fbpx

هنا القصة الثالثة

بكر صدقي - كاتب سوري متخصص بالشأن التركي

مقالات الكاتب

فاز أردوغان مرةً أخرى، ما هو السر؟

كان أداء الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، باهتاً ومتواضعاً في حملته الانتخابية، طوال الشهرين السابقين على موعد الانتخابات. سواء إذا قسناه بأدائه في حملات سابقة، أو بأداء منافسيه في هذه الانتخابات، وخاصةً مرشح حزب الشعب الجمهوري محرم إينجة الذي تألق وخطف الأضواء، وكأنه أحد نجوم البوب. سيطر السجال على خطاباتهما الجماهيرية، فكان إينجة في موقع الهجوم، وأردوغان في موقع الدفاع. وفاق حجم الحشود التي جاءت للاستماع إلى إينجة، حجم حشود أنصار أردوغان، في الحواضر الكبرى، إسطنبول وأنقرة وإزمير وديار بكر. ورأينا إينجة يرقص الدبكة على المنصة، ويقود دراجة هوائية، ويرتدي القميص بلا ربطة عنق، والابتسامة لا تفارق وجهه، ويقدم كشف حساب بما يملك، مقابل أردوغان الذي عيّر منافسه بالفقر، وأطلق وعوداً غريبة كما لو كان في المعارضة، وليس في السلطة منذ 16 عاماً، بل إنه وقع في أخطاء لا تليق بالزعيم الكارزمي الذي نجح في جميع الانتخابات التي خاضها في حياته السياسية، وله جمهور من المناصرين خارج تركيا، أيضاً، في العالم العربي والإسلامي، لا يقل عن جمهوره المحلي.

فما هو سر هذا النجاح الدائم على رغم تغير الزمان والظروف وتآكل الشعبية الذي لا مناص منه لكل من يتقادم في الحكم ويترهل؟

قبل كل شيء، يجيد أردوغان الحسابات الانتخابية ببراعة لا ينافسه فيها أحد من خصومه، يعترف بذلك هؤلاء الخصوم قبل الأنصار. فهو يعرف كيف يمكنه أن يكسب نقطة هنا وعشرة هناك، وأي تصريح يساهم في ربح المزيد من الأصوات، وأي قرار قد يؤدي إلى خسارتها. يقيم تحالفاته التكتيكية على أساس هذا الحساب، ويفك تلك التحالفات، ببساطة، حين تشكل عبئاً على شعبيته.

لكن العامل الأهم في فوز أردوغان المتكرر، إنما هو فشل أحزاب المعارضة في تقديم بديل جذاب، ورؤية سياسية مقنعة لغالبية الناخبين. ينطبق هذا الأمر، بخاصة، على حزب المعارضة الرئيسي، حزب الشعب الجمهوري، الذي تكلس خطابه الأيديولوجي المتقادم، ولم يعد يملك أي طموح لإدارة شؤون البلاد، فاكتفى بقاعدة اجتماعية ضيقة وثابتة من الطبقات الوسطى المدينية المتعلمة، في المدن الساحلية غرب البلاد، تتمتع بدخل مرتفع ومستوى تعليمي عال ونمط حياة حديثة قائمة على مركزية دور الفرد والأسرة الصغيرة. نمط الحياة هذا تحول إلى هوية تقابل هوية البيئة المحافظة المتدينة، في الأرياف والمدن الصغيرة، حيث الحاجة ماسة إلى مشاريع البنية التحتية، وحيث مستويات بطالة مرتفعة، ومستوى تعليمي منخفض، ودخل منخفض بالقياس إلى بيئة الهوية العلمانية المذكورة أعلاه، وروابط أهلية تحتفظ بقوتها.

في ظل هذه الشروط ستواجه تركيا تحديات كبيرة، في الاقتصاد وفي السياسة الخارجية بصورة خاصة، فضلاً عن صعود التشدد القومي في المجتمع.

 

هذا ما يؤسس عليه بكير آغردر، مدير مؤسسة كوندا لأبحاث الرأي العام، تحليله السوسيولوجي للانقسامات العمودية الراسخة في المجتمع التركي. وتقوم هذه الانقسامات، وفقاً لآغردر، على استقطابين رئيسيين، هما اللذان يحددان المشهد السياسي في تركيا، الأول منهما هو الاستقطاب القومي – الاثني (أتراك وكرد)، والثاني هو الاستقطاب (العلماني/ المحافظ). أي أن الصراع السياسي – الإيديولوجي في تركيا يعبر عن صراع الهويات في القاعدة الاجتماعية، ويعكسها بدرجة عالية من الشفافية.

فإذا أردنا قراءة المشهد السياسي بمناسبة الانتخابات الأخيرة، على ضوء هذه الرؤية السوسيولوجية، قلنا إن النزعة القومية التركية المتشددة شهدت صعوداً لافتاً في هذه الانتخابات، سواء بالكتلة التي صوتت لحزبي “الحركة القومية” بقيادة دولت بهجلي، و”الخيّر” المنشق عنه بقيادة مرال آكشنر، وبلغ مجموع أصواتهما 21% من الناخبين، أو بمجموع أصوات ناخبي “تحالف الجمهور” الذي ضم إلى “الحركة القومية” حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي اقترب، في خطابه وسياساته، كثيراً، من خطاب وبرنامج حليفه الصغير (الحركة القومية)، وفازا معاً بنحو 54% من أصوات الناخبين، والغالبية المطلقة في المجلس النيابي.

هذه هي الكتلة الاجتماعية المحافظة، وفقاً لتحليل آغردر، التي حسمت نتائج الانتخابات لصالح الرئيس أردوغان والتحالف القومي – الإسلامي. مع ملاحظة تقدم المكون القومي في هذا التحالف على حساب تراجع المكون الإسلامي. هذا ما لاحظناه من تراجع نسبة التصويت لحزب العدالة والتنمية، من 48% في آخر انتخابات نيابية، إلى 42% اليوم. كذلك سحقت آمال حزب السعادة (الإسلامي) الصغير بقيادة تمل قرامولا أوغلو الموصوف بـ”الحكيم” في اقتناص ما يمكن اقتناصه من أصوات مؤيدي الحزب الحاكم ممن بدأوا يتململون من ابتعاد الحزب عن مبادئه الأصلية التي شكلت أساس شعبيته.

فاز أردوغان بفترة رئاسية ثانية من خمس سنوات

 

غير أن كل هذه النتائج المتحركة ظلت حبيسة الهوية المحافظة، فلم تحدث انتقالات دراماتيكية من الكتلة المحافظة إلى الكتلة العلمانية، أو بالعكس. الأمر الذي يؤكد نظرية آغردر الذي يقول: “الانتخابات في تركيا هي نوع من الإحصاء السكاني لكل من الهويات الراسخة، أكثر من كونها تنافساً بين برامج سياسية عابرة للهويات”

وهو ما لاحظناه أيضاً في ثبات النسبة التي حصل عليها حزب الشعوب الديموقراطي الذي يعتمد على أصوات الناخب الكردي، وإن كان للحزب الحاكم أنصاره، أيضاً، في المناطق الكردية، مقابل غياب تام للأحزاب الأخرى بسبب فشلها في مخاطبة تطلعات الهوية الكردية.

وحده محرم إينجة، مرشح حزب الشعب الجمهوري، خرق تلك القاعدة، فقدم خطاباً متودداً إلى الكرد، وقام بزيارة الرئيس السابق لحزب الشعوب الديموقراطي، ومرشحه إلى منصب الرئاسة صلاح الدين دمرتاش، في سجنه، فاستقبل بحفاوة في دياربكر، أكبر حواضر الوجود الكردي في تركيا. وأعلن الحزب الكردي أنه سيصوت لمصلحة إينجة في الانتخابات الرئاسية، في حال واجه أردوغان في جولة ثانية. ربما هذا ما يفسر، جزئياً، حصول إينجة على 30% من أصوات الناخبين، متقدماً على رقم حزبه بثماني نقاط.

لقد لعب كل من قطبي الانقسام التركي/ الكردي، حزب الحركة القومية وحزب الشعوب الديموقراطي، دوراً مفتاحياً في الانتخابات الحالية. فقد كان تجاوز الحزب الكردي حاجز العشرة في المئة هو ضمانة كل المعارضة في عدم حصول “العدالة والتنمية” على الغالبية المطلقة في البرلمان. بالمقابل شكل حصول حزب الحركة القومية اليميني المتطرف على 11% من أصوات الناخبين طوق نجاة للحزب الحاكم في حصولهما معاً على الغالبية المطلقة. هذه النتيجة جعلت العدالة والتنمية أسيراً لحليفه الصغير، الأمر الذي سنرى مفاعيله في الفترة القادمة، حيث يتوقع مزيداً من التحاق الحكومة بالمنظور القومي المتشدد، وبخاصة في مقاربة المسألة الكردية.

فاز أردوغان بفترة رئاسية ثانية من خمس سنوات، معززاً بصلاحيات موسعة في نظام رئاسي ألغى منصب رئيس الوزراء، وحجّم دور مجلس النواب في السلطة. أضف إلى ذلك حال الطوارئ المفروضة منذ عامين، وقد وعد أردوغان بوقف العمل بها، وفقدت السلطة القضائية استقلالها إلى حد كبير، بفعل عمليات التطهير والتعيينات المضادة في ظل الطوارئ. وباتت معظم وسائل الإعلام موالية للحكم.

في ظل هذه الشروط ستواجه تركيا تحديات كبيرة، في الاقتصاد وفي السياسة الخارجية بصورة خاصة، فضلاً عن صعود التشدد القومي في المجتمع.

اقرأ أيضاً: روسيا تختبر نفسها نووياً في تركيا

إقرأ أيضاً