هنا القصة الثالثة

يوسف بزّي

مقالات الكاتب

فرنسا المخيفة : ديوك صغار متأهبون

يُجمع متابعو كرة القدم على أن فرنسا مرشحة بقوة للفوز ببطولة العالم هذه السنة، فالأسماء التي تزخر بها كثيرة إلى درجة أن المنتخب لا يقدر على استيعابها.   

ورغم الإعلان عن التشكيلة المبدئية لمنتخب فرنسا، إلا أنه من الأفضل الانتظار للتعرف على التشكيلة النهائية. لكن من يعرف “الديوك” أثناء التصفيات المؤهلة للمونديال، يدرك أن اللاعبين الأساسيين الذين سيعتمد عليهم المدرب ديدييه ديشان هم أولئك الشبان الموهوبين الموزعين على أهم أندية أوروبا.

ديشان الذي حمل كلاعب مع زين الدين زيدان الكأس اليتيمة التي نالتها فرنسا عام 1998، ينتهج تقريباً الفكر الكروي نفسه لمن قاد فرنسا حينها إلى القمة والنصر، إيميه جاكيه. ببساطة: انتخاب الشبان الجدد المتعطشين للعب والفوز والاستغناء عن المخضرمين.

شرط رئيس الجمهورية

هي معادلة متطرفة ويجدها الكثيرون مجازفة خطرة، خصوصاً أن المباراة النهائية التي خسرتها فرنسا على أرضها أمام البرتغال في بطولة أوروبا عام 2016، أظهرت أن المواهب الكثيرة لا تكفي وحدها، وأن نقص الخبرة بالمناسبات الكبيرة السبب الأهم في الهزيمة غير المتوقعة. فالمعادلة الذهبية هي دوماً ذاك التوازن الدقيق بين العناصر الشابة فائقة الحيوية والعناصر المخضرمة التي تمتلك المهارات والصبر والذكاء.

لكن من جانب آخر، يبدو أن تجربة أوروبا 2016، هي نفسها التجربة التي أرادها ديدييه ديشان ليكسب ديوكه الخبرة الكافية والجهوزية الذهنية والتكتيكية لخوض “المونديال” في الصيف المقبل.

من الواضح أن الجمهور الفرنسي، بل والدولة الفرنسية نفسها، يطالبان المنتخب بخطف كأس العالم، خصوصاً بعد الفشل في حمل كأس بطولة الأمم الأوروبية الأخيرة التي استضافتها فرنسا نفسها (2016). رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون، صرح قبل أيام أن شرطه الوحيد لمرافقة المنتخب في روسيا هو عبور “الديوك” دور الثمانية والوصول إلى مرحلة نصف النهائي، ليطير إلى موسكو والانضمام إلى المشجعين.

إذاً، أمام ديشان “مهمة قومية” ومن المستبعد التسامح معه في حال الفشل مرة أخرى. وإذا كانت وفرة اللاعبين الفرنسيين مصدر حسد المنتخبات الأخرى، فهي مصدر معاناة ديشان في صعوبة اختيار التشكيلة المثالية. فلكل لاعب أساسي بديل لا يقل عنه أهمية وموهبة. وبهذا المعنى، وإذ يتمتع ديشان بالقدرة على التنويع والمداورة بين اللاعبين، إلا أن ثبات التشكيلة وتعوّد اللاعبين على أدوارهم أمر حيوي للحفاظ على توازن المنتخب وخلق الانسجام في خطوط الدفاع والوسط والهجوم.

إقصاء لاعبين كبار

الخوف من تكرار ما حدث من مشاكل بين المدرب ريمون دومينيك واللاعبين في مونديال 2010، وأدت إلى خروج فرنسا باكراً من المنافسة، برز مجدداً مع استبعاد ديشان لعدد من النجوم هم بنظر الكثيرين منتخب متكامل: لوران كوسيليني (الأرسنال)، إيمريك لابورت (مانشستر سيتي)، كينغسلي كومان (بايرن ميونخ)، وأدريان رابيو (باري سان جرمان)، وديميتري باييت (مارسيليا)، أنتوني مارسيال (مانشستر يونايتد)، ألكسندر لاغازيت (أرسنال)، وكريم بنزيمة (ريال مدريد).. لاعبون يتمنى أي فريق أن يحوزهم، إلى حد أن الصحافة الفرنسية كتبت عنهم “تشكيلة نارية من المستبعدين”. لكن لديشان رأي آخر، الذي يبحث عن الانسجام أولاً وعن الشبان المتعطشين للانتصارات. الجدل محتدم خصوصاً تجاه استبعاد أدريان رابيو الذي هاجم قرار المدرب ورفض أن يكون مجرد لاعب احتياط. يتوجب على ديشان حسم هذه البلبلة وقمعها بسرعة قبل أن تصيب معنويات لاعبيه، وتُدخلهم في متاهات الشك وتصدع الثقة.

تشكيلة هجومية وحصن دفاعي

من الواضح أن حراسة المرمى ستوكل إلى ألفونس أريولا (باري سان جرمان)، وستيف مانداندا (مرسيليا)، وهوغو لوريس (توتنهام هوتسبر الإنكليزي). وقد يكون الأخير هو الأساسي، بعد موسم متألق في الملاعب الإنكليزية.

سيكون الدفاع الفرنسي بالغ التحصين بفضل قوة لاعب برشلونة صموئيل أومتيتي الذي أثبت ضراوة بدنية ومهارة فائقة في كبح المهاجمين، وإلى جانبه مدافع ريال مدريد رافايل فاران، الشاب الذي أثبت أنه لاعب محنك لا غنى عنه في ريال مدريد. بريسنل كمبيمبي (باريس سان جرمان)، جبريل سيديبيه (موناكو)، عادل رامي (مارسيليا)، بنجامين بافارد (شتوتغارت)، تيو هيرنانديز (أتلتيكو مدريد)، وبنجامين ميندي (مانشستر سيتي).

أما خط الوسط حيث تجري “أم المعارك”، فلدى فرنسا “نجوم” من طراز بول بوغبا، الذي بات صانع الألعاب الأهم في مانشستر يونايتد، والرهيب نغولو كانتيه (تشلسي الإنكليزي)، والبارع بلاز ماتويدي (يوفنتوس الإيطالي)، وستيفن نزونزي (إشبيلية)، وكورنتان توليسو (بايرن ميونيخ الألماني).

من الصعب أن نجد في فريق آخر هذا العدد من المهاجمين والهدّافين. أي منتخب عالمي يكفيه وجود مهاجم واحد من طراز هؤلاء كي يشعر بالزهو. لدى فرنسا اليوم ترسانة هجومية مرعبة:

أوليفييه جيرو (تشلسي)، أنطوان غريزمان (أتلتيكو مدريد الإسباني)، كيليان مبابي (باري سان جرمان)، فلوريان توفان (مرسيليا)، عثمان دمبلي (برشلونة)،وتوماس ليمار (موناكو)، نبيل فقير (ليون).

أمام هكذا أسماء، كان من الطبيعي أن يستغني ديشان عن مهاجم ريال مدريد كريم بنزيمة، ويستبعده من المنتخب. وكما نلاحظ، فإن المهاجمين الفرنسيين يسيطرون على أندية أوروبا الكبيرة، الألمانية والإسبانية والإنكليزية والفرنسية.

طريق ليست سهلة

ستواجه فرنسا في الدور الأول، ضمن المجموعة الثالثة، كل من استراليا والبيرو والدنمارك. وسجل المواجهات السابقة مع هذه المنتخبات يدل أن طريق فرنسا ليست سهلة. ففي 12 مباراة مع الدنمارك حقق “الديوك” الفوز في ست مواجهات وتعادل مرة واحدة وخسر خمس مباريات. والرقم المهم أن الفرنسيين سجلوا 16 هدفاً، بينما أحرز لاعبو الدنمارك 28 هدفاً. ومع جدارة البيرو في تأهلها بتصفيات أميركا اللاتينية، فهي قادرة على صنع المفاجأة.

فرنسا حاملة اللقب مرة واحدة أيام “الدريم تيم” في مونديال 1998، تستعد مع شبانها الجدد لإضافة نجمة ذهبية ثانية على صدرها. وديشان الذي يحلم بحمل كأس العالم كمدرب، بعدما رفعها كلاعب، ليكرر إنجاز الألماني فرانز بكنباور (1974 كلاعب، و1990 كمدرب) لديه فرصة تاريخية قد لا تتكرر لعقود مديدة.

 

إقرأ أيضاً