fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - Radio Zamaneh

مقالات الكاتب

عن إعدام الصوفي الإيراني محمد ثلاث: هل كان بريئاً؟

اتهم محمد ثلاث وهو صوفي من جماعة “دراويش غنابادي”، بقيادته حافلة وقيامه بدهس عدد من ضباط الشرطة الإيرانيين، وألقي القبض عليه، وأُعدم في إيران فجر الإثنين 28/6/2018، وعلى خلاف الإجراءات القضائية المعتادة في قضايا القتل في إيران، كانت قضيته تسير بسرعة، على رغم كل الاعتراضات، والغموض الكبير الذي يلفّها.

وبصرف النظر عن الغموض، ورفضهم توكيل محام من جانب ثلاث، ووجود اعتراف من قبله، لكن الإجراء المتعجّل والمتسرّع، من دون اتباع الروتين المعتاد، وحتى التنفيذ السرّي تقريباً من قبل القضاء الإيراني، بهذه الطريقة تم تثبيت براءة الدوريش الغنابادي، إذ واجه القضاء الإيراني الكثير من الأسئلة من قبل الجمهور؛ وبحسب محامية محمد ثلاث، زينب طاهري، فقد تأكّدت براءة موكلها، وكانت قد طالبت بإعادة محاكمته، لكن طلبها قوبل بالرفض من قبل المحكمة المختصة، وكتبت على حسابها في “تويتر” عن الغموض الذي لفّ القضية.

كما أنّها نشرت صوراً عن الطلبات والأحكام الصادرة عن المحكمة البدائية والمحكمة العليا على موقعها.

إلى جانب ادعاءات محامية محمد ثلاث، إلى أي مدى يمكن اعتبار الغموض والاعتراضات قانونية من وجهة نظر حقوقية، وما هي علامات براءته؟

محمد ثلاث خلال محاكمته

إنّ مراجعة بسيطة للأحكام الصادرة ضد محمد ثلاث من قبل اثنتين من السلطات القضائية المختلفة في القضاء الإيراني، تبيّن أنّ الادعاء الرئيسي والدليل الوحيد على جرمه وارتكابه هذا الجرم، كانت اعترافاته ضدّ نفسه.

وفي كلتا الحالتين اعتبرت المحكمة واستناداً إلى إقراره أنّه متهم، وعلى أساس ذلك اعترفت به كمجرم، ولم تسع إلى محاولة اكتشاف أدلة أخرى، وفي الأساس تم استبعاد البحث عن أدلة أخرى، لأنها كانت ربما ستنفي تثبيت الجريمة.

في المادة 106 من قانون العقوبات الإسلامي، وفي إحصاء أدلة إثبات الجريمة، يعتبر إقرار المجرم بجريمته من أولى طرائق إثبات الجريمة، وفي المادة 171 يرد ما يقول بأنّ الاعتراف كاف لتحديد جريمة وتثبيتها من قبل مرتكبها، وقد أعلنت المحكمة أنّ هذا الإقرار هو السبب في عدم حاجة المحكمة إلى أدلة أخرى.

ومع ذلك فالمادة ذاتها تنص صراحة على أنّ المحكمة ملزَمة بالتحقيق في حالات عدم تطابق أدلة أخرى تثبت هذا الاعتراف، وكذلك التحقيق في نقاط الغموض والإشارة إليها أيضاً. هذه الخطوة التي أقدمت عليها المحكمة في قضية محمد ثلاث وحكمه، لم يقم بها القضاء – سواء في محاكم البداية أو المحاكم العليا في البلاد- ولم تشِر إليها حتى، وتشمل هذه الأدلة عدم تطابق توقيت وقوع الجريمة مع اعترافات وقوع الجريمة من قبل المتهم في تقارير الجهات الأمنية المختصة أو ادعائه تحت التعذيب لسحب الاعتراف منه.

المحامية زينب طاهري

ومع ذلك فإنّه وبموجب المادة 169 من القانون نفسه، فإنّ أيّ اعتراف يؤخذ تحت التعذيب والإيذاء النفسي والجسدي فإنّ المحكمة ملزَمة بالتحقيق في مثل هكذا حالات، ومع ذلك لم ترد أيّ إشارات من قبل القضاء بشأن ادعاء المتهم بأنّه تعرّض للتعذيب (مثل السماح بمعاينة المتهم من قبل الطبّ الشرعي والقانوني)، ومن ناحية أخرى ووفقاً لنصّ الالتماس، فإنّ أول اعتراف للمتهم لدى قاضي التحقيق في القضيّة، كان حين كان في المستشفى لتلقي العلاج.

في الاعتراف الذي أدلى به ثلاث في التلفزيون الرسمي الإيراني من المستشفى، يبدو عليه عدم وعيه التام، ويمكن تلمّس ذلك بوضوح، ووفقاً للمادة 168 من قانون العقوبات الإسلامي لا تُقبل الاعترافات، ولا تكون نافذة إلا في حالة الوعي التام، ومن دون ضغوط، ومن ناحية أخرى وبالاستناد إلى اعتراف المتهم فإنّ القضيّة غير كاملة، ونصّ الالتماس متناقض في هذا الصدد.

في هذه الحالة وعلى رغم أنّ قرار الاتهام مستند إلى الاعتراف، فقد تم التشديد مراراً على أنّ محمد ثلاث قد قرّر قيادة الحافلة بسبب غضبه من ضباط الشرطة بسبب ضربهم وشتمهم إياه، وقد اعترف هو نفسه وقال (أنّه قام بهذا العمل عن غير قصد)، وفي سياق الاتهام والحكم الصادر، يظهر سبق الإصرار للقيام بهذا الأمر من قبل محمد ثلاث، قائلاً: “لقد تم ركن الحافلة في الموقع ذاته لغرض قتل ضباط الشرطة”. ومن النقاط الأخرى في هذا الصدد هو عدم تطابق التوقيت بين اعترافات المتهم وتقارير الشرطة.

قضية محمد ثلاث تحوّلت من قضيّة جنائية إلى قضية أمنية

واستناداً إلى الاعترافات التي أدلى بها محمد ثلاث في قرار الاتهام الذي تم نشره، كان توقيت حصول الجريمة بين الساعة الرابعة والرابعة والنصف بعد الظهر، لكن بناء على تقرير الشرطة، فإنّ الجريمة حصلت في الساعة السادسة مساء، وأساساً لم يتضح أيّ مقياس استخدمته المحكمة لحلّ هذا الغموض.

الاعتراضات الشكليّة وعصا القضية

في محاكمة محمد ثلاث، وفي حين أنّ شهادات الشهود تضاف إلى اعتراف المتهم، فمن غير الواضح ما إذا كان شهد أحد بخلاف ذلك في القضية، ووفقاً لنصّ الالتماس فإنّ الشهود الذين تم توثيق شهاداتهم كدليل على الجريمة، يصفون كيف دهس السائق ضباط الشرطة، وليس فيها أي تلميح لسائق الحافلة. من ناحية أخرى، فإنّه من غير الواضح كيف وبأي طريقة تم إلقاء القبض على المتهم، وإن كان تم إلقاء القبض عليه داخل الحافلة، فلم لم يتم استخدام هذه النقطة كدليل على المتهم وإدانته متلبّساً من قبل المحكمة.

ماذا تقول محامية محمد ثلاث؟

هناك حالة غموض أخرى في منهجية القاضي تجاه قضية محمد ثلاث، وهي أنّه من غير الواضح ما إذا كان المتهم حاضراً أثناء إعادة مشهد الجريمة أو أنّه شاهد فيديو الإعادة ووافق عليه، لأنّ نسخة الاتهام في المحكمة العليا تؤكد تأييد المتهم الجريمة أثناء إعادة مشهد الجريمة، في حين أنّ الحكم الصادر من محكمة البداية تشير إلى حضور المتهم أثناء إعادة مشهد الجريمة.

كلّ هذا بينما تقول محامية ثلاث إنّ إعادة مشهد الجريمة لم تكن في مكان وقوع الجريمة، بل ربما في وحدة الاستخبارات من دون حضور المتهم، وفي حال كان هذا الادعاء صحيحاً، فإنّ هذا يتناقض مع القوانين والأعراف القضائية، ومن الاعتراضات الأخرى على هذه القضيّة، هو عدم الاستفادة من الأساليب العلميّة الحديثة للكشف عن مرتكب الجريمة.

تتعلّق الإجراءات القضائية في قضايا القتل في إيران عموماً بتقديم أكثر من دليل لإثبات الجريمة، وكذلك الاستفادة من الأساليب البوليسية العلميّة كالتحقيق، وفحص أسباب ارتكاب الجريمة ومعاينتها من قبل خبراء الشرطة للعثور على بصمات الأصابع، ومن الشائع إجراء فحص “دي إن إي” أو عيّنة قطرة دم المجرم، لكن وفق محامية ثلاث فإنّ الشرطة أو المحكمة لم تحاولا التحقق من جريمة (الحافلة)، ولا توجد أدنى إشارة في أيّ جزء من الحكم الصادر؛ لتثبيت الدعوى ضدّ محمد ثلاث، وفي هذه الحادثة يمكن أن تكون هناك آثار أصابعه وبصماته أو شعره على أداة الجريمة.

من ناحية أخرى، ووفقاً لادعاء زينب طاهري، فإنّ موديل الحافلة ولونها ونوعها قد اختلفت مرارا بين تلك التي أشار إليها قرار الاتهام، والتي اختارها محمد ثلاث لتنفيذ الجريمة، عن تلك التي تم استخدمها لارتكاب الجريمة، وهذا الاعتراض يجعل الأمر أكثر صعوبة، فقرار الاتهام قد استخدم اختيار محمد ثلاث الحافلة كدليل على نسبِ هذا الاتهام إلى المتهم، ومع ذلك ففي تسجيل صوتي صدر عن ثلاث قبل إعدامه، يتحدث بشكل واضح عن حافلتين، وأنكر قيادته الحافلة ودهس ضباط الشرطة.

رفض طلب إعادة المحاكمة

تنصّ المادة 474 من قانون الإجراءات الجنائية على النظر في شروط طلب إعادة المحاكمة، وفي البندين الخامس والسادس فإنّ وجود وثائق مزوّرة أو شهادات كاذبة أو اكتشاف أدلة جديدة تقضي بتبرئة المتهم، من أسباب إعادة المحاكمة المعروفة، وبناء على ذلك، ونظراً إلى الكثير من الثغرات في شكل قضية محمد ثلاث ومضمونها، بما في ذلك عمليّة المقاضاة وأدلة إثبات الجريمة، من الواضح أنّه إذا تم عرض القضيّة على محكمة مختصّة ونزيهة تحت إشراف سلطة قضائية مستقلّة وغير منحازة، فإنّ وجود أحد هذه الاعتراضات فقط يعدّ كافياً لإعادة المحاكمة من قبل محكمة الدولة العليا.

في الوقت الحالي، ليس من الواضح ما الذي دفع المحكمة العليا وبناء على ماذا رفضت طلب إعادة المحاكمة من قبل محامية محمد ثلاث ولا على أي أساس رفضت الأمر.

في ما يتعلّق بمجموع الموارد التي تبدو لنا، فإنّ قضية محمد ثلاث تحوّلت من قضيّة جنائية إلى قضية أمنية، ولم يكن مصيرها متعلّقاً بقرار القضاء، وإنما بقرار قائد الشرطة الإيراني، الذي قضى بإعدام المتهم، قبل أن يتم الاستماع إلى أي حكم قضائي.

معین خزائلي

ترجمه عن الفارسية عباس علي موسى

هذا المقال مترجم عن موقع RadioZamaneh ولقراءة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي

 

إقرأ أيضاً