fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

في تركيا، يُتهم الأكاديميون الذين يطالبون بالسلام بالإرهاب

بدأت في اسطنبول محاكمات ضد الذين وقّعوا على عريضة، “أكاديميون من أجل السلام”، في يناير / كانون الثاني عام ٢٠١٦. من المقرر إجراء ما مجموعه ١٤٨ محاكمة حتى شهر مايو/أيار عام ٢٠١٨. كما يُتوقع الإعلان عن محاكمات جديدة في المستقبل القريب. وفي هذه المحاكمات، يُنظر إلى كل حالة على حدة، باعتبار الشخص المعني فيها قضية مُنفردة، ولكن لائحة الاتهام هي نفسها بالنسبة لجميع المتهمين، وإذا ثبتت إدانتهم، سيواجه الموقعون على العريضة عقوبة بالسجن قد تصل إلى سبع سنوات ونصف.
في العريضة المعنونة باسم “لن نكون طرفاً في هذه الجريمة”، سعى أكثر من ألفين من الموقعين إلى التوصل إلى حل تفاوضي للصراع العسكري بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني. إبان وقوع اشتباكات عنيفة فى البلدات التركية التي يسيطر عليها الأكراد، اعترض الموقعون على العريضة على استمرار أعمال العنف ضد الشعب الكردي، ودعوا إلى إنهاء حظر التجول على مدار الساعة الذي يحرم السكان من احتياجاتهم الضرورية، وطالبوا الحكومة التركية باستئناف المحادثات مع حزب العمال الكردستاني، والتي كانت الحكومة نفسها قد بدأتها من قبل. وأشارت العريضة إلى انتهاكات القانون الدولي والمبادئ الديمقراطية الأساسية، متهمة الحكومة بالقيام بـ “مجزرة وترحيل مخطط ومتعمد”.
فقد ما يقرب من ٥٠٠ أكاديمي ممن وقعوا على العريضة مناصبهم، دون أي احتمال للعمل مرة أخرى، ويخضع بعضهم الآن للمنع من السفر، كما تم إلغاء جوازات سفر بعضهم، ما يمنعهم من العمل في تركيا أو في الخارج.ما هو لب لوائح الاتهام؟
يتهم النائب العام الأكاديميين بـ “القيام بالدعاية لمنظمة إرهابية” بموجب المادة ٧/٢من قانون مكافحة الإرهاب التركي. وتعتبر الدولة العريضةَ التي تدعو لوقف العنف والامتثال للقانون الدولي، “دعاية” لحزب العمال الكردستاني. ولا تقدم لائحة الاتهام قراءة دقيقة للعريضة نفسها. والأكثر غرابة أن لائحة الاتهام تبدأ بالعريضة، مستشهدة بها حرفياً، ثم تخلص، دون أي حجة، إلى أنها إعلان يدعم حزب العمال الكردستاني.هذا تشويه متعمد وعكس المعنى الواضح للعريضة. في الواقع، تدعو العريضة إلى تسوية سلمية، لذا فمن الواضح أنها لا تدعم أية أهداف عنيفة لأي مجموعة كردية. وبالرغم من ذلك، فإن كلمة “السلام” أمست مرادفة “للإرهاب”.
يبدو أن قراءة العريضة وتحويلها إلى بنود اتهام، جعلت الدعوة لوقف العنف، والدخول في مفاوضات لتحقيق السلام، والامتثال للقوانين الوطنية والدولية التي تحمي حقوق الإنسان، ليست سوى دعاية للعنف الكردي.وهكذا، تم اعتبار أن الموقعين على العريضة، هم من كسروا القانون من خلال “تنظيم حملات تشهير ضد الجمهورية التركية وحكومتها والقضاء والجيش وقوات الأمن عن طريق الصحافة ووسائل الإعلام …”، وأن الموقعين هم من قاموا بحملتهم الدعائية، “للمنظمة الإرهابية المسلحة حزب العمال الكردستاني، مشرعين أو مُشجعين بذلك أساليبه بما في ذلك الإكراه والعنف والتهديدات”.
فجأة، تحول من يدعون إلى السلام بدلاً من العنف، ومن يعارضون المجازر ويعتبرونها جرائم ضد الإنسانية، إلى مُتهمين بتبني أجندة عنيفة. وأصبح استخدام وسائل الإعلام لنشر مطالبات العريضة دولياً بنداً على لائحة الاتهام نفسها. ويدعي قرار الاتهام أنه لم تكن هناك مذابح، وأن حظر التجول لم يؤد إلى حدوث نقص خطير في الأغذية، رغم أن هذه الحقائق تؤكدها منظمة العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش.
وعلى نفس النهج، تعيد لائحة الاتهام تسمية العنف الذي تمارسه الدولة بأنه ضمان ضروري لـ “السكان” في المناطق الكردية، وترفض استدعاء العريضة للقانون الدولي لحماية أرواح هؤلاء “السكان” لأنه بحسبها دعاية تشهيرية.يُتهم مؤيدو العريضة بـ “نشر أخبار كاذبة لا أساس لها من الصحة، من خلال التضليل والمعلومات الملوثة، واستهداف جمهورية تركيا وحكومتها وجيشها وقوات الأمن”.
ومن الغريب أن تُفسر الدعوة إلى ضم مراقبين دوليين للتأكد من احترام حقوق الإنسان والمشاركة في محادثات السلام في لائحة الاتهام، على أنها “اعتداء” على سيادة الدولة التركية. وقد بدأ الرئيس رجب طيب أردوغان هذا الخط الفكري،  عندما انتقد دعوة العريضة، للاستعانة بمراقبين دوليين ووصفها بأنها نتيجة للعقلية “الانتدابية”.
وعلاوة على ذلك، فإن تاريخ تركيا الطويل من الرغبة في الالتحاق بأوروبا ورفض أوروبا لها، والعملية المطولة للسعي إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، قد أثار استياءاً واسع النطاق تجاه القوى الدولية. لكن استدعاء العريضة للقواعد الدولية ليس تدخلاً، فهو يدعو إلى الإمكانات المثالية التي توفرها المعايير الدولية لحقوق الإنسان في بعض الأحيان للنضال من أجل كرامة الإنسان التي تتطلب مواجهة عنف الدولة.يلعب التضامن الدولي مرة أخرى دوراً حاسماً في الوقت الذي يواجه فيه حقوقيون في تركيا محاكمات جنائية. ويمكن أن يتخذ شكل دعم العلماء المفصولين شكلاً مالياً، ودعوة المنظمات المهنية ومؤسسات التعليم العالي على الصعيدين الوطني والدولي إلى الاستجابة لدعوة زملائنا للتضامن، سواء من خلال المقاطعة المستهدفة أو حملة مختلفة.
ولا يزال من الضروري أن نراقب عن كثب الإجراءات، وأن ندعو روابط المحامين ومنظمات حقوق الإنسان والمنظمات التعليمية إلى إرسال الوفود إلى تركيا لمراقبة المحاكمات خلال الأشهر المقبلة، على الرغم من المخاطر التي قد يتعرض لها المنخرطين في هذا الأمر. ومن المهم أن يقدموا تقريراً عن كيفية سير هذه الإجراءات، وما هي الإجراءات التي يمكن اتخاذها للدفاع عن زملائنا الذين يعانون من انتقام الدولة منهم لتعبيرهم عن رأيهم المعارض – ورغبتهم في السلام.باساك إرتور: محاضر في القانون ومدير مشارك في مركز القانون والعلوم الإنسانية في كلية بيركبيك للقانون، جامعة لندن
(تم إعداد وترجمة هذه القصة عن موقع The Guardian)

إقرأ أيضاً