هنا القصة الثالثة

يوسف بشير

مقالات الكاتب

فيكشن : الخطّة الإيرانيّة لاغتيال مقتدى الصدر

استدعى الفريق محمّد علي جعفري، قائد “الحرس الثوريّ” في إيران، قاسم سليماني، قائد “فيلق القدس” التابع للحرس. الاستدعاء كان ملحّاً: “عد إلى طهران فوراً. غادر بغداد في أسرع وقت. التحدّي الذي نواجهه لا يقبل البطء والتأخّر. المراجعة الصارمة لا بدّ منها”.

سليماني، الذي سبق أن ضربه الغرور فظنّ نفسه أهمّ من قائده الجعفري، امتثل فوراً وقفل راجعاً. ذاك أنّ قائد “الفيلق”، الموصوف بالذكاء، أدرك سبب الاستدعاء حال قراءته وأحسّ ضعف موقعه: إنّه نتائج الانتخابات العراقيّة وفوز السيّد مقتدى الصدر وائتلافه “سائرون” بالكتلة الأكبر في البرلمان الجديد.

لقد كلّفت القيادة السياسيّة في إيران قاسم سليماني مسؤوليّة العراق، فضلاً عن سوريّا والمنطقة الممتدّة حتّى غزّة، فإذا بالنتيجة تأتي على هذا النحو!

لقاء القياديّين الإيرانيّين بدأ عاصفاً حتّى قيل أنّ جعفري كان يصرخ ولم يكن يتكلّم: “أهذه حصيلة نشاطك العظيم في العراق؟ ألا تكفينا المهانات التي يعرّضنا لها اليهود بضرباتهم الجوّيّة في سوريّا؟ كيف تركتَ الصدر يتقدّم بحيث بات لائتلافه “سائرون” اليد الطولى في تشكيل الحكومة؟ إنّهم قد يفرضون شروطهم على حيدر العبادي، وهو رخو جدّاً كما تعلم! هؤلاء الأوغاد الذين فازوا في الانتخابات هم الذين كانوا يهتفون: “إيران بَرّه برّه/ بغداد حرّه حرّه”، وأين؟ في عاصمة العراق نفسها؟ هل هذا شيء قابل للتصديق؟ هل يمكن أن نكون نحن مَن يزرع وثامر السبهان والأميركيّون مَن يحصد؟ اسمع يا سليماني: بعد إلغاء الأميركيّين للاتّفاق النوويّ معنا صار إمساكنا بكافّة الأوراق أهمّ من ذي قبل. لكنّ الورقة العراقيّة تبقى الأهمّ. معلوماتنا أنّ وزير خارجيّتهم الجديد مايك بومبيو ينوي إصدار لائحة عقوبات جديدة تستهدف خنقنا اقتصاديّاً، وأنت شخصيّاً سيكون رأسك أوّل الرؤوس المطلوبة بدلالة دورك الكبير فضلاً عن التركيز الإعلاميّ الواسع عليك…”.

“لكنّ نتائج جهودي في سوريّا لم تكن سيّئة. كذلك توجّهت إلى بغداد للتأثير في الانتخابات، لكنّ الصدر ركب موجة الفساد بنجاح لم يكن يتوقّعه أحد… زاد الطين بلّة أنّ حيدر العبادي، الذي يخفق قلبه دائماً لأميركا ودول الخليج، يرفض ما يسمّيه “التكتّل الطائفيّ” على النحو الذي فعلناه عام 2010 في مواجهة إياد العلاّوي…؟”.

“أعرف يا قاسم أنّك نجحت في سوريّا، لكنّك لم تنجح إلاّ لأنّ الأميركيّين غابوا عن المسرح الذي نرقص نحن فوقه. إلى هذا، ماذا تنفعنا سوريّا إذا خسرنا العراق؟ كيف نتواصل معها؟ انظر إلى الخريطة جيّداً يا قاسم”.

 

في هذه اللحظة بدا أنّ شيئاً وحيداً يمكن أن يهدّىء الأمور ويبرّدها: إنّه اتّصال من آية الله الخامنئي. وبالفعل حصل هذا الاتّصال الذي كان بمثابة أمر موجز ومحدّد للاثنين: “لا وقت لخلافاتكما الآن

 

في هذه اللحظة بدا أنّ شيئاً وحيداً يمكن أن يهدّىء الأمور ويبرّدها: إنّه اتّصال من آية الله الخامنئي. وبالفعل حصل هذا الاتّصال الذي كان بمثابة أمر موجز ومحدّد للاثنين: “لا وقت لخلافاتكما الآن. اخرجا باتّفاق حاسم حول خطّة عمل قابلة للتنفيذ بسرعة. فليتمّ هذا مهما كان الثمن”.

سليماني تنفّس الصعداء ورفع رأسه بعد طول إطراق، ليقول العبارة التي لم يكن يتوقّعها جعفري: “نغتال مقتدى الصدر”.

(بشيء من الدهشة) “ماذا يا قاسم؟”.

“نعم، نغتال مقتدى الصدر”.

“لكنّنا لم نزل حتّى الآن نعاني بسبب موضوع رفيق الحريري في لبنان. هل نسيت المحكمة الدوليّة وتصعيد الأجواء ضدّنا في العالم العربيّ بحيث اضطررنا إلى تفجير حرب 2006 مع اليهود لتحويل الأنظار عن اغتيال الحريري ومضاعفاته؟…”.

“هذا شيء مختلف تماماً. الحريري سنّيّ، أمّا في حالة مقتدى الصدر فيمكننا، عبر استخدام نفوذنا الأدبيّ على شيعة العراق، وباقي أشكال التأثير عليهم، أن نطوي الصفحة بسرعة. طبعاً ستمرّ أيّام قليلة تشهد حرق إطارات في الشوارع وربّما أعمالاً طائشة أو عنفيّة هنا أو هناك، لكنْ سيكون في وسعنا أن نحرف الأنظار بسرعة في اتّجاه آخر…”.

هنا طلب جعفري من سليماني أن يوقف الشرح: “المسألة يلزمها تفكير طويل ومتأنٍّ. لقد أشعرتني بصداع لا يحتمله رأسي. أفضّل أن تضع اقتراحك هذا في تقرير ترسله لي غداً. هكذا أدرسُه مليّاً قبل أن أرفعه إلى سماحة القائد الخامنئي، أدام الله ظلّه، مساء يوم غد”.

وبالفعل، ولشدّة ما كان سليماني قد فكّر بالمسألة فيما كان عائداً من بغداد، لم يستغرقه إعداد التقرير أكثر من ساعة واحدة، فماذا يقول التقرير؟

بعد البسملة والحمدلة والصلاة على محمّد وسائر الأنبياء والمرسلين، نقرأ التالي: “لقد بات اغتيال مقتدى الصدر ضرورة استراتيجيّة لإيران من أجل ضمان استقرار وضعنا في العراق، وبالتالي باقي المنطقة. وهذا سيكون، من دون شكّ، بالغ السهولة تقنيّاً، لكنّه أيضاً بالغ السهولة سياسيّاً. كيف؟ لقد ارتكب مقتدى الصدر، بسبب طباعه وغرابة أطواره وكثرة تقلّباته، عدداً من الأعمال المتناقضة التي خلّفت أعداء كثيرين له، وهذا ما يوفّر لنا، إذا عرفنا كيف نستخدم الأمر دعائيّاً وإعلاميّاً، حقلاً واسعاً جدّاً من القوى التي يمكن توجيه الاتّهام إليها وإبعاد الشبهة عن إيران:

– فالصدر متّهم بقتل العميل الأميركيّ السيّد عبد المجيد الخوئي في مرقد الإمام عليّ في النجف عام 2003، فلماذا إذاً لا يقدم على قتله شخص مقرّب من آل الخوئي يريد أن يثأر لعبد المجيد؟

– كذلك سال دم كثير بين الصدر والأميركيّين، وهو سبق أن خاض حربين ضدّهم في 2004 ثمّ في 2007، وقال إنّ 11 أيلول (سبتمبر)، الذي يقدّسونه في أميركا، كان معجزة وبركة من الله. فلماذا لا يكون الأميركيّون وأسيادهم اليهود من ينفّذون قتله؟

– وفي 2006 كان مقتدى زعيم الميليشيا الطائفيّة الأنشط في الحرب الأهليّة مع السنّة إثر تفجير المرقدين في سامرّاء. يومها فتكتْ “فرق الموت” التابعة له بهم بلا تمييز، فلماذا يُستبعد أن يقتله سنّةٌ لا ينسون له ذلك وإن تحالف مع بعضهم لاحقاً؟

– إلى هذا وذاك، اعترف مقتدى ذات مرّة بولاية الخلفاء الراشدين ونفى قتل يزيد للحسين، سيّد شباب أهل الجنّة، وأكمل هذه الانحرافات بالتقارب الأخير مع السعوديّة والخليجيّين العرب. فلماذا لا يبادر إلى قتله شيعيّ عراقيّ يكون وفيّاً لتعاليم دينه ومذهبه ومخلصاً للتشيّع في العراق؟

– وحين نُفّذ حكم الإعدام بصدّام حسين، وسط مرارة سنّيّة واسعة، كانت جماهير مقتدى هي التي تهتف “مقتدى مقتدى”، مبتهجة ومحتفلة بإعدام الطاغية، فلماذا لا يقدم على قتله صداميٌّ يريد الثأر لزعيمه المقبور؟

– ومقتدى، في الآونة الأخيرة، تحالف مع الشيوعيّين، وهذا أيضاً ممّا تكرهه جمهرة المؤمنين الشيعة ممّن لا زالوا يلتزمون بفتوى السيّد محسن الحكيم في تحريمه الانتساب إلى الحزب الشيوعيّ العراقيّ. هؤلاء أيضاً يمكن أن يقتلوا مقتدى.

إلى جانب هذه الاحتمالات لا ينبغي أن يمنعنا مانع من توريط بعض أتباعنا لتحويل الأنظار عن دورنا:

– آل الحكيم من العائلات الدينيّة التي لا تقلّ أهميّة عن آل الصدر، وهم لن يكونوا مرتاحين لدور مقتدى الجديد، وقد يفكّرون في قتله… وعلى أيّة حال لا ينبغي أن يُربكنا ذلك لأنّ التحاق آل الحكيم بنا تراجع في السنتين الأخيرتين وباتوا يتحدّثون هم أيضاً عن “الاستقلاليّة”، على رغم أنّنا نحن من صنعناهم سياسيّاً.

– وهناك نوري المالكي الذي كثيراً ما هاجمه الصدر وشهّر به واتّهمه بالفساد والإفساد. وكلّنا نعلم أنّ المالكي يقتل حين يُضطرّ إلى ذلك.

– وقد طرح الصدر الفكرة الخطيرة عن تذويب الميليشيات الشيعيّة في الجيش العراقيّ، غير مكترث بحجم المصالح التي يتهدّدها اقتراح كهذا. فلنأخذ مثلاً أتباعنا في “عصائب أهل الحقّ” الذين انشقّوا أصلاً عن مقتدى ثمّ مزّقوا صوره… ماذا ينقص هؤلاء كي يقتلوه؟

– وينبغي أن لا ننسى أنّ والده السيّد محمّد صادق الصدر عاش سنوات طوالاً قريباً جدّاً من صدّام حسين قبل أن ينقلب عليه الأخير ويغتاله. وهذا يعني وجود كارهين كثيرين للصدر الوالد يمكن أن يفكّروا في الثأر من ابنه.

– كذلك لم يوفّر مقتدى بشّار الأسد فانتقده وانتقد المشاركة في حربه كما دعاه إلى التنحّي. وبشّار، كما يعرف العالم كلّه، يقتل بالآلاف ومئات الآلاف كي لا يتنحّى. فهل تردعه عن ذلك حياة مقتدى الصدر؟   

– حتّى “حزب الله” اللبنانيّ، أهمّ استثماراتنا في الخارج، يمكن توريطه إذا لزم الأمر وتعميم رواية تقول إنّ خلافاً فقهيّاً بين الإثنين أدّى إلى اغتيال مقتدى. والحزب اللبنانيّ يمكن أن ينفّذ كلّ ما نطلبه منه بما فيه تنفيذ العمليّة ذاتها، وهو ماهر في هذه الخبرات التي درّبناه عليها، فضلاً عن استعداده لتحمّل كلّ ما يحوّل الأنظار عنّا.

فوق هذا، هناك اعتبارات تسهّل اغتيال مقتدى وتحويل موته إلى حدث عاديّ يُنسى سريعاً. فهو نفسه كثيراً ما تحدّث عن تعرّضه لمحاولات اغتيال، حتّى بات بقاؤه على قيد الحياة هو المستغرب. ثمّ إنّه من عائلة تعوّدت على تلقّي ضربات كبرى من هذا النوع: مقتل أبيه وإخوانه مشهور، وكذلك إعدام قريبه محمّد باقر الصدر وأخته بنت الهدى في 1980، وقبل ذلك اختفاء قريبه الآخر موسى الصدر في ليبيا. إنّها عائلة معتادة على الكوارث وتطبّق المبدأ الحسينيّ “الموت لنا عادة”.

شيئان لا بدّ من أن أختم بهما هذا التقرير:

الأوّل، التوكيد على أن لا يعرف حسن روحاني بشيء من هذه الخطّة. دعه يمضي في تصديق نفسه أنّه رئيس لجمهوريّتنا، وليمض وزير خارجيّته محمّد جواد ظريف في إطلاق التصاريح والمواقف الكبرى. معرفتهما بالخطّة تضرّ كثيراً.

الثاني، أنّ الاغتيال يبدّد الكتلة الجماهيريّة الملتفّة حول الصدر، وهذا جيّد في مطلق الأحوال إذ نتخلّص من أيّة قوّة متماسكة للشيعة العراقيّين. وهؤلاء، في نهاية الأمر، ليسوا سوى عرب.

وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون. صدق الله العظيم.

قاسم سليماني”

إقرأ أيضاً