هنا القصة الثالثة

مقالات الكاتب

“فريد زكريا” يتحدث عن الدرس المُستفاد من رئاسة ترامب: “في طريقنا لنصبح مثل أميركا اللاتينية قبل ٤٠ عاما”

قبل عشرين عام، لاحظ فريد زكريا، مقدم برامج على قناة CNN، تنامي توجه مقلق ألا هو تضييق حكومات البلدان التي لديها ديمقراطية ظاهرية مثل باكستان والفلبين على حرية الصحافة وتراجع مسألة استقلال الهيئات القضائية، حدث هذا الأمر على نطاق واسع مع توافر دعم كبير له.
يناقش زكريا أن هذه الإجراءات القمعية لم تكن مؤشراً على تراجع الديمقراطية في هذه البلدان، ولكنها كانت مؤشراً على تراجع المفهو م الليبرالي فيها، ما يعني تخليهم عن مسألة الالتزام بسيادة القانون والفصل بين السلطات وحماية الحريات الأساسية المتمثلة في حرية المُعتقد وحرية التعبير عن الرأي وإقامة التجمعات والتملك العقاري.

والآن، وبعد مرور أشهر على فترة رئاسة دونالد ترامب، يخشى زكريا من دخول الولايات المتحدة في هذا المسار المظلم، الأمر الذي دفعه مسرعاً للتذكير بالمعايير والأعراف التي شكلت وحمت الديمقراطية الأمريكية لأكثر من قرنين من الزمان.

لا شيء فيما يفعله ترامب يندرج تحت بند غير القانوني، ولكن بالنسبة لزكريا فإن معظم ما يقوم به ترامب يندرج تحت ما يسمى “بالليبرالية”، وهو مصطلح يتنافى مع وجود السياسة الحزبية. وهو لم يقصد هنا “الليبرالية” بمفهوم الحزب الديمقراطي، ولكنه يعنيها هنا من منظور القيم المشتركة التي أعلنها كلا الحزبين منذ زمن طويل.
يعتقد زكريا أن الثقافة الديمقراطية الليبرالية الخاصة بالولايات المتحدة لاتزال قوية نسبياً ولكنها تتعرض لهجوم شديد.
شون إلينغ
أعتقد أن الدرس الحاسم الذي يمكن تعلمه من فترة حكم ترامب هو أن معايير الديمقراطية والأعراف أهم بكثير مما كنا نعتقد، وأن المؤسسات ربما أقل في أهميتها عما كنا نعتقد.!
فريد زكريا
أتفق معك بالتأكيد فيما يتعلق بالجزء الأول، ولكنني لم أكن أعلم أن على وضع هذه المسألة البديهة في اعتباري. ما ظهر جلياً أمامي هو مدى أهمية الأعراف. وفي سياق مختلف، فإن كثيراً من الأشياء التي نعرفها الآن باعتبارها محورية للديمقراطية الليبرالية لا ترتبط في الواقع بالمؤسسات، وإنما بالقواعد والممارسات والتعبير عن قيم بعينها. وأعتقد أن هذا الشيء بدأنا جميعاً ندركه على مدار الحملة الانتخابية مع انتهاك ترامب للعرف تلو الآخر.
لذا، فإنه وبكل بساطة يرفض الكشف عن سجلاته الضريبية، وبدأنا بأن ننظر حولنا ونفكر ” انتظر لحظة، أليس هناك قانوناً ما ينظم هذه المسألة؟” وقد تبين أن المسألة لا يحكمها القانون وإنما جرى العرف على ذلك.
الطريقة التي يعامل بها ترامب الصحفيين، والطريقة التي يتحدث بها عن المؤسسات الإخبارية، وطريقة تخويفه للشعب، كل هذا يعبر عن تآكل مفهوم الديمقراطية الليبرالية، ولكن المسألة برمتها قانونية تماماً.

شون إلينغ
من المدهش أننا لم نتعلم هذا الدرس قبل الآن، نظراً لمحاولاتنا الفاشلة في نشر الديمقراطية الدستورية في الخارج.
فريد زكريا
أعتقد أن هذا صحيحاً. يمكنك أن تلاحظ هذا الأمر عندما تشاهد الديمقراطية تُطبق وتُغرس في دول غير الدول الغربية. يمكن للديمقراطية أن تؤتي ثمارها في أماكن عديدة، إنني حقاً أعتقد في إمكانية حدوث هذا. ولكن المسألة صعبة ومعقدة. فإذا لم ينجح نظامنا الديمقراطي في العراق، فإن هذا ليس نتاج عدم امتلاكهم لدستور جيد أو قضاء مستقل أو حماية لحرية الصحافة، لأنه في نهاية المطاف من وضع مخطط الدستور العراقي هم فقهاء غربيون(أجانب).
المشكلة أن الخلفية الثقافية كانت مختلفة تماماً لدرجة أنه، ومع امتلاكك لتلك المؤسسات، فإنك لازلت لا تملك الوضعية الثقافية المناسبة لتعزيزها، أو أن ذلك السلوك الثقافي الموجود سيحتاج لمدة طويلة كي يتطور.
شون إلينغ
أفترض هنا أن الدرس الذي علينا تعلمه هو أن مؤسساتنا ستفشل بشكل مماثل لو لم تُعزز بهذه الأعراف أو المعايير الثقافية.
فريد زكريا
لم أكن أدرك إلى أي مدى تصل هشاشة الديمقراطية الليبرالية في الغرب _ لدرجة أن هذه  الثقافة هي شيء قابل للانتهاك والاندثار بشكل سريع . لدي شعور بالغ بالقلق بأنه، ومع الوصول  للانتخابات الرئاسية القادمة،  بأن يطل علينا أحد المرشحين ويقول ” حسناً، إنني لست في حاجة للكشف عن سجلاتي الضريبية، فترامب لم يقدم سجلاته”. ومن ثم يتولد عن هذا الأمر عُرف جديد وهو أن الرئيس أو المرشح الرئاسي ليس في حاجة إلى فعل هذا الأمر، أو ربما يأتي رجل أعمال في المرة القادمة ويقول ” حسناً، لست في حاجة للاستقالة من إدارة أعمالي. لست في حاجة إلى فك الارتباط مع أعمالي، فترامب لم يفعل”. ومن ثم يتولد عن هذا الأمر برمته عُرف مختلف تماماً.
لو أصبح هذا الأمر هو العُرف الجديد، إذاً فإننا قد بدأنا أولى خطواتنا لنصبح مثل أمريكا اللاتينية قبل 40 عام.
شون إلينغ
لكل نظام نقاط ضعفه، ولكن يبدو شبه مؤكد أن الرئاسة هي إحدى تلك النقاط في نظامنا. ماذا لو تمكن شخص لا يتمتع بالنزاهة أو فاسد أو مستبد من الفوز بالرئاسة، فإن هذا الشخص سيكون قادراً على إلحاق فوضى لا يمكن تصورها ولاسيما في مناخ يسوده الاستقطاب كالذي نعيش فيه حيث أن هناك حوافز قليلة تشجعك على الانفصال عن حزبك.
فريد زكريا
إن هذه النقطة هامة للغاية. فإن واحدة من تبعات الاستقطاب السياسي والاختلال الدستوري، والتي وصلت في الواقع لمستويات قياسية، هي أن الرئاسة أو منصب الرئيس يصبح أكثر قوة مما هو عليه. مُنح المنصب المزيد من التقدير وحرية التصرف -وذلك من خلال المحاكم وعامة الناس. هنالك شعرواً يسود بأن شخصاً ما عليه فعل شيئاً ما، وتبين أن هذا الشخص هو الرئيس. استغل الرئيس بوش هذا الأمر في سياسته الخارجية، وتجاوز أوباما الأمر بطرق مماثلة. وأعتقد أن كل هذه الأمور تمثل خطراً حقيقياً.
نحن بعيدون كل البعد عما كان يقصده الآباء المؤسسون للولايات المتحدة فيما يتعلق بالصلاحيات الممنوحة لمنصب الرئيس. وأعتقد أن بعضٍ من هذه الصلاحيات الممنوحة للمنصب تعد بمثابة الضرورة التي لا مفر منها في الوقت الراهن، ولكن التوسع التدريجي للسلطة التنفيذية يعني أننا عُرضة لأن نقع تحت حكم رئيس ديكتاتور.

شون إلينغ
دق بعض واضعي النظريات السياسية مثل ياسشا منك ناقوس الخطر لأشهر قائلاً ” إننا في خضم تراجع الديمقراطيات الليبرالية”. هل ترى أن ترامب يعد مظهراً لهذه العملية التي تجري بالفعل؟

فريد زكريا
إنه لمن الإنصاف القول بإننا نواجه مرحلة انهيار السلطة، والتي أثرت تقريباً على جميع مناحي الحياة. وخارج نطاق مؤسسة الجيش، فإن جميع مؤسسات الدولة تأثرت بهذا الأمر. هذا الانهيار في السلطة، وانهيار انعدام الثقة في السلطة السياسية على وجه الخصوص، يعد جزءاً كبيراً من تلك القصة.
إذا ما جلست لتفكر فيما حدث على مدار الـ25 عاماً الماضية في أذهان الكثيرين، لديك نخبة سياسية جرت هذه البلد إلى الكوارث الواحدة تلو الأخرى. لذلك فإن الناس ينظرون إلى تلك النخبة بطريقة تختلف تماماً عما كان الأمر عليه في الأربعينات والخمسينات أو حتى الستينات. هل كانت حرب فيتنام هي من غيرت الأمور؟ أم وترغيت؟ أم التضخم؟ أم الاستعانة بالمصادر الخارجية؟ أم الركود في الأجور؟ لا أعلم
ولكن على ما يبدو فإن القصة الحقيقية هي انهيار الإيمان بالسلطة السياسية، وليس اعتناق الاستبداد.

هذا المقال مترجم عن موقع vox
لقراءة المقال الأصلي الرابطالتالي.

إقرأ أيضاً