fbpx

هنا القصة الثالثة

حلا نصرالله - صحافية لبنانية

حلا نصرالله - صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

فولكلور انتخابي في دائرة بيروت الثانية

امتلأت لوحات الحملات الانتخابية للمرشحين في دائرة بيروت الثانيّة وإعلاناتها، بعبارات أقلّ ما يمكن أن يقال عنها إنّها مستوحاة من أجواء سائقي الباصات العمومية؛ المعروف عنهم أنهم أصحاب الحفلات الموسيقية المتنقلة بين الشوارع على وقع أغاني الفنانين علي الديك ونعيم الشيخ.

أصحاب الحافلات العمومية، ذوو خبرة طويلة في صياغة عبارات فكاهية، يزينون بها الزجاج الخلفي لحافلاتهم. فعلى وزن “ما تسرع يا بابا… الماما بتتزوج عليك”، و “مشي متل الغزالة… وعشرة بعيون الحاسدين”، ظهرت في الروشة صورة كبيرة جداً للرئيس سعد الدين الحريري، مكتوب عليها “بالقلب إنت يا قلب… يا أبو قلب كبير”، وفي منطقة زقاق البلاط صورة للمرشح عن “حركة أمل” محمد خواجة، مكتوب عليها “الخواجة محمد”.

تُحدث أكثر الحملات الانتخابية صخباً، في دائرة بيروت الثانية، فمعركة كسر العظام، تحصل على أعلى درجات السخونة بين تحالف “تيار المستقبل”، في وجه تحالف “حركة أمل” و”حزب الله”، وتعكس الحملة الانتخابية لكليهما حجم التهافت الشعبي لاختيار الشعارات.

ملوك الأعمدة الكهربائية

ثلاثة مرشحين من دائرة بيروت الثانية، تنافس محازبوهم، على رفع صورهم على الأعمدة الكهربائية، وكأنهم ملوكها.

مناصرو المرشحين بدوا وكأنهم في سباق “ماراثون”، يقاتلون من أجل الفوز بأكبر عدد من الأعمدة الكهربائية لنشر الصور عليها. فمن عين المريسة والروشة كان مَلِك الصور، سعد الحريري. من البسطة مروراً بزقاق البلاط وصولاً إلى الخندق العميق، ملك الصور هو أمين شري، بينما من منطقة الصنايع نزولاً إلى شارع الحمراء الرئيسي، كان الملك، نهاد المشنوق.

التاجر والمحامي

وفي أسفل بورتريهات مرشحي بيروت الثانية، ظهرت أسماء تجار ومحامين ومتقاعدين من السلك العسكري، وأصحاب المصالح الكبرى، ما جعل من صورهم لا تدور حول ذواتهم الأيقونية فقط، بقدر ما كان لافتاً، حضور أشخاص مجهولين، لم يفعلوا شيئاً، سوى أنهم وضعوا في أسفل الصور أسماءهم. فصورة للوزير فلان مقدمة من صاحب المخابز فلان، وصورة للنائب علّان قَدّمها المحامي فلان.

أولئك الأشخاص المجهولون، الموقعة أسماؤهم أسفل صور المرشحين، أرادوا أن يخبروا المقترع شيئاً عن نفوذهم الاقتصادي، واسترزاقهم المالي والسياسي داخل مناطقهم، ولا تأتي تبرعاتهم الفوتوغرافية، من باب “الحسنة”، إنما لضمان استمرارية مصالحهم الخاصة بعد انتهاء الحملات الانتخابية.

“حزب الله” vs “تيار المستقبل”

لعبت الأناشيد الحزبية دوراً في حياكة اللوحات واليافطات الكبيرة التي نشرها “حزب الله” و”تيار المستقبل.”

استوحى الفريقان مقتطفات من أناشيدهما الحزبية الأكثر شهرة. فغلبت روح الحب والمشاعر الوردية على لوحات “تيار المستقبل” التي تخاطب الشيخ سعد، فيما اللافت في لوحات “حزب الله”، تمايلها على وقع الحرب السورية وحصد الانتصارات. فـعبارة “إنت المستقبل كلو”، زينت عشرات الصور لسعد الحريري، بينما ظهرت صور عديدة للأمين العام لحزب الله حسن نصرالله وعليها شعار “نحمي ونبني” فيما زين مناصرو أمين شري صوره بعبارة “أضرب والريح تصيح، تسلم يا حامي الدار”.

هذه المقتطفات الموسيقية، تخلق ألحانها في الرأس، وتدفع لا وعي قارئها إلى تمتمة بقية الأنشودة بصوت منخفض. كأن يقول “وِلْ ما بتهزهن ريح، دَوقهم طعم النار”، أو “سَعْد الشعب اللبناني”.

لعل ما عكسته الماكينات الانتخابية للأحزاب السياسية في دائرة بيروت الثانية على اللوحات الإعلانية، وما ورد من عبارات مرفقة على صور المرشحين، حقيقة سيئة جداً عن طبيعة الناخب اللبناني.  فالحملة في هذه الدائرة وليدة الأزقة الشعبية وأساليبها في التعبير عن نفسها، في شقّيها السني والشيعي. من طريق الجديدة ورأس النبع، والبسطة الفوقا والتحتا، وزقاق البلاط والخندق العميق والباشورة، وصولاً إلى ضاحية بيروت الجنوبية التي يقطنها مقترعون مسجلون في لوائح شطب دائرة بيروت الثانية، آتت الحملات الانتخابية فولكلوراً للخفة الشعبوية.

إقرأ أيضاً