fbpx

هنا القصة الثالثة

خالد سليمان - صحافي وكاتب كردي عراقي

مقالات الكاتب

فكّر صدّق خبّر

أعلنت صحيفة “لوموند” الفرنسية بداية شهر فبراير/ فبراير 2017 عن مشروع خاص بها لتفحص المعلومات والتحقق من مصادرها، إذا ما كانت ملفقة أو صحيحة. وجاء المشروع الذي أطلقت عليه الصحيفة اسم “ديكوديكس”، بعدما أصبح نشر المعلومة والصورة والقصة مسموحاً لكل من يعيش حالة أو يسمع عنها من خلال شخص آخر. بموازاة ذلك، أنجزت مؤسسة “أنترنيوز” الأميركية في بلدان أفريقية مشروعاً بحثياً عن الشائعات وتأثيرها في الاستقرار الاجتماعي، وذلك من خلال العمل الميداني والتدريب الصحفي والعمل المباشر مع مَن يقومون بنشر الشائعات.
إلى جانب هاتين التجربتين، هناك تجربة أخرى تعمل عليها مؤسسات حكومية وإعلامية وجامعية حالياً في مقاطعة كيبيك بكندا تهدف إلى منع نشر الأخبار غير الصحيحة أو المختلقة بين الشباب في أوساط المدارس الإعدادية. وجاء جزء من تمويل المشروع الكندي من وزارة التربية والتعليم، ذاك أنه برنامج تعليمي بالتعاون مع الجامعات، يشارك فيه الصحفيون في إلقاء المحاضرات وإقامة دورات إعلامية عن أهمية الحصول على المعلومات الصحيحة من أجل حماية الديموقراطية والحريات، ومدى خطورتها سواء كانت ملفقة أو موجهة. ويهدف هذا المشروع تحت عنوان “ثلاثون ثانية قبل أن تصدق” إلى مواجهة حمى نشر الأخبار الكاذبة بين الشباب الناشط على الإنترنت من خلال التعليم وإقامة محاضرات وندوات ودورات تدريبية في المدارس الإعدادية والكليات.
تدخل هذه المشاريع ضمن مسؤولية الدول والمؤسسات الإعلامية والتربوية تجاه حمّى الشائعات والنشر العشوائي من دون فلترة المعلومات من جانب، والحد من تأثير الأخبار الموجهة، التي مصدرها حكومات لا تلزم نفسها بقوانين العمل الصحافي الأخلاقية والمهنية من جانب آخر. ولئن أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي بوابة بلا رقابة للنشر، تلجأ الأجيال الجديدة وهي الأكثر استخداماً لوسائل التواصل الاجتماعي مثل “فيسبوك”، “سناب-تشات”، “انستاغرام”، “يوتيوب”، “تويتر”، إلى صناعة الخبر ونشر المعلومات من دون ضوابط وقيود في المدارس الثانوية والإعدادية والجامعات. أما الحكومات التي تدعم هذه الحمّى، فهي لا تدعم نشر الأخبار المزيفة فحسب، بل تنفق أموالاً طائلة عليها بغية التأثير في الرأي العام واحتكاره، وذلك من خلال مؤسسات إعلامية تابعة تعمل وفق مقتضيات سياساتها، أو تعمل لمصلحتها في الخفاء، مثل مؤسسة سبوتنيك الروسية.
لقد أصبحت الأخبار المزيفة مصدرَ قلق غالبية البلدان والحكومات الديمقراطية، ذلك أنها تضرب عموداً رئيسياً من أعمدة النظام الديموقراطي، ألا وهو حق الحصول على المعلومة والتمتع بمساحة لتداول الرأي العام، والمختلف بطبيعة الحال. ولئن تصديق المعلومات والآراء المبنية على التلفيق، يغلق الباب أمام النقد في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية، وهذا مناف لأسس النظام الديموقراطي أساساً، تحاول مؤسسات ودول في نطاق الاتحاد الأوروبي وكندا مواجهة الأخبار المفبركة، الشائعات والمعلومات الموجهة، وذلك من أجل تقليل تأثيرها في المجتمعات من جهة، وحماية أسس النظام الديموقراطي من جهة أخرى.
وتواجه برامج مواجهة الأخبار المزيفة عقبات كبيرة، منها صعوبة ترميم تلك الصور التي تشوهها المعلومات والقصص المزورة أو الملفقة التي تجد طريقها إلى النشر من طريق (سوشيال ميديا)، المدونات والمواقع الإلكترونية. أما الصعوبة الكبرى فتكمن خلف الحكومات والجهات السياسية والاقتصادية المتنفذة التي تنفق الأموال وتستثمر إمكانات علمية وتكنولوجية في بث الشائعات والأكاذيب، ذاك أن غالبية الحكومات والمؤسسات الإعلامية التي لا تلزم نفسها بالقواعد الأخلاقية للعمل الإعلامي، تلجأ إلى وسائل مباشرة، أمنية ومالية وسياسية للقضاء على مصادر المعلومات المستقلة كما يحدث في تركيا، أو تلجأ إلى إعلام الظل كما في روسيا.
وهناك إلى جانب كل ذلك نموذج آخر من الإعلام، يموله السياسيون والأحزاب وفقاً لمقتضيات السياسة والانتخابات كما في العراق وإقليم كُردستان وبلدان أخرى. ولا يتردد هذا النوع من الإعلام في صناعة المعلومات الملفقة أو استهداف العقول بصور وقصص تخاطب احتياجات الناس اليومية، أو قناعاتهم الدينية والمذهبية في أحسن الأحوال. صفوة الكلام، أن الشائعات أو المعلومات الملفقة تعتمد شعار (خبّر، صدّق، فكّر)، فيما يجسد جوهر العمل الإعلامي: فكّر، صدّق، خبّر. تالياً، يُحَبِّر (الفيك-نيوز) التلفيق في ذاكرة الناس وقد يحتاج إلى وقت طويل لإزالته.

إقرأ أيضاً