fbpx

هنا القصة الثالثة

يوسف بشير

يوسف بشير

مقالات الكاتب

فيكشن: السبب الحقيقيّ وراء مقتل بشير الجميّل

حين أقدم حبيب الشرتوني على قتل الرئيس اللبنانيّ المُنْتَخَب، بشير الجميّل، لم تكن السياسة والحزبيّة وراء قراره. المعلومات التي تجمّعت مؤخّراً من مصادر عدّة تقطع ببطلان الرواية الرائجة عن الاغتيال.

القصّة تعود إلى مطالع 1980، وكانت انقضت سنوات أربع على انضمام الشرتوني إلى الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ. ففي تلك السنة، وكان له من العمر 22 عاماً، بدأ الشابّ يتغيّر، لا سياسيّاً فحسب بل شخصيّاً أيضاً. تغيّرُه نجمَ عن بضعة أسباب في عدادها أنّه قضى في فرنسا أشهراً تركت بصمات واضحة عليه. لكنّ السبب الأقوى بالتأكيد كان قراءاته الروايات والمسرح وتعرّفه على الفنون، وهو ما أولع فيه فدفعه إلى زيارات لم تنقطع للمعارض والمتاحف. وتأثّراً بما قرأ وشاهد، وهو كثير، تحصّلت لديه ذائقة جماليّة تأخذ الحياة بمرونة أكبر، فيما تشوبها أفكار تتعاطف مع الضعيف والمنبوذ، وتمجّ العسكرة والزعماء الأقوياء الذين يتباهون بالمجد والنظام والعنفوان. أمّا فرنسا تحديداً، وبسبب إقامته في حيّ جزائريّ فقير من أحياء عاصمتها، فشحذت لديه إحساساً لم يعرفه من قبل بمسألة العنصريّة. ويبدو أنّ حبيب تعرّف هناك إلى شبّان وشابّات من اليهود الفرنسيّين الذين يناضلون ضدّ العنصريّة، كما تُمارَس حيال السود والعرب، فانجذب إلى بعضهم.

وتسارعت خطى التغيّر الذي راح يعصف بالشرتوني الشابّ. فالحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ لم يعد يخاطبه في شيء. مبادىء الحزب وعقائده صارت تبدو له غريبة ومُنفِّرة، وبعضها مكروه، سيّما آراء زعيمه أنطون سعادة في الرؤوس المفلطحة والرؤوس المستطيلة، وفي اليهود الذين لعنهم من غير تمييز، ناهيك عن تفسيره انحطاطَ قرطاجة الذي نجم، في رأيه، عن التزاوج مع السود. وهو كرهَ الطبيعة العسكريّة والمراتبيّة الحادّة في الحزب، وتمجيد الجيش القويّ، وفكرة “المدى الحيويّ” التي حملت سعادة على ضمّ جزيرة قبرص، اليونانيّة – التركيّة، إلى “الأمّة السوريّة”. لكنّه كره خصوصاً شخصيّة سعادة الذي سمّى نفسه زعيماً مطلق الصلاحيّات في حزبه، وكان يذكر اسمه في صيغة الشخص الثالث، كما اعتبر الانتماء إلى الحزب تعاقداً حصريّاً معه. ولم يعد حبيب يستسيغ تصدّي سعادة لكافّة المسائل وإصداره الفتاوى القاطعة فيها، بالقليل من المعرفة والكثير من الأخطاء. فهو العارف الحاسم بشؤون الفلسفة والتاريخ والتطوّر والعلم والفنّ والأدب والعسكر وطبقات الأرض وأتربتها.

مع ذلك لم يبح الشرتوني، وهو منكفىء قليل الكلام عموماً، بخبر المراجعات التي أجراها بينه وبين نفسه، أو بالأفكار الجديدة التي جعل يتوصّل إليها تباعاً. فهو كان يدرك أنّ الوسط الذي يعيش فيه والأصدقاء الذين يحيطونه منذ سنوات هم كلّهم سوريّون قوميّون، فإذا صارحَهم بالأمر انتهى معزولاً تماماً وعرضةً لما سمّاه رفقاؤه الحزبيّون “مقاطعة حياتيّة”.

بيد أنّه آثر أن يقلّص نشاطه الحزبيّ إلى الحدّ الأدنى، مكتفياً بالعضويّة ومتذرّعاً، في تبرير ذلك، بالانصراف إلى التثقيف الذاتيّ على نحو يفيد الحزب والعقيدة. وبالفعل صدّقه رفقاؤه الذين لاحظوا أنّه ما أن يعود من عمله حتّى ينكبّ على القراءة وعلى كُتب لا يفقهون شيئاً من مضامينها. لقد قالوا إنّهم يستثمرون في حبيب الذي سترتدّ ثقافته على الحزب وتُغنيه بالأفكار.

لكنْ في ذلك اليوم، يوم 24 آب (أغسطس) 1982، وبعد أقلّ من 24 ساعة على انتخاب بشير الجميّل رئيساً للجمهوريّة اللبنانيّة، طلبه مسؤوله الحزبيّ نبيل العلم وقال له بالحرف: “هذه لحظة مصيريّة يا رفيق حبيب. يمكنك أن تعود في أيّ وقت إلى قراءتك وكتبك، أمّا الآن، فالأمّة تطلب منك أداء مهمّة لا يستطيع أداءها سواك. فنحن نعلم أنّ بيت جدّك، حيث تقيم أنت وأختك، يقع في البناية التي يقع فيها بيت حزب الكتائب في الأشرفيّة. طابق بيتهم الذي يتردّد عليه بشير الجميّل تحت طابق بيتكم، وأنت وحدك مَن يستطيع الوصول إلى هذا العميل اليهوديّ وتصفيته، ومن ثمّ صيانة شرف الأمّة. إنّ قيامة الأمّة وسقوطها مرهونان بك أنت”. وفيما أصيب الشرتوني بشيء من الجمود والارتباك، ناوله العلم ما زِنَته عشرات الكيلوغرامات من المتفجّرات قال إنّ ضابط مخابرات سوريّاً سلّمه إيّاها للغرض هذا: “يمكنك، يا رفيق حبيب، أن تزرعها في مكان ما من البناية ثمّ تفجّرها حين يأتي بشير. تستطيع أن تفجّرها من مكان بعيد، كمحلّة الناصرة مثلاً، بعد أن تخترع كذبةً ما تُقنع بها أقاربك كي يغادروا المنزل في ذاك الوقت. وبالمناسبة، لقد علمْنا أنّ بشير سوف يزور هذا البيت قبل تسلّمه رئاسة الجمهوريّة، لأنّه بدأ حياته الحزبيّة والميليشيويّة فيه، وهناك سوف يلقي خطبة وداعيّة لمحازبيه إذ يفرض عليه منصب الرئاسة التخلّي عن الانتساب العلنيّ إلى حزبه. الزيارة سوف تتمّ، بحسب ما ذكرتْ مصادرنا، يوم 14 أيلول (سبتمبر) المقبل. تدرّبْ جيّداً على العمليّة وفكّر في تفاصيلها ودقّتها. الصاعق يمكن إيداعه في بيت الرفيق هانيبعل الأشقر في الناصرة. تحيا سوريا ويحيا سعادة”.

وقف العلم فوقف الشرتوني. تبادلا تأدية التحيّة الحزبيّة وافترقا.

حبيب فكّر بأنّه يستطيع خلال الأيّام العشرين الفاصلة عن موعد التنفيذ أن يتدبّر طريقة ما يتنصّل فيها من الموضوع كلّه. قد يتمارض مثلاً، أو ينتقل إلى السكن في مكان آخر حيث لا يعرفه أحد، وقد يسافر إلى الخارج، أو يترك الحزب كلّيّاً، وهذا سيكون أخطر الخيارات إن لم يُرفقْه بالاختفاء التامّ عن أنظار الحزبيّين. ذاك أنّ نبيل العلم أطلعه على سرّ يكفي لقتله.

في اليوم التالي أفاق وفي رأسه فضول حادّ يستولي على صباحه. الفضول أرجعه، عبر طريق التفافيّة، إلى الاهتمام بالسياسة: “لا بدّ أن أعرف المزيد عن بشير الجميّل هذا… عن بشير الذي طُلب منّي أن أغتاله”.

هكذا صار حبيب يسمع الأخبار بدأب ويتابع خصوصاً خطابات بشير الكثيرة في تلك الأيّام، كما يشاهده على التلفزيون وهو يلقيها. صار يحدّق في صوره المعلّقة على جدران الأشرفيّة وفي زواريبها، كما يحاول أن يسمع ما يقوله الناس عنه، حين يتحدّثون في السياسة، من أجل أن يفهم موقفهم من الرئيس المنتَخَب. صار بشير الجميّل يلازمه، بل يسكنه، في معظم ساعات نهاره وفي ساعات الليل التي يخونه النوم فيها.

وللوهلة الأولى تعادلت المحطّات التي عرفها، والتي تعرّف إليها، في حياة بشير. فقد تأثّر كثيراً بمقتل طفلته مايا، ابنة الثمانية عشر شهراً، قبل عامين، وتفهّم قتاله في الأشرفيّة عام 1978 ثمّ قتاله في زحلة لأنّه كان، في الحالتين، يدافع عن سكّان مدنيّين في مواجهة القوّات السوريّة. وحبيب، بالمناسبة، لم يكن يطيق حاكم سوريّا حافظ الأسد. لقد رأى فيه مستبدّاً تافهاً وديكتاتوراً من أسوأ السياسيّين الذين يمقتهم، وكثيراً ما احتقر تلك الواقعيّة الحديديّة التي كان رفقاؤه القوميّون ينسبونها إليه ويتغزّلون بها، وعزاها إلى قسوة غير إنسانيّة وقطيعة كاملة مع عالم الأدب والمخيّلة. وهذا ما جعل الشرتوني يتسامح مع علاقة بشير بالإسرائيليّين لأنّها، وإن كانت سيّئة، ليست أسوأ من علاقات خصومه بالمخابرات السوريّة التي يعرف أفعالها.

لكنّ بشير، من جهة أخرى، حرّك فيه عدداً من مشاعر البغض التي زكّتها أعماله الدمويّة. فهو الذي أمر بالقتل يوم “السبت الأسود” في مرفأ بيروت إبّان حرب السنتين. عشرات الأبرياء الآمنين قضوا يومذاك وهم يقصدون أعمالهم وربّما بيوتهم. وهو، بعد سنتين، مَن أمر بتنفيذ جريمة إهدن حين قُتل توني فرنجيّة وزوجته وطفلته وبعض أنصاره. ثمّ بعد سنتين أخريين أنزل مذبحة جديدة بالشمعونيّين في شاليه الصفرا. هذه وغيرها من أعمال مشابهة تثقل على كلّ ضمير، فكيف على كائن شديد الحساسيّة حيال العنف كحبيب الشرتوني؟

ما دفعَ حبيب إلى حسم موقفه لم يكن الأحداث على جسامتها، وهي التي تعادلَ فيها التعاطف والامتعاض. ما دفعه كان حالةً بعينها، حالةً لم يعد يطيقها، إذ راحت تضغط على صدره وتنمّ عن نفاد الصبر وعدم الاحتمال. فبشير حين يتحدّث يتحدّث باسم اللبنانيّبن جميعاً، وهذا كذب، لأنّه لا يمثّل إلاّ فئة من فئاتهم. وهو يُكثر من استخدام إصبعه السبّابة وتوجيه اللبنانيّين بها، بمن فيهم أولئك الذين يفوقونه علماً وخبرة وتجربة، وهم كثيرون جدّاً.

الحسم والجزم في كلامه صارا يُتعبانه. صوته المرتفع وتكراره العصبيّ لمعانٍ قليلة وبالغة العاديّة جعلاه يتوقّع أن تودي به ذبحة قلبيّة تُريحه من مهمّة قتله. “المرجلة” ووعوده بخلق إنسان جديد ذكّراه بما يقوله السوريّون القوميّون. دعوته المُلحّة إلى احترام النظام والأوامر والسلطة ذكّرته بأنطون سعادة الذي كان ينشر هذه الدعوة بالفصحى فيما يبثّها بشير بالعاميّة. قوميّته اللبنانيّة لا تختلف في روحها عن القوميّة السوريّة. الأغاني والأهازيج التي تحتفل به وبلبنانه تشبه الأغاني والأهازيج التي تمجّد سعادة وسورياه. الميل الناشىء إلى عبادته يذكّر بعبادة حافظ الأسد المفروضة على شعبه.

قوله “السوريّ” و”الفلسطيني” كان من أكثر ما مقتَه حبيب إذ رآه تعبيراً عنصريّاً يطوي الجمع في جبّة الحاكم، إذ هل “السوريّ”، كما تساءل في نفسه، هو حافظ الأسد أم الذين قتلهم الأسد في مدينة حماة قبل بضعة أشهر؟ كذلك كان يمجّ ما يكتبه بعض الصحافيّين اللبنانيّين الذين تبنّوا هذا التعبير الأبله وظنّوه إبداعيّاً، فباتوا يتحدّثون عن “الأميركيّ” و”الروسيّ” و”الإسرائيليّ” و”الإيرانيّ” قاصدين حكّامهم. وإذ قال بشير على جاري عادته: “الفلسطينيّ يقول”، ترجم حبيب التعبير إلى Le Palestinien dit، وبالإنكليزيّة إلى The Palestinian says، وضحك كثيراً لأنّ العبارة لا تفيد، بأيّة لغة أخرى، معنى.

كلّ هذا رآه الشرتوني الشابّ منافياً للذوق والحساسيّة قبل أن ينافي العقل والمنطق. لكنّ خطاب بشير في لقائه مع الفنّانين هو ما أزال كلّ تردّد لديه. فالرئيس المُنتخَب، بعد تلاوته عدداً من الكليشيهات المعهودة، وبعد استعراضه سماجة أناهُ المنتفخة، طالبهم: “بدنا يّاكم تعملولنا شويّة غناني حلوة”. هنا قرّر حبيب. هنا صمّم. هنا نفّذ: “لا بدّ من القضاء عليه… إنّه شيء لا يُطاق في قلّة الذوق والبشاعة”.

يوم 14 أيلول قضاه على النافذة يراقب القادمين إلى البناية. ما إن دخل بشير ومرافقوه حتّى توجّه إلى بيت هانيبعل الأشقر في الناصرة. ضغط على زرّ الصاعق فانقتل بشير و26 كتائبيّاً كانوا يصفّقون له في تلك اللحظة.

إقرأ أيضاً