fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة

مقالات الكاتب

غلاف مجلة “تايم” ليس شجاعاً ولا جريئاً… بل استغلالي

عندما لا تكون الصورة الموجعة للقلب كافية، ينبئنا هذا بواقع محزن يخيم على المجتمع ووسائل الإعلام.فقد حظيت صورة الرئيس الأميركي دونالد ترامب واقفاً أمام طفلة مهاجرة تبكي، على غلاف مجلة “تايم” الأميركية في عددها الصادر في 2 تموز/يوليو المقبل، بانتشار سريع كالبرق على نطاق واسع على شبكة الانترنت، فيما وصفها كثيرون بأنها “قوية” و “تقشعر لها الأبدان” وهي “توثيق اجتماعي جريء”.

على الأغلب رأيتم بالفعل هذه الصورة الخبرية الأصلية التي اعتمدت عليها “تايم”، والتقطتها عدسة جون مور مصور موقع “غيتي”.

انتشرت هذه الصور وغيرها من الصور المشابهة لهذا المشهد على نطاق واسع، إذ استخدمتها كل وسيلة إعلامية مطبوعة ومسموعة وإلكترونية لتوضيح تأثير سياسة “عدم التسامح” التي يتبناها ترامب إزاء الهجرة غير الشرعية إلى الولايات المتحدة.

علمنا أن الفتاة الهندوراسية الصغيرة الموجودة في هذه الصورة لم تُفصل عن والدتها، وتم إيواؤهما سوياً في مركز سكني عائلي جنوب تكساس تحت رعاية نظام احتجاز المهاجرين ICE.

ظهر مور على الساحة الإعلامية يناقش ما شاهده بقدر كبير من التفاصيل، قائلاً لمجلة “تايم”، “كانت الصورة ذات تأثير قاس عليّ، فبمجرد الانتهاء من التصوير، وضعوهم في الشاحنة، حينها توقفت وأخذت نفساً عميقاً، فكل ما أردته هو اصطحابها معي لكنني لم أستطع”.

أدت الصورة الإخبارية العاجلة مهمتها على أكمل وجه؛ إذ صَدمت أميركا بما يكفي مراراً وتكراراً، وحركت مشاعر الكثير من الناس حتى أنهم تبرعوا بأكثر من 17 مليون دولار لمركز الخدمات التعليمية والقانونية للاجئين والمهاجرين RAICES، وهي منظمة تقدم خدمات قانونية للمهاجرين على طول حدود ولاية تكساس.

ولكن عندما رأيت غلاف “تايم”، لم أجد وصفاً له سوى أنه سوء استخدام لصورة مور الأصلية، وشعرت برد فعل فوري غاضب. وبصفتي مصورة صحافية ومحررة للمواد السمعية والبصرية ومهاجرة، لم أرَ الصورة رسالة قوية ضد موقف ترامب إزاء أزمة الفصل الأُسري أو السياسات التي أبعدت أكثر من ألفي طفل ضعيف عن والديهم.

أراها لعبة متبلدة الشعور واستغلالية تهدف إلى بيع المجلات، حتى وإن من دون قصد، فقد عرضت هذه المأساة الشخصية ليتم استخدامها بمثابة كاريكاتور والسخرية منها.

“بعد 9 أيام… تظهر على غلاف تايم”

كتبت مجلة “تايم” عن “القصة وراء غلاف ترامب “مرحبا بك في أميركا”:بسبب قوة تأثير الصورة، والتي ظهرت في ظل مهاجمة جميع المنتقدين من كل الطيف السياسي لسياسة ترامب الحالية المتعلقة بفصل الأطفال عن ذويهم الذين يتم احتجازهم أثناء محاولتهم دخول الولايات المتحدة بطريقة غير شرعية، اختار محررو “تايم” صورة مور لصناعة صورة توضيحية تتضمن ترامب، لتصبح غلافاً لعدد المجلة الصادر في 2 تمّوز 2018.

إذا كانت الصورة قوية ومُعبرة للغاية، فلماذا لم تنشر المجلة أصل الصورة التي تجسد هذه اللحظة على الغلاف؟

وعلى رغم ندرة تجسيد المصورين الصحافيين بعدساتهم لأزمة كبيرة مرعبة في صورة واحدة، فإن مور نجح في ذلك، لتستجيب أمة بأكملها لبكاء هذه الفتاة الصغيرة الذي وثقته الصورة، فلماذا إذاً نخرجها من سياق قصتها؟

والأسوأ من ذلك، يبدو أن “تايم” أرادت أن تكافئ نفسها على هذا العمل، إذ كتب أندرو كاتز نائب مدير الوسائط المتعددة بمجلة “تايم” على تويتر، “إنها على غلاف المجلة”، لكن ألا تستحق طفلة في عمر عامين تبكي معاملتها بمزيد من الكرامة، أم أنه من السهل علينا أن نجمع بين الضحية والجاني في صورة واحدة؟”.

كتب بريان ريسنيك- من موقع “ڤوكس”- عن حدود التراحم البشري والتأثير الذي يمكن أن تحدثه هذه الصورة، متحدثاً في هذا الشأن مع بول سلوفيك-العالم النفسي في جامعة أوريغون- الذي قال:

بإمكان قصص الأفراد وصورهم أن تكون فعالة لبعض الوقت، فهي تجذب انتباهنا، وتجبرنا على رؤية الواقع، لنرى لمحة من الحقيقة في إطار نطاق يمكن فهمه والتواصل معه عاطفياً، ولكن بعد ذلك يجب أن يكون هناك مكان نتجه إليه.

صارت القصة الآن أكثر تعقيداً؛ لأننا نعرف أن الصورة التي نعتقد أنها تُجسد الفصل الأسري لم تكن هكذا، وعلى رغم عدم دقة تعليق مور على الصورة، فإننا في زخم الغضب الوطني من سياسة البيت الأبيض للفصل الأسري، فرضنا سرداً غير دقيق للصورة.

“كلما كان الأمر أكثر دموية، كلما تصدر الأخبار”

 

ويعلق آرون بلايك من صحيفة “واشنطن بوست” على مخاطر غلاف “تايم” في ضوء هذا الخبر الأخير: الصورة مُحزنة، لكنها التقطت حدثاً قياسياً طبيعياً على الحدود، فالأم وابنتها حاولتا الهجرة بطريقة غير قانونية وقُبض عليهما، بل، في الواقع، حاولت الأم الأمر ذاته مسبقاً ورُحلت عام 2013. ولا تقل الصورة تقريباً شيئاً عن سياسة ترامب التي أُجهضت الآن، ففي حقيقة الأمر، هي مجرد مثال على كيفية فصل جميع الأطفال الصغار عن والديهم.

ويبدو أن غلاف “تايم”، في غضون 24 ساعة، صار له تأثير معاكس، ووسم باعتباره مزيداً من “الأخبار المُزيفة”.

الصدمة تدوم لأكثر من مجرد لقطة

انفصلت عن والدتي مدة 18 شهراً عندما كنت طفلة، حتى تستطيع المجيء إلى الولايات المتحدة من الهند للعثور على وظيفة وسيارة وشقة لنعيش معاً، ووصلت وأبي عندما كان عمري 3 سنوات، كنت محبوبة وأشعر بالأمان، ولكنني ما زلت حتى الآن أشعر بقلق الانفصال والصدمة النفسية العالقة منذ ذلك الوقت.

وتقول عمتي إنها تتذكر السيارة التي غادرت فيها والدتي إلى المطار، وأخبرتني كم كنت أبكي وأصرخ وأرفض الركوب في كل مرة أرى فيها تلك السيارة بعد ذلك. ولا أقيس، على الإطلاق، ما يحدث للعائلات على الحدود على تجربتي – كنت آمنة ودائماً مع العائلة- ولكن هذه التجربة ظل لها تأثير دائم في حياتي، وهو أمر ما زلت أحاول معالجته بعد عقود عدة.

وأصبحت مصورة صحافية لأنني أردت أن أكون جزءاً من الصناعة التي تحاول التواصل مع التجربة الإنسانية، إذ جُبت الحدود الأميركية- المكسيكية أرصد قصصاً يومية لأشخاص عاديين أجبروا على العيش في ظروف استثنائية.

أعلم مدى صعوبة التقاط صورة تدفع الأشخاص للاهتمام بها- ناهيك باتخاذ إجراء يتعلق بشخص لن تلتقي به أبداً، لكن إلى أي مدى نحن على استعداد للسماح لطفلة تبلغ من العمر عامين بأن تكون رمزاً لأزمة وطنية؟

ولطالما كان التصوير الصحافي والصحافة مرتبطين على نطاق واسع وبشكل جوهري بالمحصلة النهائية، فعبارة “كلما كان الأمر أكثر دموية، كلما تصدر الأخبار” تعد قولاً مأثوراً قديم الأمد في غرفة صناعة الأخبار لوصف ما يستحق أن يتصدر الصفحة الأولى. ففي كثير من الأحيان، تستمد الأخبار حياتها من تطرف التجربة الإنسانية، وهذا هو سبب تغطيتنا الصراع في النصف الآخر من العالم حين اندلاع الحرب ثم نسيانها بحلول السلام فيها، والأمر ذاته في المجتمعات المهمشة، إذ نميل إلى التركيز على الروايات المأسوية.

فنحن نهيئ جماهيرنا، بما نفعله، لقبول هذا النوع من الصور باعتباره منظوراً راسخاً وعملاً نبيلاً وشجاعاً وجريئاً، لكننا في الواقع، نستفيد من ألم الأعراق السوداء والسمراء ومعاناتها – ونسميها الصحافة البطولية، على رغم أن محرري هذه القصص وكتابها معظمهم من العرق الأبيض.

وتتمثل الحقيقة المُؤسفة في أننا، في كثير من الأحيان، إذا ما أردنا أن نؤجج مشاعرنا نحو “الآخر”، فلا بد أن يكون الأمر مروعاً، فنحن نحتاج إلى رؤية أسوأ كوابيس أحد الأشخاص.

فإذا كنا- مشاهدين ومواطنين- راغبين في أن نكون أكثر تعاطفاً، فنحن نحتاج عندئذ إلى ردع استغلال المآسي الشخصية، ونطلب من مؤسساتنا الإعلامية التي تمثلنا أن تُقدم ما هو أفضل.

ويجب أن تكون صورة جون مور، موضوعة في سياقها بدقة، كافية.

 

*كاياناز اميرا

هذا المقال مترجم عن موقع vox ولقراءة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي

إقرأ أيضاً