هنا القصة الثالثة

ترجمة - New York Times

مقالات الكاتب

“فيسبوك” يستغني عن الأخبار ويعزز الصداقة أونلاين

صرح الرئيس التنفيذي لشركة “فيسبوك”، مارك زوكربيرغ، في مقابلةٍ له مع صحيفة “نيويورك تايمز”، أنه يريد من الشبكة الاجتماعية أن تركز على “التفاعل الهادف”. ولكن فكرته حول ما تعنيه هذه العبارة من المرجح أن تختلف عن تلك التي يمتلكها المديرون التنفيذيون في قطاع صناعة الأخبار والمحررون وهنا يكمن الخلاف.
تستعد الشركات الإعلامية للتغييرات التي سوف تطرأ على قائمة أخبار “فيسبوك”، وهو العمود الذي يظهر عند فتح الموقع أو التطبيق، والذي سوف يعطي الأولوية لمنشورات الأصدقاء بدلاً من المواد الإخبارية للمؤسسات والشركات الأخرى. وقال رئيس التحرير ورئيس مجلس الإدارة في مجموعة The Slate، جاكوب فايسبرغ، “لا أحد يعلم بالضبط ما لذلك من تأثير، ولكن بطرقٍ كثيرة، يبدو وكأنه نهاية عصر الأخبار الاجتماعية”. مضيفاً “شهدت زيارات فيسبوك الخاصة بالجميع تراجعاً على مدار العام، وهو ما يعني أنهم عملوا على عدم تسليط الضوء على الأخبار. لكن إجراؤهم لمثل هذا التغيير الجذري في المنصة -لا أعتقد أنه كان أمراً متوقعاً”. ر=وعلى الرغم من أن مستخدمي “فيسبوك”، يحبون إجراء المحادثات فيما بينهم، كما أعطاهم الصحافيون مواضيع للتحدث عنها، فإن العلاقة بين المنصة ووسائل الإعلام لم تكن مثاليةً منذ البداية.
أصبح “فيسبوك” رغماً عنه مصدراً مهماً للأخبار، وتحالف محرري الصحافة معه في الغالب بدافع الضرورة، وذلك بالنظر إلى عدد مستخدمي فيسبوك البالغ 2 مليار الذين كانوا غالباً على بعد نقرة من قراءة مقال أو مشاهدة فيديو. على مر السنوات، بينما ارتبط “فيسبوك” بشركات الإعلام، تحولت آخر أخبار المستخدمين التي كانت فيما مضى مليئة بأخبار التخرج، أو تغيير الحالة الشخصية، ومواضيع أخرى خاصة، إلى مساحات رقمية عارمة بالمواضيع العامة، والأخبار! والتعليقات اللانهائية التي ترافقها. فالعم الذي كنت تكن له كل الاحترام والمودة فيما مضى، اتضح أنه معتاد على مشاركة “الميمات/ MEMES” الوقحة التي لا ترغب في رؤيتها، ناهيك عن الإعجاب بها.  هذا تماما ما خلق مشكلة ل”فيسبوك” الذي يحتاج إلى الاحتفاظ بمستخدميه لأطول وقتٍ ممكن، حتى يتمكن من تقديم إعلاناتٍ أكثر استهدافاً وهذا هو ما ساعد الشركة على تحقيق أرباح صافية بلغت 10.2 مليار دولار عام 2016.
يقول “فيسبوك” إن تغييراته هذه ستحسن من “رفاه” مستخدميه. وفي محاولة للدخول في هذه الحالة الجديدة من اللطف على الإنترنت، ستتخلى فرق الإنتاج الخاصة بـ “فيسبوك” عن هدفها السابق المتمثل في مساعدة الناس على العثور على “المحتوى ذي الصلة” بينما يختبرون فرضية “التفاعلات الهادفة”. ولم يأتِ هذا التحول في الاستراتيجية، من قبيل المصادفة، بل جاء بعد عام خضع فيه “فيسبوك” للتدقيق الحكومي لدوره في نشر المعلومات الخاطئة وخطاب الكراهية. وفي الخريف الماضي، قال “فيسبوك” للكونغرس إن وكلاء يعملون في شركة مرتبطة بالكرملين قد نشروا محتوى وصل إلى ما يقدر ب 126 مليون مستخدم في الولايات المتحدة في عام 2016. ونتيجة لمحاولة “فيسبوك” النأي بنفسه عن دورة الأخبار المحتدمة والعودة إلى جذور الأصدقاء والعائلة الخاصة به، فإن الناشرين الذين يعتمدون عليه في نشر الأخبار من المرجح أن يجدوا أنفسهم في ورطة. ستراقب منافذ الإعلام التي أقامت روابط قوية مع القراء والمشاهدين من خلال وسائل أخرى ما يجري عن كثب، لمعرفة ما إذا كان حجم جمهورها وما تجنيه من إعلاناتها سوف يتقلص في الأشهر المقبلة. وقال الرئيس التنفيذي لصحيفة “فاينانشيال تايمز”، جون ريدينغ، “إن تغيير المصطلحات بسرعة يلقي الضوء حقاً على مدى قوة المنصات وصعوبة استخدام البنية التحتية في العمل”، مردفاً “وهو ما له آثار كبيرة على كيفية وصول الناس للأخبار، وأين يجدونها ونوعيتها”.
عقد المديرون التنفيذيون لـ “فيسبوك” اجتماعات غير معلنة مع دور نشر مثل صحيفة “وول ستريت”، في نهاية العام الماضي وتحدثوا عن تجديد التركيز على التواصل بين الأشخاص الذين يعرفون بعضهم البعض، لا على المحتوى الذي يوزعه الناشرون وفقاً لما ذكره شخص كان على دراية بالمناقشات ولكنه غير مخول بالحديث علناً. وقال إنه حتى بعد التحذيرات المسبقة، كانت التفاصيل التي أُعلنت هذا الأسبوع مفاجئة. وأبرز جونا بيريتي، الرئيس التنفيذي لـ BuzzFeed، التوترات بين المؤسسات الإعلامية وشركات الإنترنت العملاقة “فيسبوك” و”غوغل” في ديسمبر/ كانون الأول، عندما انتقد علناً المنصات الضخمة التي غذت نجاح الموقع.وقال بيريتي في مذكرة نشرت على موقع BuzzFeed، “تستحوذ غوغل وفيسبوك على الغالبية العظمى من عائدات الإعلانات، ولا تدفع لمنشئي المحتوى سوى القليل مقارنة بالقيمة التي يقدمونها للمستخدمين”.  وقد نشرت الشركة، التي سبق وأطلقت على فيسبوك لقب “الصفحة الأولى الجديدة للإنترنت” إعلاناً على الموقع يحث الناس على تحميل تطبيق الأخبار للموقع. وفي نسخة الإعلان عن التطبيق، قلل BuzzFeed من تداعيات أحدث تغيير في خوارزمية فيسبوك بعبارة لاذعة “فيسبوك ينفصل عن الأخبار”.
يحصل ما يقرب من نصف البالغين في الولايات المتحدة على الأقل على الأخبار التي تهمهم عبر “فيسبوك”، وذلك وفقاً لدراسة حديثة من مركز بيو للأبحاث. بعد طرح التغيير، سيواصل الأشخاص رؤية المقالات التي يشاركها أصدقائهم، ولكن المشاركات من صفحات الناشرين ستكون أقل وضوحاً.  لذلك، فإن انسحاب “فيسبوك” من مجال الأخبار والذي يعتمد بالضرورة على الصراع وارتفاع المواد الأكثر حميمية قد يعزز محاولة الشركة للدخول إلى الصين، حيث واجهت مقاومة شديدة. وقال رئيس مجلس إدارة شركة “سليت”، فايسبيرغ، إن “فيسبوك يائس للوصول إلى الصين، ولن يفعل ذلك أبداً إلا إذا كان له رقابة على الأخبار التي تنشر على منصته، وهذا في الواقع حل أنيق للوصول إلى ذلك. إذا كنت لا تعرض على منصتك سوى الأخبار التي يتشاركها المستخدمين، فإن المستخدمين الذين يعيشون في ظل الأنظمة القمعية ليس لديهم أي فرصة للوصول إلى الأخبار الحقيقية، ولا يستطيعون مشاركتها، لأنها محظورة قانونياً”.
وبحسب تصميم الموقع الآن، كل مستخدم لـ “فيسبوك” يرى مجموعة مختلفة من المنشورات والإعلانات. والتي تكون مصنفة ومصممة وفق ما اقترحته عاداتهم على الإنترنت حول ما يهمهم. وعلى الرغم من أن “فيسبوك” يعطي الأولوية لبعض المواد، مثل إعلانات الميلاد التي تحصد الإعجابات والتعليقات بسرعة، إلا أنه لا توجد قواعد ثابتة لأي الأخبار التي ستظهر أعلى الصفحة. ولكن في الأسابيع المقبلة، من المرجح أن يلاحظ المستخدمون انخفاضاً في عدد المنشورات التي تأتي من المؤسسات الإعلامية.
كتب آدم موسيري، رئيس قسم آخر الأخبار (تغذية الإخبار) في فيسبوك في مدونة نشرت يوم الخميس، “نظراً لأن المساحة في قائمة آخر الأخبار محدودة، فإن ظهور المزيد من منشورات الأصدقاء والعائلة والتحديثات التي تشعل المحادثات، سيعني أننا سنعرض محتوى عاماً أقل، بما في ذلك مقاطع الفيديو والمنشورات الأخرى من الناشرين”.
ساورت جيسون كينت، الرئيس التنفيذي لشركة “ديجيتال كونتينت نيكست”، وهي مجموعة تجارية تمثل مؤسسات الترفيه والأخبار، بما في ذلك صحيفة “التايمز”، بعض الشكوك حول خطة “فيسبوك”. وقال كينت “إذا كان هذا التغيير ملحوظاً كما يصفونه، فإن المؤسسات الإخبارية ستغلق أبوابها أو ستنجح بناءً على تغيير لم يكن لها بالضرورة أي مشاركة فيه. وهو أمر ينظر إليه وكأنه شيء من شأنه أن يعزز الالتزام وربما يدفع بمخاطر السياسة بعيداً، لأنها لا تسمح لمنصات الأخبار أن يكون لها نفس النوع من الوجود في قائمة أخبارها”. وأضاف كينت أنه كان يأمل في لو أنه وجد سبيلاً لإبطال الخدع والقصص الإخبارية المزيفة دون معاقبة الناشرين.
وقال راجو ناريسيتي، الرئيس التنفيذي لمجموعة جيزمودو الإعلامية، وهي وحدة يونيفيجين التي تدير جيزبيل ومواقع أخرى، إنه كان يتوقع حدوث تغييرات في أي يوم. وأضاف إنه لم تصل إليه أي أخبار من “فيسبوك” حول ما يعنيه ذلك لشركته، وكغيره في مجال صناعة الإعلام، أشار أنه على شركة زوكربيرغ أن تكون أقل غموضاً.
وتابع ناريسيتي قائلاً، “كما هو الحال دائماً، سيكون من الجيد أن نرى الشفافية من أي منصة، ولا سيما “فيسبوك”، فيما يتعلق بالطريقة التي يقررون بها ما يشكل الجودة”.
وبالنسبة للشركات الإعلامية، فقد أثبت الاعتماد على الشركة كمحرك للزيارات أنه نموذج عمل غير موثوق به. على سبيل المثال، فقد أطاحت حملة “فيسبوك” ضد المحتوى القائم على النقرات، بمنصات النشر التي تعتمد على هذه الخاصية مثل Upworthy قبل عدة سنوات.
مؤخراً، وفيما بدا كنوع من التنبؤ، جرب “فيسبوك” إزالة الأخبار من قائمة آخر الأخبار الخاصة بالمستخدمين في العديد من البلدان ووضعها في خاصية منفصلة تدعى الاستكشاف، وهو ما أفزع الناشرين. ووصف محرر صربي صدمة رؤية انهيار حركة الزيارات لموقعه الإخباري أثناء هذه التجربة، وكتب مقالاً في جريدة “نيويورك تايمز”، أشار فيه إلى أن هذه التغييرات غير المتوقعة من قبل الشركة تمثل تهديداً وجودياً “لقدرة المواطنين في جميع البلدان المعنية بتجربة فيسبوك، على اكتشاف الحقيقة عن مجتمعاتهم وقاداتهم”.
في مبادرة أخرى، دفع “فيسبوك” الملايين للناشرين، بما في ذلك صحيفة “التايمز”، للاستثمار في صنع مقاطع الفيديو القصيرة لـ “فيسبوك لايف”، ولكن من غير الواضح مدى نجاح هذا الجهد المبذول بالنسبة لـ “فيسبوك” والمؤسسات الإخبارية التي وقَّعت على ذلك.
أقر الناشرون المحترفون بالفعل بأنه يجب عليهم العثور على جماهير كبيرة بدون مساعدة مستخدمي “فيسبوك”. إذ انخفضت حركة الإحالة إلى محتوى وسائل الإعلام من فيسبوك بنسبة 25 في المئة في الفترة الممتدة بين فبراير/ شباط وأكتوبر/ تشرين الأول 2017، وفقاً ل Parse.ly، وهي شركة تحليلات النشر الرقمي.
من المؤكد أن تغييرات الخوارزمية ستؤثر على الشركات الإعلامية التي تدعمها الإعلانات مثل بازفيد وباستل والتي تعتمد جزئياً على “فيسبوك” لجذب المشاهدين. وسيتعين على الناشرين الذين أقنعوا مؤخراً القراء بالاشتراك، بما في ذلك صحيفة “واشنطن بوست” و”التايمز”، مواجهة انخفاضات محتملة في عدد الزيارات.
وكما يفعل في بداية كل عام منذ عام 2009، بدأ زوكربيرغ عام 2018 بإعلام جمهوره بالتحديات الشخصية التي يأمل أن يتغلب عليها. وكان أحد أبرز هذه التحديات التي ذكرها في منشوره على “فيسبوك” في الرابع من يناير / كانون الثاني هو جعل الموقع الذي شارك في تأسيسه عام 2004 قوة للخير. ويبدو أن عودة شركته إلى جذور سجل الصور هي جزء من محاولته للاقتراب إلى هذا الهدف.
وقال زوكربيرغ، “إن العالم يشعر بالقلق والانقسام، كما أن لدى فيسبوك الكثير من العمل الذي يجب القيام به، سواء كان ذلك يحمي مجتمعنا من الإساءة والكراهية، والدفاع ضد تدخل الدول القومية، أو التأكد من أن الوقت الذي يقضيه الشخص على فيسبوك لم يذهب هباءً”.
 
هذا الموضوع تم اعداده وترجمته عن موقع New York Times لمراجعة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.
 

إقرأ أيضاً