fbpx

هنا القصة الثالثة

يوسف بشير

يوسف بشير

مقالات الكاتب

فيكشن: عودة الإمام الصدر من ليبيا…

غصّ مطار بيروت بالوفود الشعبيّة التي راحت تتدفّق من محافظتي الجنوب والبقاع، ومن منطقة جبيل في جبل لبنان، وطبعاً من ضاحية بيروت الجنوبيّة التي يقع المطار في نطاقها.

أعلام “حركة أمل” الخضراء وصور مؤسّسها العائد السيّد موسى الصدر غطّت العديد من شوارع العاصمة. شبّان متحمّسون أتوا يهتفون للإمام وعودته. سيّدات من الجنوب والبقاع كنّ يزغردن. الفرحة عمّت الجميع برجوعه من ليبيا.

الرئيس اللبنانيّ الياس سركيس وقف على رأس المستقبلين، يحيط به رئيس حكومته شفيق الوزّان ونائبه ووزير الخارجيّة فؤاد بطرس وباقي الوزراء، كذلك حضر عشرات النوّاب، وإن لوحظ غياب رئيس المجلس كامل الأسعد.

الكاميرات توزّعت بين سركيس والوزّان ونبيه برّي، الذي تولّى رئاسة “حركة أمل” قبل أشهر قليلة، وحسين الحسيني الذي تولّى رئاسة الحركة بعد خطف الصدر في ليبيا وبقي في رئاستها قرابة عامين، والشيخ محمّد مهدي شمس الدين، نائب الصدر في رئاسة المجلس الإسلاميّ الشيعيّ الأعلى، وبالطبع كان هناك قائد منظّمة التحرير الفلسطينيّة ياسر عرفات، وقادة القوّات السوريّة في لبنان. كلّ هؤلاء وسواهم من الزعماء اللبنانيّين من سائر الطوائف كانوا بين المستقبلين. كبار سياسيّي المنطقة الشرقيّة المسيحيّة، كالرئيس السابق كميل شمعون ونجليه دوري وداني، ورئيس “حزب الكتائب اللبنانيّة” بيار الجميّل ونجليه أمين وبشير، حضروا أيضاً بعد وساطة أجراها الرئيس سركيس مع الأطراف السوريّة والفلسطينيّة التي تسيطر على أمن المنطقة الغربيّة المسلمة.

الطرقات أنيرت بعد أيّام من انقطاع الكهرباء في معظم العاصمة وضواحيها. الفنادق التي كانت مهجورة غصّت بالمراسلين الأجانب الذين جاؤوا لتغطية الحدث. المطاعم المنتشرة بين بيروت والمطار أعلنت أنّها ستقدّم الطعام في ذاك اليوم مجّاناً لمن يريد.

أخيراً، وبالضبط في تمام السابعة مساء، يوم التاسع من كانون الأوّل (ديسمبر) 1981، أطلّ الصدر على مُستقبليه. طلّته المحبّبة ونظرته التي تفتن الكثيرين لا تزالان على حالهما، لكنّه بدا، هو النحيل أصلاً، كأنّه خسر عشرة كيلوغرامات من وزنه. رفع يده اليمنى مُحيّياً ما أن انفتح باب الطائرة، فيما كان يظهر من ورائه رفيقا رحلته المنكودة الشيخ محمّد يعقوب والصحافيّ عبّاس بدر الدين.

لقد قرّر الصدر، يتبعه رفيقاه، أن يعبر الطريق من الطائرة إلى المطار مشياً، وكانت كلّ خطوة يخطوها تجعل الهياج الاحتفاليّ لمستقبليه أشدّ صخباً وأعلى ضجيجاً. عانق بحرارة زوجته وأبناءه وبدا شديد التأثّر، قبل أن يبدأ بمصافحة كبار المستقبلين ومعانقتهم. لكنْ ما إن أحاطت به الجماهير التي يحاول معظمها عبثاً الوصول إليه والتبرّك بجبّته، حتّى توقّفت الكاميرات معلنةً عجزها عن اقتناص المزيد من الصور وسط غابة من البشر في هذه الكثافة.

أجواء الفرح والاحتفال استمرّت في لبنان لمدّة أسبوع. الجميع شاركوا فيها أكانوا محبّين للصدر أم حذرين منه أم خصوماً له. كلٌّ منهم كانت له أسبابه التي لا صلة لها بأسباب الآخر. لكنّ ذاك الأسبوع لم يقتصر على المسرّات والمهرجانات، فقد شهد أيضاً خمسة لقاءات مهمّة أجراها الإمام أو أجريت معه. الصحافة اللبنانيّة التي راحت تتابع تلك اللقاءات يوماً بيوم، تمكّنت من الحصول على معلومات وتسريبات قليلة قد تكون هذه أهمّها:

– بعد يومين على وصوله، زار القصرَ الجمهوريّ شاكراً الرئيس سركيس على الجهود المحمومة التي بذلها لإطلاق سراحه، والتي تجاوزت الليبيّين إلى الجامعة العربيّة والأمم المتّحدة. وقد نُقل عن الصدر قوله: “ربّ ضارّة نافعة. لقد أفهمتْني هذه المحنة أنّ بلدي هو وحده الذي يدافع عنّي، وانتبهتُ إلى أهميّة أن يعيش المرء في بلد ديمقراطيّ. اليوم أعترف بأنّني أخطأت خطأ كبيراً حين تحالفت مع النظام السوريّ والمسلّحين الفلسطينيّين. سامح الله [الرئيس السابق] سليمان فرنجيّة الذي دفعني إلى ذاك الموقع بسبب تحجّره ورفضه أن يتعامل إيجابيّاً مع مطالب الشيعة المُحقّة تمسّكاً منه بصديقه كامل الأسعد. إنّ عنوان توفيق الحكيم الشهير، “عودة الوعي”، هو أفصح ما يصف أحوالي ومشاعري اليوم. من الآن فصاعداً أتعهّد أمامك، يا فخامة الرئيس، بالدفاع عن استقلال لبنان بالقدر الذي أدافع فيه عن حقوق الشيعة ومصالحهم. فحين ينهار وطنٌ ما تنهار بالضرورة حقوق أبنائه ومصالحهم. لهذا أظنّ أنّ المهمّة الأنبل حاليّاً، والتي ينبغي للجهود كلّها أن تصبّ فيها، هي تدعيم السلم الأهليّ وتعزيزه، والتفاوض مع الحكومة السوريّة لإخراج قوّاتها وأجهزة أمنها من لبنان، ومع القيادات الفلسطينيّة والميليشيات اللبنانيّة جميعها كي ندخل في عمليّة يتأدّى عنها نزع سلاحها وتسليمه إلى القوى الشرعيّة. ولا بدّ، منعاً من التعرّض لهجوم إسرائيليّ يكون نكبةً على أهل الجنوب، من عقد طاولة مستديرة لجميع القوى السياسيّة والطائفيّة. هناك، على تلك الطاولة، ينبغي أن نناقش أموراً ثلاثة: إمكانيّة تحييد لبنان وعزله عن نزاعات المنطقة دون عزله عن التعاطف السياسيّ مع حقوق الفلسطينيّين، ومسائل العدالة الاجتماعيّة التي تنصف الفئات الأكثر حرماناً وتوسّع قاعدة المؤيّدين للتحييد ونبذ السلاح، وطمأنة المسيحيّين الذين يدفعهم خوفهم الأقلّيّ إلى مواقف متطرّفة”.

– على عكس الجوّ الإيجابيّ الذي ساد لقاءه مع سركيس، اتّسم لقاؤه مع وزير الخارجيّة السوريّ عبد الحليم خدّام بكثير من التشنّج، بل التوتّر. فقد قال له بالحرف الواحد: “يؤسفني، يا معالي الوزير، أنّكم متحالفون مع نظام كنظام القذّافي لمجرّد أنّكم تعارضون سياسات [الرئيس المصريّ] أنور السادات. لقد لمست لمس اليد، هناك في طرابلس، كيف أنّكم مستعدّون للتضحية بأصدقاء مثلي حرصاً منكم على ما تسمّونه “تحالفاً استراتيجيّاً” مع ذاك العقيد الليبيّ المجنون والمجرم والتافه. وهذا، يا معالي الوزير، لا يخفي رمزيّةً ما: فأنتم، في نهاية المطاف، لا يهمّكم لبنان وشعبه، على رغم كلّ كلامكم عمّا تسمّونه قوميّة المعركة مع إسرائيل ووجود أهل الجنوب اللبنانيّ على خطّ المواجهة. إنّ اهتمامكم بسلطتكم وتحالفاتها هو الشيء الوحيد الذي يهمّكم. صداقاتكم يمكن أن تغدروا بها وتتخلّوا عنها، ومَن تكون هذه حاله يستحيل أن يكون صديقاً”.

– وبروحيّة الاحتجاج الغاضب نفسها، تحدّث الصدر إلى ياسر عرفات: “ما تفعلونه في جنوب لبنان ليس مقبولاً أبداً. يطلق عناصركم صاروخاً من بين بيوت السكّان القرويّين الآمنين ثمّ يهربون، فيأتي الانتقام الإسرائيليّ قتلاً وترويعاً لأولئك السكّان وهدماً لبيوتهم. الناس يهجرون قراهم ويتدفّقون على بيروت التي تكاد تختنق. هذا عمل لا يطاق بتاتاً يا سيّد عرفات. إنّه يبدّد لبنان بدل أن يحرّر فلسطين، كما تزعمون. أكثر من هذا، أتخوّف من غزو إسرائيليّ أكبر وأعنف وأخطر من ذاك الاجتياح الذي حصل قبل أشهر على خطفي في ليبيا وسمّاه الإسرائيليّون “عمليّة الليطاني”. يزيد في ذعري تطوّران حصلا إبّان اختطافي: من جهة أنّ الزعامة المسيحيّة انتقلت إلى يد شابّ متطرّف وعلى صلة بالإسرائيليّين هو بشير الجميّل، ومن جهة أخرى أنّ الحياة في بيروت وفي سائر المناطق التي تسيطرون عليها، بالتشارك مع القوّات السوريّة، باتت لا تُطاق. الفوضى والتعدّيات التي تسمّونها “تجاوزات” تدفع السكّان، وعلى نحو متزايد، إلى العداء لكم. ينبغي أن تفكّروا عميقاً في ما ستفعلونه بثورتكم هذه! وأظنّ، فضلاً عن ذلك كلّه، أنّ ثورتكم، مثلها مثل النظام السوريّ، تعاني فساداً أخلاقيّاً يحملها على التحالف مع نظام القذّافي الذي لا يستحقّ إلاّ الاحتقار”.

– كذلك ساد الغضبُ لقاءه برئيس حركته المحامي نبيه برّي وإن كانت مودّته له قد رطّبت الغضب قليلاً: “ماذا فعلتَ يا نبيه؟ أين السيّد حسين الحسيني وباقي القادة التاريخيّين لحركتنا الذين وقفوا معي منذ إنشاء “المجلس الإسلاميّ الشيعيّ الأعلى”؟ (وبعد لحظة صمت وتأمّل) كم كان الحسيني مصيباً حين اعترض على زيارتي إلى طرابلس ورفض التوجّه معي إلى هناك”.

ومضى السيّد الصدر: “تفرّدكم في قيادة الحركة ليس مقبولاً على الإطلاق. سوف أدعو في أقرب فرصة إلى مؤتمر ننتخب فيه قياديّين جُدداً تثق بهم القاعدة وتمحضهم ولاءها. إنّني أعلم أنّ الخطّ الموالي كلّيّاً لدمشق، الذي تتّبعه أنت، إنّما بدأ معي، حين كنت لا أزال بينكم. لكنّني، ومن دون أن أنفي مسؤوليّتي، كنت أفعل ذلك مضطرّاً، ولطالما أحسست بالحرج وأنا أدعو إلى رفع الحرمان عن المحرومين في لبنان فيما أبارك نظاماً لا يكتفي بحرمان شعبه، بل ينتهكه ويُذلّه بأبشع الطرق وأفظع الأساليب. أمّا أنت يا نبيه، ومن خلال المعلومات التي استطعتُ بشقّ النفس الحصول عليها في ليبيا، فتمارس الالتحاق بالنظام السوريّ بحماسة وبلا تأنيب ضمير من أيّ نوع”.

ويبدو، بحسب مراسل جريدة “النهار” نبيل ناصر، أنّ الصدر رطّب الجوّ بممازحته برّي: “قل لي يا نبيه، هل لا تزال كما كنتَ في شبابك بعثيّاً؟، هل فعلتَها من وراء ظهري يا ملعون!”.

– رابع اللقاءات كان أكثرها حدّة وتوتّراً. الضيوف، هذه المرّة، كانوا مشايخ إيرانيّين وصلوا من طهران، في عدادهم أحد ممثّلي الوليّ الفقيه آية الله الخميني (لم يُكشف عن اسمه). الغضب في هذا اللقاء ترافق مع ارتفاع الصوت على نحو غير معروف في الصدر الذي يتحدّث بهدوء وبصوت منخفض حتّى وهو غاضب ومنفعل.

لم يجاملهم بتاتاً، حتّى أنّه بالكاد قبِلَ تهنئتهم بعودته مكتفياً برسم بسمة صفراء على شفتيه. دخل مباشرة في الموضوع: “فهمت، وأنا هنا، أنّكم تجمّعون حولكم بعض المشايخ الصغار كي يعلنوا جمهوريّة إسلاميّة في لبنان. إنّكم بالكاد تفهمون إيران، فكيف تدّعون فهم لبنان وتعقيداته؟ أحد هؤلاء المشايخ الذي عاد إلى رشده، بعدما زارني وتحدّثتُ إليه، صارحني بأنّكم تنوون، بعد أيّام قليلة، تفجير السفارة العراقيّة في بيروت. قال إنّكم أتيتم بعناصر عراقيّة معارضة لصدّام حسين كي ينفّذوا هذه المهمّة. هذا أمر خطير فعلاً، وأنا كلبنانيّ وكشيعيّ لبنانيّ أعترض أشدّ الاعتراض عليه وأرى فيه توريطاً لبلدي ولطائفتي. أفهم أنّكم تخوضون حرباً مع العراق، وأنتم تعرفون مدى كراهيتي لصدّام حسين بعنجهيّته وطائفيّته، فضلاً عن قتله عدداً معتبراً من أقاربي آل الصدر. إلاّ أنّني لا أقبل أبداً بتحويل بلدي إلى ملحق بتلك الحرب، بحيث تروحون تفجّرون السفارات أو ربّما تخطفون رعايا أجانب. فوق هذا، كيف يمكنني، أنا العائد من عمليّة خطف حقيرة، أن أهلّل لخطف آخرين؟

وثمّة مسألة أخرى لا بدّ من مصارحتكم بها: إنّ مقتل محمّد بهشتي، في التفجير الذي حصل قبل أشهر في طهران، لم يُثر أيّ تعاطف عندي ولم يحملني على الترحّم عليه. هذا الرجل الذي أسمتْه وسائل الإعلام العالميّة “اليد اليمنى للإمام الخميني”، كان شريك القذّافي في عمليّة خطفي. إنّه، وبحسب معلومات مؤكّدة توفّرت لي، هو الذي حضّ حاكم ليبيا على أن يفعل ما فعله بحجّة زائفة تقول إنّني عميل للشاه وعميل للأميركيّين. إنّني لا أحسدكم بتاتاً على قيادات من هذا الصنف”.

ويظهر أنّ الوفد الإيرانيّ خرج غاضباً من لقائه مع الصدر وانتقل فوراً إلى المطار ومنه إلى طهران.

بعد أيّام قليلة، شهدت بيروت عمليّة اغتيال مجهولة المصدر للسيّد موسى الصدر. كيلوغرامات من المتفجّرات انفجرت بسيّارته التي كانت تقلّه إلى قصر بعبدا للقاء رئيس الجمهوريّة. الفرح الوطنيّ بعودته انقلب مأتماً شارك فيه جميع الذين سبق أن استقبلوه لدى وصوله إلى المطار. “تلاميذ الإمام الصدر”، وهي تسمية لم يُعرف بالضبط أصحابها، نشروا كرّاساً ضمّنوه الاستشهادات المنقولة أعلاه عن الصحف البيروتيّة وعَنْوَنُوه: “وصايا الإمام في ما خصّ الأصدقاء والأخصام”.

إقرأ أيضاً