استنزفتني هذه المعركة حين كنت في حالة يُرثى لها. لكنني أستعيد اليوم توازني أكثر من أي وقت مضى. تمنحكِ المواجهة القوّة التي تحتاجينها، لا فقط لنفسك، بل لتكوني سنداً لكل شخص سبق واستُغلّ أو تعرّض للاعتداء. علينا أن نتكاتف، أن نرفع أصواتنا سوية كي يسمعنا العالم وكي نؤسّس لمستقبل أفضل. التغيير يبدأ الآن، التغيير يبدأ في كلّ واحد منا.

عندما تواصلتُ مع جمعية “أبعاد”، لطلب النصيحة والمساعدة منها، شعرتُ بأمل ومستقبل أفصل لهذا البلد. جمعيات كهذه تحفّز على التغيير. علينا أن نتغلغل في المدارس والجامعات كي ننشر الوعي عن الاعتداء الجنسي ومفاهيم الجنس والموافقة، والجنس تحت تأثير الكحول. وعلينا أن نثقّف الرجال سلوكيّاً، ونشجّع والنساء على كسر حلقة الصمت. أرجوكم أن تضمّوا أصواتكم إلى صوتي، ولتكن صرخة واحدة ضد ثقافة العنف والإجرام والاغتصاب، بمعزل عن مستوى الاعتداء. من يعتدي مرّة قد يكرّر فعلته مرّات كثيرة، وطالما أن بإمكانه التهرّب، فإن الأمور سوف تبقى على حالها. أدعوكم إلى التبليغ، بلّغوا جمعية كفى (KAFA)، وسائر الجمعيات بما حدث، إن لم ترغبوا في اللجوء إلى القضاء مباشرة. بإمكان هذه الجمعيات أن تبني تصوّراً دقيقاً حول قضايا الاعتداء الممنهج، وأن تساعد في بناء موقف حقوقي وقانوني قوي.

لا تفرّطن بحقّ أنفسكنّ، ولا بأي حقّ من حقوقكنّ. قاومن لأجل الأشخاص الذين لا صوت لهم وقاومن لأجل من قد تُنقذن. صوتنا سلاحنا. فلنستخدمه”.

إقرأ أيضاً