fbpx

هنا القصة الثالثة

يوسف بشير

يوسف بشير

مقالات الكاتب

فيكشن: اجتماع تأسيس الجبهة العربيّة لمناهضة الإمبرياليّة

إبّان زيارة الزعيم السوفياتيّ نيكيتا خروتشوف إلى القاهرة، في أيّار (مايو) 1964، التي عُدّت تتويجاً للمصالحة الشيوعيّة – الناصريّة، بعد الخلاف حول العراق والوحدة المصريّة – السوريّة، طرح الزعيم السوفياتيّ فكرة تلقّفها الزعيم المصريّ، وإن أرفق تأييده لها بشيء من التحفّظ.

قال الأوّل للثاني: “إنّ الإمبرياليّة، خصوصاً في ظلّ ليندون جونسون، تستجمع قواها وتنقضّ على حركات التحرّر الوطنيّ من غير تمييز. هذا ما نراه واضحاً في أفريقيا حيث سبق أن صفّوا لومومبا قبل ثلاث سنوات، وهم يتآمرون على أصدقائنا الوطنيّين ككوامي نيكروما وأحمد سيكوتوري وموديبو كيتا في غانا وغينيا ومالي. كذلك نرى الشيء نفسه في أميركا اللاتينيّة حيث يحاصرون فيديل كاسترو وثورته، ونراه خصوصاً في آسيا التي تحتدم فيها الحرب الفيتناميّة، ويزدهر التآمر على قادة وطنيّين كأحمد سوكارنو في أندونيسيا. لهذا نقترح إنشاء جبهة في العالم العربيّ تضمّ جميع القوى المناهضة للإمبرياليّة، وهي يمكن أن تشمل، فضلاً عن قيادتكم، الرئيس الجزائريّ أحمد بن بلّه والرئيس العراقيّ عبد السلام عارف والرئيس اليمنيّ عبد الله السلاّل ورئيس مجلس الرئاسة السوريّ أمين الحافظ. ذاك أنّه من الخطأ الشديد، يا سيادة الرئيس، أن تتركوا الإمبرياليّة تستفرد بكم واحداً واحداً”.

ويبدو أنّ عبد الناصر ردّ بما يفيد الحماسة لهذا القرار، إلاّ أنّه ما لبث أن أضاف: “لكنّني، يا سيادة الأمين العامّ، أفضّل أن أستبعد اثنين ممّن ذكرت: أمين الحافظ الذي فرغ لتوّه من إعدام الناصريّين في سوريّا، متذرّعاً بانقلاب شنّه الضابط الوطنيّ المتحمّس جاسم علوان، وعبد الله السلاّل الذي لن يفتح فمه حين أكون أنا حاضراً. وبعد كلّ حساب، فالسلاّل لا يمثّل شيئاً، وأنا أستطيع تمثيله والنطق باسمه ضامناً موافقته على كلّ ما أتعهّده. وأنت تعلم، من دون شكّ، أنّ القرار في اليمن للجيش المصريّ الذي يساند السلاّل، وليس للسلاّل واليمنيّين”.

وبدوره أصرّ خروتشوف على حضور الزعيمين السوريّ واليمنيّ. ذاك أنّ سوريّا “تتمتّع بأهميّة كبرى تعرفها أنت أكثر منّي. فإذا تركناها وحدها فإنّها ستقع حكماً في أحضان السعوديّين والأردنيّين وباقي عملاء الإمبرياليّة. أمّا السلاّل فينبغي أن لا نقلّل من أهميّة حضوره ومن رمزيّته. فالتقاط صورة له وهو مجتمع معكم أهمّ كثيراً من كلامه أو صمته في غرف مغلقة. هكذا نوصل رسالة إلى الرجعيّين في الرياض، ومن ورائهم البيت الأبيض، بأنّ الثورة اليمنيّة تحظى باحتضان عربيّ تقدّميّ واسع”.

وعلى مضض وافق الرئيس المصريّ الذي باشر التحضير للمؤتمر العتيد بتوجيه الدعوات لبن بلّه وعارف والسلاّل، وبرسالة مطوّلة إلى أمين الحافظ يطالبه فيها بطيّ صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة من “توحيد الصفّ في مواجهة أعداء أمّتنا العربيّة”، من دون أن ينسى الإشارة إلى أنّ “مصر بلدكم وبلد سائر الأحرار والشرفاء المناهضين للإمبرياليّة والصهيونيّة”.

وبالفعل ففي تمّوز (يوليو) انعقد مؤتمر القادة العرب في القاهرة، وقد شاء عبد الناصر أن يتزامن الأمر مع الاحتفالات بالذكرى الثانية عشرة لانقلابه في 23 تمّوز 1952. لكنّ البداية لم تكن حميدة. فبعد كلمة قصيرة للرئيس المصريّ الذي رحّب بالضيوف وأطلعهم على أهميّة هذه المبادرة “التي تنتظرها الجماهير العربيّة منّا بفارغ الصبر، كما يعوّل عليها حلفاؤنا في المعسكر الاشتراكيّ في صراعهم مع الإمبرياليّة”، تحدّث الرئيس الجزائريّ بن بلّه بعربيّة بالكاد فهمها الآخرون لشدّة اختلاطها بالفرنسيّة، وقد صاغه لاحقاً محمّد حسنين هيكل ومعاونوه في صحيفة “الأهرام” على النحو التالي: “سأصارحكم القول بأنّ النظام الثوريّ في الجزائر يتعرّض لتحدٍّ خطير يمثّله قائد جيشنا العقيد هواري بومدين. وللأمانة، فأنا لا أستطيع بتاتاً أن أتّهم بومدين بالارتباط بالإمبرياليّة، خصوصاً أنّه هو مَن قاد العمل الجهاديّ الثوريّ ضدّ فرنسا. لكنّه، مع هذا، يملك طموحاً لا حدود له، وهو يأخذ على قيادتي ما يسمّيه تخبّطاً في إدارة البلد وتطرّفاً في اليساريّة، فضلاً عن أنّه لا يطمئنّ إلى اتّجاهي العروبيّ لأنّه يفضّل التركيز على الوطنيّة الجزائريّة”.

وكي لا يتركه يمضي في استطراده، قاطعه عبد الناصر: “يا أخ أحمد، نحن هنا لمناقشة موضوع قوميّ يتعدّى هموم كلّ واحد منّا في إدارة بلده… علينا أن نُبقي العين مفتوحة على الإمبرياليّة والصهيونيّة ومؤامراتهما التي تستهدفنا جميعاً”.

وهزّ بن بلّه رأسه موافقاً، ثمّ أضاف: “لكنْ يا سيادة الرئيس، كيف أستطيع أن أبقي عيني مفتوحة على الإمبرياليّة فيما عيناي الاثنتان مفتوحتان على هواري؟”. وإذ ضحك الجميع بمن فيهم بن بلّه نفسه، تناول الكلام أمين الحافظ: “فلندخل في الجدّ إذاً. فلندخل في صلب الموضوع من دون لفّ ودوران. تعالوا، يا إخوان، نحرّر فلسطين. هذه هي الطريقة الأفضل لنقل الإمبرياليّة والصهيونيّة من موقع الهجوم إلى موقع الدفاع. نحرّرها وبعد ذاك يكون لكلّ حادث حديث. نستطيع حالاً أن نضع خطّة نبدأ بتطبيقها يوم غد، وأنا أراهنكم بأنّ في وسع جيوشنا أن تحرّرها في أقلّ من عشر ساعات. هذه مسألة في غاية السهولة…”.

لكنّ عبد الناصر، وبشيء من الاستهزاء، سأله: “وكيف ذلك يا سيادة الرئيس؟”. وإذ أحسّ الحافظ بما يُضمره رئيس مصر، وقف متحمّساً وردّد بخطابيّة بالغة الانفعال:

“ونحن أناس لا توسّط عندنا

لنا الصدر دون العالمين أو القبر”

لكنْ وسط شعور الجميع بأنّ شيئاً نافراً ومُستغرَباً تسلّل إلى اجتماعهم، قطع عبد الله السلاّل صمته، موجّهاً الحديث إلى الحافظ: “يا سيادة الرئيس، يبدو أنّك تحبّ الشعر مثلي، فما رأيك بمباراة شعريّة بيننا بعد انتهاء الاجتماع. أصارحك القول بأنّني مع إعجابي ببيت أبي فراس الحمدانيّ في الفخر، أفضّل عليه أبيات عمرو بن كلثوم وهو القائل:

إذا بلغ الفطامَ لنا صبيٌّ

تخرّ له الجبابر راكعينا”.

وبغضب ملحوظ، أسكت عبدُ الناصر السلاّلَ وطالب الجميع بالعودة إلى الموضوع الأصليّ الذي ينعقد الاجتماع من أجله، “فنحن لسنا في سوق عكاظ يا عبد الله”. وهنا تدخّل الرئيس العراقيّ عبد السلام عارف: “سوف أقول كلاماً محرجاً، فأرجو أن تتّسع صدوركم لما سأقوله. نحن لا نستطيع أن نبني جبهة مناهضة للإمبرياليّة فيما يجلس بيننا جواسيس للإمبرياليّة هم طابورها الخامس. لقد كان الرئيس بن بلّه مصيباً حين نبّهنا إلى المشاكل التي تعانيها سلطته في الجزائر. ونحن في العراق لا نقبل أن يكون بيننا بعثيّ كالسيّد أمين الحافظ الذي يمضي في قتل الوطنيّين والقوميّين في بلده، علماً بأنّنا تخلّصنا للتوّ من رفاقه البعثيّين الذين عاثوا فساداً في حكم بلدنا”. ومرّة أخرى تدخّل عبد الناصر طالباً من زميله العراقيّ أن يتعالى عن حزازات الماضي لأنّنا “جميعاً في خندق واحد ضدّ الإمبرياليّة”. إلاّ أنّ الحافظ الذي استفزّته إهانة عارف ردّ على الإهانة بطريقة عنيفة. فقد تقدّم باتّجاه الرئيس العراقيّ ومدّ سبّابته نحوه وقال: “أنا جاسوس يا عرص! إذا كنتَ رجلاً فاقبل التحدّي. لماذا لا نتبارز بسيفين بعد نهاية الاجتماع؟ فإمّا أن أغسل العار بقتلك وإمّا أن أقضي شهيداً… ولا تحسبنّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربّهم يُرزقون”. وأيضاً تدخّل عبد الناصر الذي لفّ ذراعيه حول الحافظ وحمله بعيداً، فيما كان يغمز عارف كأنّه يطلب إليه تفادي الموضوع من أصله. وإذ صمت الرئيس العراقيّ لوهلة كأنّه يستجيب لطلب زميله المصريّ الذي يملك تأثيراً معنويّاً هائلاً عليه، فإنّ أعصابه ما لبثت أن خانته. هكذا نظر باتّجاه زميله السوريّ اللدود: “أنت ولد قحبة قوّاد ابن قوّاد. مَن يقبل أن يكون قائدُ حزبه نصرانيّاً اسمه ميشال [عفلق] ومعه صابئة ورافضة ومجوس وأشخاص ما أنزل الله بهم من سلطان لا يكون دمه دماً عربيّاً صافياً”. وإذ حاول الحافظ مجدّداً أن يستجمع قواه لتسديد بعض اللكمات إلى شاتمه، سُمع السلاّل يقول بصوت منخفض كأنّه يتمتم: “عبد السلام على حقّ. موشيل، ما أدراك ما موشيل! طبعاً إنّنا نريد عرباً أقحاحاً”.

لقد اضطرب الجوّ بالكامل فيما اضطرّ عبد الناصر أن يرفع صوته، بعدما انتقل إلى وسط القاعة، كي يحول دون وصول الحافظ إلى عارف أو السلاّل: “إيه دا يا إخوان؟! دي مهزلة! الجماهير العربيّة تنتظر منّا الأمل والعمل. الإمبرياليّة تحاصرنا وتهدّدنا، وأنتم غارقون في مسائل تافهة وسخيفة. إنّني أقترح البدء بالإجابة عن سؤال محدّد: أين تقع ساحة المواجهة الأساسيّة مع الإمبرياليّة؟ أمّا جوابي فهو أنّها تقع في اليمن (صفّق السلاّل منتشياً ورسم بأصبعيه علامة النصر الشهيرة). هناك يخوض جيشنا المصريّ (قاطعه الحافظ: العربيّ المصريّ، لكنّ عبد الناصر لم يكترث) معركة بقاء وفناء ضدّ قوى الإمامة الرجعيّة المدعومة من الرجعيّتين السعوديّة والأردنيّة ومن ورائهما شاه إيران وأمريكا وبريطانيا. ينبغي، كما أرى، أن تساهموا جميعاً في إرسال قوّات عسكريّة إلى اليمن كي يقاتلوا إلى جانب جيشنا”.

الحافظ: “وفلسطين! ألا نحرّر فلسطين!؟”.

السلاّل: “منذ أيّام يهود خيبر كان ينبغي أن نحرّر فلسطين. أنا لا أستثني من اليهود إلاّ السموأل”.

عبد الناصر (بعد أن رمق السلاّل بنظرة شديدة التجهّم أدّت إلى إسكاته): “بلى نحرّرها، لكنْ ليس الآن. الآن هناك اليمن. الطريق إلى فلسطين تمرّ من اليمن”. وإذ تقدّم السلاّل باتّجاه عبد الناصر يريد أن يسترضيه بطبع بعض القُبَل على جبينه وخدّيه، تدخّل عارف: “في ظنّي أنّ الطريق إلى فلسطين تمرّ من إيران. فالشاه الفارسيّ هو اليوم الخطر الأكبر على عروبتنا وإسلامنا. إنّه حليف إسرائيل الأوّل وهو يدعم الأكراد في شمال العراق كي يقسّموا بلدنا ويضعفوه. (مخاطباً عبد الناصر) لا تؤاخذني يا سيادة الرئيس، لكنّني أعتقد أن تأثيرنا سيكون أكبر إذا بدأنا بإيران حيث نستطيع أن نفتح جبهة عسكريّة تؤدّي إلى تحرير عربستان”.

الحافظ: “لا داعي لطريق إلى فلسطين. يمكن أن نتوجّه مباشرة إليها من الجولان. لكنّكم إذا كنتم مُصرّين على طريق ما نُظهر فيها رجولتنا ونُرهب خصومنا اليهود قبل أن نلقاهم في ساحة الوغى، فأنا أقترح تركيّا. في الصراع معها، ولا تنسوا أنّها عضو في الحلف الأطلسيّ، نستطيع أن نحرّر الإسكندرون ومنها نتّجه فوراً إلى فلسطين”.  

بن بلّة: “أخالفكم الرأي يا زملائي الكرام. أعتقد أنّ مجابهة الإمبرياليّة تستدعي تحديداً آخر للطريق إلى فلسطين. إنّني أظنّ أنّ هذه الطريق لا تمرّ إلاّ من المغرب. لماذا المغرب؟ إنّه بلد عربيّ ومسلم كبير ومؤثّر، وعلينا، نحن العرب، أن نطهّر أنفسنا قبل أن نطهّر إيران وتركيّا وسواهما، ثمّ أنّنا من خلال المغرب نوصل رسالة قويّة جدّاً للأوروبيّين، وبالتالي الأميركيّين. الأسرة المالكة في المغرب عميلة للإمبرياليّة من غير شكّ…”.

في هذه اللحظة وقع عبد الناصر أرضاً ومات ودُفن معه مشروع الجبهة العربيّة لمناهضة الإمبرياليّة.     

إقرأ أيضاً